لا أبشع من طقوسِ الحربِ
كلما غفتْ رصاصةٌ
على زندِ مدفعْ!
قليلًا..
تحاول الرصاصةُ النومَ
تحاول باستماتةٍ
أن تميلَ برأسها يمينًا
أو يسارًا..
لا غير عينين تُشعّان برقًا
يخطفُ قلبها الأبيض للحضيضِ؛
فانتبهتْ على سنابكِ الخيلِ
وهي تدهسُ بـزّتها العسكريةِ
فوق الجدار.
*
[يا سادتي الذين
دخلوا الحرب نـُزهةً
من مقاعدِ المتفرجين
أعطوني البحرَ في أجولةِ ملحٍ
أعطوني بلاطاتِ القصورِ
المُمرّدةِ الجذورِ من نبيذٍ وجواري
أعطوني أرواحَ الرعايا
المُمغنطةِ في أسلاكِ الهاتفِ
أعطوني عربةً خشبيّةً؛
وكاسحاتِ هزائم]
..
كنتُ سأحملهم معي:
جـثّةً..
جـثّـتين – ثلاثَ جُثثْ
الصبْيةُ عن يمين الربِ
قد جلسوا مناصفةً بين مطرقةٍ وإنسان
.
هناك من الجُثثِ
ما تصلح لسماعِ الإذاعةِ المدرسية
ومشاهدةِ التلفاز
للوقوفِ في حراسةِ المرمى
أو القفزِ لإحراز نقطةٍ ثلاثيةٍ
في دائرةِ “الباسكت بول”
.
على حجرٍ وساقْ
على وقعِ انهيارٍ وصرخةِ ريحْ
صعدنا “التلَّ” معًا – وما وجدنا التلَّ
جلَوْنا الغبارَ عن الوجوه – ولم نجد وجوهًا
صعدنا الجبلَ الذي
يبنون عليه أفخاخًا للأباتشي
وهبطنا مُظفّرين بأكبادِها المُصفّحة
لكننا للتو فقدنا الدارَ
من جذورِ الأرض
فقدنا الدارَ
التي صارت لقرنينِ هنا
محطَّ أسفار الحنين
مستورةً بالخُبزِ في باطيةِ العجين
مسقوفةً بأستارِ الذكريات
ومذعورةً كلما أرادوا
أن يُنيروا الأحمرَ الداكنِ
في سبّورةٍ من ضبابٍ حالك
[ما عادت الدارُ
تحت صليلِ المدافعِ
غير قطعانٍ من الأطلالِ
وأسرابٍ من الفزعِ الشائك!]
.
وصلنا محطّات الملاجئ
وقد هدّنا السيرُ بالعربةِ المجرورة
فليس بالضرورةِ
أن تعقد الحربُ اتفاقًا
بين قاتلٍ وضحيةْ!
لم نكن نحتاج تزويد الجحش الصغير
بالحديث في أذنيه
عن ويلاتِ الحروبِ الخاسرةِ
وعن مساقطِ الضوءِ الحداثية
أو بشاعةِ الركوبِ
أسفل بطنهِ الضامرةْ
لطالما مضيتُ والعربةُ وحدنا
وحدنا، يألفنا الطريقُ ولا نراها
نحمل رأْسيْنا الخافقين
ونُهمل المتاهةَ في عوْدةِ الحرس
وحدنا/ العربةُ والرصيفُ: عورتان بلا مشرطِ تقطيبٍ
وحدنا الأجوبةُ/ وخيباتُ السؤالِ: تنطق بالخرس!
.
كان يكفي أن تكون الجثة فوق ظهري
بالقُربِ من نافخِ الكير مبتور الذراعِ
وبعدها الجسرُ يأخذ قيلولته
على ضفّةِ النهرِ المُحتَبس!
وكنّا نظنّ النهرَ – بعمقِ المدى ينهضُ مُرتحلًا
وأوْلى مِن أن نكيلَ له اللعناتِ
نمنحه بعضَ المديحِ؛
فلولاه، الآن، ما ترجّل
عن جوادهِ السيفُ
والصهوةُ المُنذرةُ
والبيداءُ،
وما أسْمعَ في الرّدى: همهمةَ الفَرس!
هو النهرُ في الملكوتِ:
[مُمتدٌ من جذورِ الأرض
مجبولٌ، هنا، بخلودِ الماءِ
ومصقولٌ بأرواحِ الذين سَقُوه دَما..]
..
[سيعيد النهرُ قيامته المجيدة..
ويمضي حاملًا مرافئَ ظِلّه]
ليمسح عن جبينِ عروبتنا -غطاءَ العسس!
محمد حسني عليوة. شاعر مصري
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply