ثنائية القارئ والنص؛ المسافة الجمالية وإعادة إنتاج المعنى
تَخلق النصوصُ الاجتماعية التي تتكئ على الواقعية السحرية، وتنطلق منها لتتشابَك مع مناهج أخرى واقعية ونفسية وتاريخية، عوالمَ أخرى يمكن منها تفسير النصوص من عدة زوايا، عبر نظرات وتفسيرات قد تتقارب فيها الرؤى أو تتباعد تبعًا للزاوية التي تسبر غور النص وتكشف دلالته البعيدة، هذه الرؤى قد تتناول النص عَرْضًا وتشريحًا، أو تتعامل مع معطيات بعينها تكون من مفاتح تأويله ومداخلِ فك رموزه وشفراته، وهو ما يُعرف بنظرية التلقي التي تجعل القارئَ عنصرًا رئيسًا في محاولة لتفعيل العملية الإبداعية، تهدف إلى تعدد القراءات وتنوع التأويلات.
وفي قصتها “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا” للكاتبة روعة سنبل إن كان في دلالة النص الظاهرة ما يُغني المتلقي ليجد المتعة والتشويق بوصفه نصًا غنيًا بعناصره التي تُتيح قراءته وتقدّم المتعة وتشهد للكاتبة بحرفية البدء والاستهلال والانتقال، وما يتخلل ذلك من عناصر المتعة والتشويق وغيرهم من العناصر الرئيسة التي يَنبني عليها فن القصة القصيرة.
وهي عناصر كثيرة لم يخلُ منها النص. ولكن تعمق النص وسبر أغواره ربما يحقق متعة إضافية، عبر ما يُتيحه من مسافات جمالية ومناطق رمادية يشارك فيها القارئ بفاعلية، بهدف سد الفراغات والبياضات للتوصل إلى دلالته البعيدة إذ يتحول فيها العالم الظاهر إلى عوالم خفية، وتتبدّل شخصيات النص إلى رموز غائبة، وتصبح الفكرةُ أفكارًا اجتماعية وحياتية أو أزمة نفسية، أو قضية سياسية كبرى من المسكوت عنه. هنا تتجلى عظمة النص وإبداع كاتبه.
والمتأمل في نص “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا” يجد أنّ دلالة النص قد تشكلت مبكرًا وبداية من العنوان فقد تشكلت الدلالة عبر هواجس أصبحت على طول الخط السردي تُطارد البطلة وتؤرقها، لتصبح فيما بعد كابوسًا يقضّ مضجعها وينغّص عيشها، هواجس تشكلت من رموز تحملها رسائل وحدها الذات الساردة من تؤمن بها، وتحاول فك شيفرتها والبحث عن دلالتها عبر أسئلة مُلحَة باتت تنقر رأسها؛ من يرسل هذه الرسائل؟ ولمن؟ ولماذا؟ هل الرسائل استغاثات أم نداءات؟
أسئلة خَلقت حالة من الحيرة والاضطراب، وللكشف عنها نحتاج أن نعود إلى نقطة البداية وعنوان النص؛ “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا“، هذه العنونة التي تقودنا إلى دلالة بدأت تتشكل من وعي البطلة وذاتها المنغلقة على نفسها، والتي تتقاطع مع الوعي الجمعي المحيط: الزوج، والأم، والطبيب. فوحدها البطلة من تستطيع قراءة هذه الرسائل المشفرة، وقد بدأت بالفعل في تأملها وتحليلها ونسخها في دفترها للكشف عن دلالتها، أما هم فكانوا يصرون على أنها مجرد هلوسات لا معنى لها، فيطلبون لها الرقية والعلاجات، ويحثونها على التماسك، يقابل ذلك إيمانها بما تظنه حقيقة لا تملك عليها أي دليل، فتنزوي بنفسها وتختار الصمت طريقة للهروب، فيصبح صمتها آخر وسيلة للتعبير عن الرفض والاحتجاج، وكلما تأزمت المواقف، يصبح الصمت خيارًا أكثر فاعلية تتصاعد وتيرته، فتختاره بداية، ثم تكتفي به، وأخيرًا تختفي خلفه. “فاخترت الصمت، وأكتفي بالصمت، واختبأتُ خلف صمتي”.
ومع نهاية النص تتداخل الرؤى وتتباين التأويلات، ويحتدم الصراع؛ صراع البطلة مع نفسها ومع مجتمعها المحيط، صراع ينتهي بالمواجهة، وتبدو فيه البطلة وقد تخلصت من جميع العوائق في سبيل الوصول إلى الحقيقة؛ حيثُ تتجلّى فكرة التضحية بالنفس وتقديمها قربانًا، انطلاقًا من فكرة فناء الجسد وخلود الروح، تبعًا للأساطير والمعتقدات القديمة التي تقوم على مفهوم الخلاص والتحرّر وصولًا إلى الحقيقة. وقد جاء في النص:
“الآن فقط عرفت كل شيء وتذكّرتُ كلّ شيء، الآن فقط صرتُ شجاعةً بما يكفي، أريدُ أن أحكي، أن أصرخ، لكنْ لا صوت لي، أخمشُ عجينَكم بأظافري، أخربِشُ على أرغفتكم، أحاولُ أن أخبرَكم بكلّ ما أعرفه“.
وفي سبيل الوصول إلى هذه المعرفة كان لا بد من التضحية. “ناداني وهج النار – تخلّصت من كل الأذرع التي تشبثت بي- قذفت نفسي في اللهب“.
وطوال تلك الرحلة التي قطعتها البطلة لكشف دلالة الرسائل المشفّرة، تشكّلت بالتوازي مع الدلالة الأولى الظاهرة -دلالة الاضطراب والهلوسات والمرض النفسي- وهو ما يعني أن كل ما تراه مجرد تهيؤات ناتجة عن مرض نفسي، وقد جاء في النص: “فأنا ممنوعةٌ منذ عامين عن النّشرات والتّقارير الإخبارية، في محاولةٍ لانتشالي ممّا سماه الطّبيبُ اكتئابًا مزمنًا“.
بجانب هذه الدلالة “الحقيقة” تشكلت دلالات جديدة تكونت في وعي البطلة، وتمثلت في رموز غير مقروءة تمثل حقيقةً مَا وتؤكد أن “أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئًا” ويجب أن نعرف من هذا المجهول؟ وماذا يريد؟ ومن هنا بدأت مهمتها في محاولة لفهم تلك الرموز وتحليلها، فكانت البداية مع الرسالة المشفّرة الأولى، واسم البطلة المطبوع على الأرغفة، كأنها رسائل مرسلة بعلم الوصول، حُفر عليها العنوان واسم المرسل إليه،
ثم كانت الرسالة الثانية بعد ثلاثة أيام مع حصة الخبز حين رأت قلوبًا مرسومة على وجه الخبز عبر أشكال حفرتها النيران على الأرغفة، وما فيه من تأكيدٍ على العلاقة الوطيدة بين المرسل والمرسل إليه، فلا يستخدم النار في وشم الرموز إلا عاشق أو محب، ومرة أخرى في مناظر وأوصاف؛ “مشانق تتأرجح، رؤوس مقطوعة، مقصّات، وسكاكين، ووجوه جلادين، وشواهد قبور… وغيرهم” هذه الدلالات التي تعبر بقوة عن الظلم والاضطهاد كأنها استغاثات وآهات تشق حلوق المظلومين وتتوسل النجاة والخلاص.
المسافة الجمالية واستخدام الرمز:
تكمن القيمة الجمالية لاستخدام الرمز ضمن الحيل السردية التي يلجأ إليها كاتبٌ في القدرة على توظيفه توظيفًا يخدم الفكرة والنص، والمتأمل يجد أن الرمز في النص يؤدي دورًا رئيسًا، فلا يمكن فهم النص إلا من رموزه وعلاماته، ذلك عبر قرائن ودلائل مفتاحية تعبّر عن الفكرة والعوالم الخفية التي خلقتها الكاتبة، بداية من حالة الاضطراب/ الهلوسات/ والمرض النفسي، وما يصاحب هذه الحالات التي تبدو فيها الشخصية أكثر حدثًا ومعرفه بالمجهول؛ لذا باتت تَلْفت انتباههم تقول: “رسائلُ سريّة مشفّرة ظلّت تصلني لشهور“، وتقول أيضًا في تأكيد آخر على حقيقة الرسائل وفهم دلالتها: “أستطيع قراءة الإشاراتِ والرّموز كما تقرأ عرّافة خطوط الكف” كأنها تؤكد على نداءات المجهول وإشارات ورسائل التحذير التي يستقبلها حدسنا، فنستشعر الخطر أو الخوف، لكننا دائمًا نمضى دون أن نبالي، وهو- أيضًا- من ناحية أخرى تأكيد ضمني على عجز الإنسان وعدم قدرته على معرفة المجهول الذي يخلق حالات من القلق والاضطراب، وهو ما يجعل الإنسان شديد الحساسية لكل المؤثرات الخارجية، وما يترتب عليه من حالة من الصراع الدائم والمتجدد بين الإنسان، وكل ما يحيط به من ثنائيات؛ الفرد مقابل الجماعة/ السلم مقابل الحرب/ الثورة مقابل الخنوع/ والوعي مقابل الغفلة/ الظلم مقابل العدل، وأخيرًا دلالة الرموز وتعبيرها عن حالة أخرى من الصراع ربما تكون أشد تأثيرًا؛ وهي صراع الإنسان مع نفسه وتهيؤاته واضطراباته وتقلباته. الإنسان الفرد مقابل العالم الذي يعيش فيه ويستشعر تحولاته وصراعاته وحروبه، الإنسان الذي يستشعر الخطر ويخشى النوازل ويصارع المجهول، ويحاول دائمًا أن يلتقط الإشارات البعيدة، والرسائل المشفّرة التي يرسلها القدر ويخفيها المستقبل، كونه الحاضر الغائب بكل ما يحمله من خير وشر وأفراح وأحزان، وكلها أحداث نؤمن أنها قد تحدث في أي لحظة دون أن نعلم أين ولا متى، فهي دائمًا “رسائل مشفّرة” ودائما بيننا من يستطيع قراءة الإشاراتِ وفك شفرات الرّموز مثلما تقرأ عرّافة خطوط الكف.
“أحدهم يريد أن يخبرنا شيئًا” نصٌّ بديع برمزيته وفكرته وانفتاحه على كل القراءات والدلالات.
عبد الرحيم خير. كاتب مصري
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply