نهى حسين: جبيرة

“وترعرعتُ في الهوامش

وعيًا لا يزورُ النصوصَ إلا شجارا”

ترفع جارتنا طرف ملفعها الأسود المتهدل؛ لتُحكِم ربط شرائط الجبيرة: 

“ها قد تمَّت”. 

ثمّ تربّت بخفّة عليها، متسائلة: 

“مشدودةٌ كثيرًا؟”. 

فأكتم ضحكتي، لقد صارت أمّي تشبه فزّاعة الحقول بساقها الخشبيّة هذه! تلتفت إليَّ كأنّها عرفت ما حَاك في خيالي، فتطلب منّي تنظيف المكان بسرعة من الطّحين المتناثر، وقصاصات القماش الأبيض، ورفع لوح الصّابون المبلول خشية أن ينزلق به أحد، وشطف الماء الذي غُسلت به ساقها المكسورة. وتعقّب بتذمّر أو ألم: 

  • “ضَعي معطّرًا في دلو الشّطف؛ فرائحة البيض البلدي تملأ أنفي!”. 

أنهض متثاقلة عن الأريكة، وأفكّر: 

  • “لماذا لا تثق أمّي/ جارتنا بالطبّ الحديث؟”

أخرجت سريري المفرد من غرفتي إلى غرفة معيشتنا الضّيقة، ووضعته جوارَ النّافذة حيث يمكن لأمّي أن تتسلّى بحبال غسيل جاراتنا، والتّعليق على نصاعة ملابسهنَّ الدّاخليّة، وطريقة نشرهنَّ الغسيل التي تدلّ على “ستّ البيت”؛ فالسّراويل بعضها إلى جوار بعض، والقمصان المعلّقة من أطرافها السُّفليّة بالملاقط، والمناشف التي تُمدُّ على الحبل الخارجي حفاظًا على حرمة البيوت! أيضًا، يمكن أن تصلها أصوات الأطفال في الشّارع قليلي الأدب، والباعة المتجولين، والمشادات العائليّة المتفاقمة علانيّة أو في خفاء.

أمّا ما بقي من الوقت، فتنصرف فيه إلى إصلاح ملابسنا القديمة أو تجهيز مكونات غداء (سيجيء): تقطيع البصل هو المفضل لديها؛ ذلك أنّه حُجة تداعيها في الأسى. كذلك، تقشير البطاطا، وفرم الطماطم، وحفر الكوسا، وتنقية البرغل من الحصى، ونخل الطحين من السّوس، وفصفصة الثّوم، وعصر اللّيمون… 

مازحها أبي مرّة عندما عبرت طائرة مُقاتلة، قائلًا: 

“لقد حضّرت طعامًا يكفينا لِمَا بعد الحرب!” 

فتوقفت عن الانشغال بالمؤونة مذ ذلك الوقت. لقد حاولت ردّها إلى أعمال المطبخ تلك؛ كي تنسى الحكّة التي تسبّبها الجبيرة. لكنّها، طفلة عنيدة!

لقد تكدّست غرف البيت كلّها حيث هي: أدويتها على الطّاولة القريبة، وأكياس الخضار التي ستفرزها، ودفاتر تحضيري، والمسجلّة التي يخمّن أبي السّلك المحروق فيها، والملابس التّالفة على الكرسي، والتي صلح حالها على الأريكة! يثير اهتمامي هذا الفصل النّوعي لدى أمّي. يبدو الأمر كما لو أنّه نار، وجنّة! إنّها تعاملها على هذا النّحو على أساس أنَّ الأشياء كلّها لها روح! أذكر أنني ركلت في إحدى المرّات باب بيتنا؛ فالظهيرة مسعورة أكثر من شغب الأطفال عند الانصراف، ومن نزق مديرة المدرسة. لم تفتح لي الباب مع أنّها كانت تسمع نداءاتي المتكرّرة وطرقي المتواصل. لقد بقيتُ جالسة عند عتبة البيت إلى حين عودة أبي! حينها، أدخلته بحفاوتها الجميلة، وأدارت ظهرها لي، قائلة بصرامة: 

  • “ما ذنبه إذا أوذيت أن تؤذيه؟” 

بداية، كان النّظر من النّافذة مؤنسًا لها. ثمَّ صارت تكتفي بالتّحديق في السّماء الّتي تكسّر زرقتها الطّائرات الحربيّة، والتّسبيح على سلامياتها الخشنة، والتّأكّد من أنَّ العلبة التي نضع فيها الماء لليمام لم تجفّفها الشَّمس. خلافًا لأبي الذي يتجنّب تلك الزّاوية التي تُشرف على يوميات حزننا الحاد. تعتقد أمّي أنّ هذا من وَرَعِه. 

أمّا أنا، فأدرك كيف يُغيّرنا هذا (الخارج) الذي نعيشه دون قصدٍ منّا؛ إنّه يجفّف ماء اليقين فينا خبرًا بعد خبر.

إنَّ أبي لا يريد إصلاح المُسجلة -اليوم أيضًا- لئلا تغيب أمّي في خوفها… فكلانا، يعرف أنَّ الطّائرات الحائمة هي التي تُنسيها عدد تسبيحاتها لا رغبتها في عدم التّعامل مع الله بمادية! وأنَّ جسدها بدأ ينطوي على نفسه هو الآخر؛ لأنّ الحرب أقرب من اليمام إلى نافذتها! تقول في سرّها الذي نطلع عليه أنا وأبي: 

  • “ماذا لو وصلت إلى هنا؟ كيف سأنجو بهذه الجبيرة؟”

في مساء تلا نبوءتها المتورّمة، اهتزّت جدران بيتنا فاستدرنا مفزوعين؛ كي نتأكّد بأنّها لمّا تسقط علينا بعد. قال أبي وهو يفكُّ هيكل المُسجلة: 

  • “بعيد… بعيد!”. 

ووضعت أمّي يدها على صدرها لتستدرّ لطف الله بانقباضاتها صاخبةً: 

  • “دخيلك يا ربَّ! دخيلك!” 

وطلبت منّي أن أحضر لها حجابها من الأريكة على حذر وسرعة؛ فمن الجيد أن يصيبنا الموت مستورين! حاولت أن أبث فيها أمانًا أفتقده: 

  • “يا أمّي! بعيد…بعيد!” 

لأتابع تصحيح أخطاء طلّابي التي لا يُغيّرها الوقت. 

يُلح عليَّ هاجس كلّما رُشِقَ صاروخ في هذا المدى المتآكل:  

  • “هل سأموت في البيت أو خارجه؟”

لا أدري إن كان هذا سيشكّل فرقًا. فما يربك ويخدش الرّوح أن يكون البيت هو سدرة المنتهى! أشطب ورقة الطّالب بين يديَّ سهوًا. لقد تذكّرت كيف سألت طُلّابي هذا السّؤال الذي استُدعيت بسببه إلى إدارة المدرسة مرّات عدّة؛ فالكوابيس صارت تلتهم أيّامهم كلّها.

ربّما، السّؤال لم يكن مناسبًا للأطفال حقًا. لكن، ماذا عن الحرب النّاشبة هنا/الآن؟ 

هل تناسب أحدًا منّا؟ 

فكّرت إذا ما كنت أجيء بهيئة موت في بالهم! حسنًا، ظننت أنّهم مثلي جميعًا؛ يفضلّون ذلك الرّحم المألوف. على أيّة حال، كانوا في منازل متفاوتة من هذا السّؤال: إغماض العين، والصّمت، و”أريد ماما”، والخارج كي نلعب ونضحك أو نموت!

في صباح أعقب أسئلتي، حامت طائرة استطلاع. فتذكرت أن أخبِّر أمّي عن الطّالبة التي رسمت الطّائرات دجاجات تفقس صواريخ! كم ضحكتُ من فكرتها عن الخراب مع أنّها تبدو محقّة بحسرة أو أخرى. أمّا أمّي، فظلّ وجهها واجمًا وراحت ترّدد في وجهي: 

  • “الله يكفينا شرك وشرّها!”

أخذ أبي قميصه من الأريكة، وتهيأ للخروج إلى محلّه الذي يقع في هامش هذه المدينة. كان قميصه آخر قطعة نظيفة هناك! فقد أصيبت أسلاك الكهرباء بطلق ناريّ عابر! سألني بتوّدد إذا ما كنت سأرافقه مشيًا في الشّارع المفضي إلى الخوف وحده، فأخبرته بأنّني من الآن فصاعدًا سيكون لديَّ الوقت لشرب القهوة مع أمّي قبل المدرسة؛ ليتمّكن الطّلاب من تجاوز حواجز التّفتيش المنصوبة في كلّ خطوة! يومها، رجع أبي ليدير المفتاح في الباب بعد أن أغلقه، فقالت أمّي: 

  • “جعله الله خيرًا”. 

فعانقها، وعانقني حتّى كدت ألمس جمرة شوقه. 

لا أعرف لِمَ بكت أمّي كطفلة أُخذت منها دُميتها عند مغادرته! 

ربّما، زادت حساسيتها، مؤخّرًا. تُرى هل للبيض البلدي الذي دخل في مكوّنات جبيرتها علاقة بذلك؟ 

سألتها عن سبب بكائها، فأجابتني أنَّ أبي وسيم أكثر من أيّ يوم عرفته فيه، فقد بدا متوهجًا وحالمًا كالنّظر من النّوافذ. ابتسمت؛ لأنّها تحبّ أبي في غيابه أكثر. أمّا أنا، فلم يلفتني وجهه النّوراني، وإنّما طريقته في احتضاني فثمّة معنى غامض تكثف فيّ حينها.

نزل صاروخ قريب فضّ شرودنا. 

ودنا سعار آخر منّا أكثر.

أقنعت أمّي بسحبها إلى الحمام؛ فدعاماته ستحمينا فيما لو هبط البيت. صفعت فمي: 

  • “لا سمح الله”.

طبعًا، لم أعرف بأنَّ أمّي ثقيلة إلى هذا الحدّ إلّا يومها؛ لأنّي لم أتمكن من حملها، وعزَّ عليّ سحبها بهذه الطّريقة. استغرق الأمر منّي خمس دقائق على أنّ المسافة لم تكن كبيرة؛ فبيتنا مكوّن من غرفتين يتوسطهما حمام؛ نتخذ الأولى غرفة معيشة في نهارنا، ومنامة لأمّي وأبي بعد مغيب الشّمس، والثّانية نلمُّ بها حوائجنا التي كانت تنوي أمّي فردها (في بيت تحلم به) حيث سريري الذي أخرجته ومخبأ أسئلتي. في طرفها نفسه، خزانة المطبخ والثّلاجة بطابقيها، والرّف الوحيد المقسوم إلى حوض غسيل الأطباق ومكان تجفيفها.

لقد كانت تعينني بالزّحف على ظهرها حينًا، ولكنّ العصا المثبتة في ساقها المكسورة أرهقتها وغلبت قلبي. ألمها اشتدّ عندما دقّ الكرسي بها، فدفعته ليرتطم بالأريكة. آنذاك، انفجرت بكاء – فهي التي لم تفعل ذلك من قبل!

افففف!

وصلنا إلى الحمام.

حاولت رفعها على كرسي الحمام ثمّ غيّرت موضعها كما طلبت، فقد سألتني: 

  • “هل دَلَكْتِهِ بالفرشاة اليوم؟” 

نظرتُ إليها بدهشة، وأجبت: 

  • “هذا غير مهم الآن!” 

أعرف ما يدور في رأسها الآن: “من الجيد، أن نموت في مكان طاهر!”

هل تشكل تفاصيل الموت هذه فرقًا؟

ربّما، أنا أشبه أمّي. دفنت رأسي بين كفيَّ، وفارت الأسئلة بركانًا من الشَّك: 

  • “هل سأموت في البيت أو خارجه؟” 

لم أكن كافية لإيقاف أيِّ من هذا كلّه!

شهقت، فوجدت أمّي تحاول أن تُبدّد الرّائحة الواخزة المنبعثة من الحمام الذي لم يُصلح أبي غطاءه بكفٍ هائجة! وتعود إلى اسم الله اللّطيف بينما الصّواريخ يكثر بيضها.

تهتاج يدها أكثر فأكثر؛ لتخطئ في إحصاء أسماء الله الحسنى على سلامياتها. فأنظر إليها بيأس قديم، وأجرؤ على ملء الفراغات المتضوّرة حناناً بيننا (لأوّل مرّة):

  • “أمّي… هل ساقك الخشبيّة تُفزع الغربان في قلبي، أيضًا؟”

أمّي… لماذا لا تثقين بالطّب الحديث؟”

“أمّي… لماذا تحبّين أبي في غيابه أكثر؟”

“أمّي… هل توقفت عن شغل المؤونة بسب المزحة أو لشيء آخر؟”

“أمّي… هل اطلعت على الاتجاهات الفكرية المعاصرة؛ لتقولي أنَّ تعاملك مع الله ماديّ؟”

يتوقف هدير الأسئلة مع أنّ النوم لم يطاوعنا. فأقترح على أمّي أن أُحضّر البنّ الذي لم نفتح علبته، ونستخدم دلة قهوة من تلك الماكثة بوداعة في خزانتها؛ لنحتسي فنجانًا (قد يكون أخيرًا) بينما يأتي دورنا في أي مآل كان!

تنهرني عن ذلك. 

  • “هل يعقل أنّ الطّائرات تقصف ونحن…!؟”… “ثمّ هذه المقتنيات لبيتنا الجديد!”

تغصّ.

وأتجاهل مسافة أخرى.

أعود فأركب عنادها، لتجري معي إلى عَدَمٍ أكثر ألفة.

  • “أمّي… من طرد اليمام من نافذتنا؟”

“أمّي… ما المشكلة في ألّا تكون ملابسنا الدّاخليّة ناصعة البياض، دائمًا؟”

“أمّي… لِمَ على المرأة أن تكون (ستّ بيت)؟”

“أمّي… كيف تحلّلين شخصيّات جاراتنا من حبال غسيلهنَّ؟”

أزحف إلى الغرفة الأولى؛ لأجلب الغاز الأرضيّ، ثمّ إلى الغرفة الثّانية؛ لأخرج البنَّ وفنجانين عليهما أزهار بنفسجيّة، ودلة صغيرة شفافة؛ فالبيت لن يجيء… عندما صارت في حوزتي ابتسمت لها كأنّها خَدر هذا الوقت الجارح.

تناديني أمّي من مكانها؛ إذ يطفح صوت الصّواريخ لتتأكّد من أنّني مازلت معها. أضرب الدّلة بالجدار وأعلم أنّ هذا سيثير غضبها، لكنّه سيطمئنها في الوقت نفسه.

عدت إلى الحمام، لنشرع في تحضير قهوتنا. لكنّ الرّائحة كانت مزعجة أكثر هذه المرة…

لقد تقيأت أمّي غير مرّة!

تجاهلنا هذا الخراب، حاولت فكّ جبيرتها دون جدوى. ثمّ وضعنا دلّة القهوة على النّار، وانتظرنا غليانها… كان بطيئًا كمسير حلزونة! التفتّ إليها، وسألتها بصوت متقطّع: 

  • “هل سنشربها معًا؟”

“أمّي… أيكشفنا الموت أم يسترنا؟”

“أمّي… لِم عليَّ أن أضع الملابس التي أصلحتها على الأريكة لا على الكرسي؟”

“أمّي… هل النّوافذ كذبة؟”

في أثناء ذلك، سقطت العمارة قبالتنا. عرفنا ذلك من الغبار الذي انتهك لحظتنا الهاربة، فجأة. سعلت أمّي، وبكت؛ لأنّني كنت أسعل أكثر دون أن تستطيع فعل شيء لأجلي. 

الجبيرة هي الأخرى لعنة!

سكن الغبار. 

وشيء ما سكن حولنا كما لو أنّ المدينة خلّوٌ إلّا من امرأتين تحضّران القهوة في الحمام! قلت لها برغبة من لم يسأم حياته: 

  • “سنعاود تحضيرها كما لو أنَّ موتًا لم يكن”.

لمست رطوبة في عينيها!

لكن، عندما نظرتُ إلى خرطوم الشّطف؛ تردّدت. ماذا أفعل! هو الماء الوحيد الممكن لتحضير القهوة في مثل هذا الموقف اليابس. ضحكنا ضحكًا كالبكاء:

  • “أمّي… هل تصير الأشياء لنا بمجرد أن نشبهها؟”

صاروخ يدمّر جدار غرفتنا الأولى. أدركتنا شظايا الزّجاج وقطعة محطمة من الأريكة أو الكرسي (فلم يعد هناك فرق). وكتمت ذكريات حلوة كثيرة في تلك اللّحظة خشية أن تضيع منّي هي الأخرى في هذا السّديم الأبيض!

نبهتني أمّي إلى غليان الماء في الدّلة، وطلبت منّي علبة البن؛ لتلقمها. إذ انتبهت إلى شرودي الفادح. رفعت صوتها كالمنارات؛ لتسألني عن الملعقة أو تخرجني من هنا. أومأت بكتفيَّ أنْ لست أدري! طبعًا، لم يكن ممكنًا أن أخرج من الحمام إلى الغرف بعد القذيفة الأولى؛ ذلك أنّنا سمعنا غير مرّة بأنَّ علينا ألّا نتحرّك من مكاننا عند سماع الانفجار الأوّل إذ يتبعه انفجار آخر. 

كلّ شيء يحول بيننا وبين قهوتنا الموعودة.

ربّما، هناك مخرج!

  • “أمّي… هل نتخلّى عن وساوسنا أيضًا في الحرب؟”

“أمّي… ألّا نملك إجابات لكلّ شيء؟”

“أمّي… هل كانت رائحة البيض مزعجة لك قبل جبيرتك/الرّسمة التّي حدّثتك عنها؟”

لقد لقمتها بأصابعها المرتجفة كما لو أنّها تُطعم يمام نافذتها المهشمة. وحرّكتها كأنَّ الماء لم يكن يغلي! سحب يدها بصراخ وتوبيخ!

  • “أمّي… بم سنحرّك القهوة؟”

لم تجبني. 

لحظات… أومأت إلى فرشاة أبي على المغسلة. فاتكأتُ على جبيرتها؛ لأنهض بجرفٍ من الحسرات.

  • “أمّي… هل سيغفر أبي لنا هذا؟” 

نهى حسين. كاتبة سورية

اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة
أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply