محمد زعل السلوم: رحلة في المسرح الإيطالي

  1. الكوميديا ديللارتي: نشأة المسرح الاحترافي العلماني في أوروبا:

تحتل الكوميديا ديللارتي مكانة مميزة في تاريخ المسرح الأوروبي، إذ تُعد أول شكل من أشكال المسرح العلماني الاحترافي الذي ظهر في أوروبا. وقد استرعى هذا الفن اهتمام الباحثين وممارسي المسرح، نظرًا لتأثيره العميق في تطور الفنون المسرحية لاحقًا في بلدان أوروبا المختلفة، بدءًا من إنجلترا حتى فرنسا، ومن شكسبير إلى موليير وما بعدهما.

تعدد الأسماء والدلالات:

حملت الكوميديا ديللارتي أسماء متعددة عبر تاريخها، منها:

  • كوميديا الارتجال: للدلالة على الطبيعة الارتجالية للحوار والأداء المسرحي فيها، إذ كان الممثلون يرتجلون معظم نصوصهم بناءً على حبكة عامة دون نص مكتوب تفصيلي.
  • كوميديا الأقنعة: لأنها كانت تعتمد إلى حد كبير على استخدام الأقنعة الجلدية النصفية التي تخفي جزءًا من ملامح الممثل، وتمنحه هوية شخصية نمطية محددة.
  • الكوميديا الإيطالية: وهو الاسم الذي شاع استخدامه في فرنسا عندما انتقلت الفرق الإيطالية إلى هناك وأثرت في المشهد المسرحي الفرنسي.
  • الكوميديا المرتزقة: وهو مصطلح يعبر عن الطبيعة الاحترافية لهذه الفرق المسرحية، إذ كان أعضاؤها يعملون لقاء أجر، ويجوبون المدن والبلدان لكسب المال من عروضهم.

كل هذه المسميات تعبر عن عناصر جوهرية في طبيعة الكوميديا ديللارتي، وتسلط الضوء على سماتها المميزة: الارتجال، والأقنعة، والاحترافية التجارية.

خصائص الكوميديا ديللارتي:

من أبرز الخصائص الفنية للكوميديا ديللارتي:

  • الحوار المرتجل: إذ لم يكن الممثلون يلتزمون بنصوص مكتوبة حرفيًا، بل كان لديهم إطار عام للقصة (سيناريو بسيط)، ويقومون بارتجال التفاصيل الحوارية بما يتناسب مع الموقف المسرحي وردود أفعال الجمهور.
  • استخدام الأقنعة الجلدية النصفية: كانت الأقنعة ضرورية لتمييز الشخصيات النمطية، مثل العجوز البخيل (بانتالوني)، أو الخادم الماكر (أرليكينو)، أو الجندي المغرور (كابتانو).
  • الطابع التجاري للاحترافية: كان الهدف الرئيسي لهذه الفرق المسرحية كسب الرزق، بعكس المسرح الديني أو الأرستقراطي، الذي كان يُموّل من الكنيسة أو من البلاط الملكي والنبلاء.

وبرغم كونها فنًا إيطالي الأصل، فإن الكوميديا ديللارتي انتشرت بسرعة في أوروبا، وتركت بصمة واضحة على تطور المسرح الأوروبي، سواء في تقنيات الأداء، أو في خلق الشخصيات الكوميدية النمطية التي استخدمها كتاب المسرح في عصر النهضة وبعده.

المفارقة في التسمية:

من المفارقات المدهشة أن المصطلح الكوميديا ديللارتي «Commedia dell’Arte» ذاته لم يظهر بشكل رسمي إلا عام 1750، على يد الكاتب الإيطالي الشهير كارلو غولدوني.

ففي مسرحيته الشهيرة «المسرح الكوميدي»، هاجم غولدوني أسلوب الكوميديا ديللارتي، ووصفه بأنه فن متكرر، وسطحي، ومبتذل. إذ كان يرى أن المسرح الإيطالي بحاجة إلى إصلاح جذري، والتخلص من العروض الارتجالية التي فقدت روحها الأصلية وتحولت إلى تكرار ممل.

وهكذا فإن الاسم الذي نستخدمه اليوم لوصف أحد أكثر الفنون المسرحية ثورية وتجديدًا في أوروبا، نشأ في الأصل كمصطلح سلبي ازدرائي، أطلقه غولدوني ليقلل من قيمة هذا الفن الذي كان قد بدأ يفقد بريقه بحلول منتصف القرن الثامن عشر.

ذروة الكوميديا ديللارتي:

رغم هذا المآل، فقد عاشت الكوميديا ديللارتي عصرًا ذهبيًا امتد نحو قرنين من الزمن، من النصف الثاني للقرن السادس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر.

خلال هذه الفترة، تمتعت هذه الفرق بشعبية واسعة، على جميع المستويات الاجتماعية. كانت عروضهم تجذب العامة، وكذلك تجد طريقها إلى قصور الملوك والأمراء في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا.

وبرغم أنها شملت أنواعًا مسرحية متعددة –مثل التراجيديا، والتراجيديا الكوميدية، والدراما الريفية (pastoral)– فإن أكثر أشكالها انتشارًا وتأثيرًا كان الكوميديا، التي تميزت بمواقفها الطريفة، وحبكاتها البسيطة المعتمدة غالبًا على: 

  • شخصيات نمطية ثابتة (Stock Characters):
  • السادة (Masters): مثل بانتالوني، العجوز البخيل، أو الطبيب المغرور.
  • الخدم (Servants): مثل أرليكينو، الخادم الماكر السريع الحركة.
  • العشاق (Lovers): شباب وسيمون، غالبًا بلا أقنعة، يعيشون قصص حب تتخللها المكائد والعراقيل.
  • الارتجال حول حبكة بسيطة: تتعلق عادةً بمكائد عاطفية أو مفارقات كوميدية تنتهي بحلول سعيدة تُرضي الجمهور.

أصول الكوميديا ديللارتي:

أثار أصل الكوميديا ديللارتي اهتمام الكثير من الباحثين، الذين سعوا للربط بينها وبين أشكال المسرح القديم في العصور اليونانية والرومانية. من أبرز أوجه الشبه:

الفارس الأتيلية: نوع من العروض الكوميدية القصيرة التي انتشرت في منطقة كامبانيا بجنوب إيطاليا إبان العصر الروماني. تميزت هذه الفارس باستخدام شخصيات نمطية مقنّعة، مثل العجوز الأخرق بابوس، الذي يعده بعضهم سلفًا مباشرًا لشخصية بانتالوني في الكوميديا ديللارتي.

ورغم هذه الأصول القديمة، يظل المؤكد أن الكوميديا ديللارتي شكلت تجديدًا مسرحيًا حقيقيًا، لأنها جمعت بين عناصر الأداء الحي، والارتجال، والاحتراف، بطريقة لم يشهدها المسرح الأوروبي من قبل. إذ خرج الممثلون من أطر العروض الدينية، وأصبحوا فرقة محترفة تجوب المدن وتكسب عيشها من إمتاع الجماهير.

أثر الكوميديا ديللارتي:

لا يمكن الحديث عن المسرح الأوروبي دون التوقف عند أثر الكوميديا ديللارتي. فقد تركت بصمة قوية في:

  • بناء الشخصيات الكوميدية النمطية التي نجدها لاحقًا في مسرحيات موليير.
  • تقنيات الأداء المرتجل التي استلهم منها شكسبير في بعض مشاهد مسرحياته.
  • المسرح الفرنسي الذي استضاف فرق الكوميديا ديللارتي وشجعها، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة المسرحية الفرنسية تحت اسم الكوميديا الإيطالية.

وقد ساعد انتقال فرق الكوميديا ديللارتي بين الدول الأوروبية على نشر تقاليدها المسرحية، وأسهم في تكوين لغة مسرحية مشتركة بين أوروبا، تجمع بين الأداء الجسدي، والارتجال، واستخدام الأقنعة، وإشراك الجمهور مباشرة في العرض.

لحظة النهاية:

برغم تأثيرها الواسع، فإن الكوميديا ديللارتي بدأت تفقد بريقها في منتصف القرن الثامن عشر. ويُعتبر إعلان غولدوني رفضه لهذا الأسلوب المسرحي بمثابة شهادة وفاة فنية لهذا النوع من المسرح. فقد اتجه المسرح الأوروبي تدريجيًا نحو نصوص مكتوبة بحرفية عالية، وأصبح الارتجال يُنظر إليه كعلامة على الفوضى أو الهبوط الفني، لا كعنصر إبداعي.

ومع ذلك، فإن تراث الكوميديا ديللارتي لا يزال حيًا حتى اليوم. فقد ألهم هذا الفن فنون السيرك، وفن البانتومايم الحديث، وحتى أساليب الكوميديا الارتجالية في المسرح المعاصر. ولا تزال شخصيات مثل أرليكينو وبانتالوني حاضرة في الذاكرة الثقافية الأوروبية والعالمية.

وفي النهاية فإن الكوميديا ديللارتي ليست مجرد فصل من تاريخ المسرح الأوروبي، بل كانت ثورة فنية أطلقت المسرح من قيود النصوص الجامدة، وابتكرت فن الارتجال، وقدمت شخصيات أصبحت رموزًا في الثقافة المسرحية. صحيح أنها انتهت في صورتها الأصلية، لكنها تركت وراءها إرثًا لا يُمحى، لا يزال يتردد صداه في المسرح والفن حتى اليوم.

  1. إيطاليا… حين اخترعت المسرح من جديد: حكاية النهضة التي غيرت فن العرض في العالم

بين نهاية القرن الخامس عشر وبدايات القرن السابع عشر، كانت إيطاليا مسرحًا –بالمعنى الحرفي والمجازي– لانبعاث فن المسرح بصورته الحديثة. فهناك، وفي مدن لم تكن تعرف الوحدة السياسية أو حتى اللغة المشتركة بعد، صنع المثقفون والفنانون ما يسميه بعض المؤرخين «اختراع المسرح». لم يكن الأمر اختراعًا من عدم، بل كان إعادة بناء للفن الدرامي، وضع أسسه وأشكاله ولغته التي ستظل سائدة في أوروبا حتى مشارف العصر الحديث.

في هذا المقال، نسافر إلى قلب تلك الحقبة الساحرة، نستكشف كيف شقّ المسرح الإيطالي طريقه، وكيف غيّر ليس فقط شكل العرض الفني، بل مفهوم المسرح نفسه، معماريًا وفنيًا، من المشاهد المتزامنة في الساحات إلى المسارح المصممة بمنظور بصري مدهش، وصولًا إلى ولادة الأوبرا.

المسرح الإيطالي… صناعة ثقافية وليست تطورًا عفويًا

على خلاف ما قد يُظن، لم ينشأ المسرح الإيطالي كامتداد مباشر للأشكال المسرحية الدينية أو الشعبية السابقة، بل كان مشروعًا ثقافيًا خطط له العلماء والمثقفون بشغف فكري. أراد هؤلاء استعادة مجد المسرح اليوناني والروماني، لا كمجرد نصوص أدبية، بل كعروض حية كاملة البنيان، من النص إلى المعمار إلى المشهدية.

كان الفضل في هذه العودة لكبار المثقفين الذين تفرغوا لدراسة النصوص القديمة والتنقيب عن آثار المسارح الرومانية. خذ مثلًا فلاڤيو بيوندو الذي أجرى حفريات في مسرح مارسيلوس بروما، وليون باتيستا ألبيرتي الذي ألهم برسوماته معماريًا مثل بيليغرينو بريشيانو، الذي ساعد لاحقًا على تنظيم احتفالات مسرحية كبرى في فيرارا بين عامي 1486 و1502.

“التمثيلات المقدسة”.. حين كان المسرح دينًا قبل أن يصبح فنًا

لم تكن إيطاليا في عزّ القرون الوسطى خالية تماماً من المسرح. فقد عرفت ما يسمى بـ«التمثيلات المقدسة». لكنها كانت عروضًا متواضعة تُقدَّم غالبًا في قاعات صغيرة أو كنائس، بواسطة جماعات دينية، وغالبًا ما يؤديها الأطفال.

هذه العروض اتخذت أسلوبًا مسرحيًا خاصًا يُعرف بالمشهد المتزامن. كانت الخشبة تُقسم إلى عدة مناطق تمثل أماكن مختلفة (سماء، جحيم، مدينة، قصر…) تعرض جميعها في وقت واحد. ولكن مع بداية النهضة، عد المثقفون الإيطاليون هذه الطريقة بدائية، بل ووصفوها أحيانًا بالبربرية مقارنةً بالنموذج الكلاسيكي المنهجي الذي أرادوا إحياؤه.

البحث عن لغة للمسرح

كان المسرح، حتى نهاية القرن الخامس عشر، غامض الهوية لغويًا. لم يكن له اسم موحد. استُعملت مصطلحات: مثل rapresentatione – festa (احتفال) – fabula، وغيرها. كان مفهوم العرض الفني حينها لا ينفصل عن فكرة الاحتفال، وكأن العرض لا وجود له إلا بوصفه جزءًا من طقس اجتماعي أو ديني.

لكن مع مهرجانات فيرارا المسرحية، خاصةً عروض كوميديات بلوتوس وترينس، بدأت كلمة comedia تعود إلى الواجهة كوصف محدد لفن مسرحي مستقل. صارت هناك عبارات مثل recitare una comedia أي «تمثيل كوميديا»، تدل على تحول العرض من مجرد احتفال إلى شكل فني له قواعده وأهدافه.

فيرارا.. نقطة تحوّل مسرحية

في مهرجانات فيرارا، عُرضت أعمال بلوتوس وترينس مترجمة إلى الإيطالية، وإن كانت ترجمات ركيكة وساذجة غالبًا في نظمها الشعري. لكن هذه العروض كانت جزءًا من احتفالات البلاط، وكان يُسمح فيها ببعض المبالغات المسرحية والفكاهة الشعبية.

وفي الوقت نفسه تقريبًا، شهدت الأوساط الأكاديمية عروضًا للنصوص القديمة بلغاتها الأصلية، سواء باللاتينية أو حتى اليونانية، مثل عرض «إلكترا» لسوفوكليس في فلورنسا، الذي أخرجه أنجيلو بوليتسيانو وأدته فتاة نبيلة تُدعى أليساندرا ديلا سكالا.

لكن ربما كان الأهم من كل ذلك ما حدث في روما، في أكاديمية بومبونيو ليتو، حيث عُرضت مسرحيات لاتينية أمام جمهور واسع، وقد حضر البابا إنوسنت الثامن إحدى تلك العروض بنفسه. وقد أشار المؤرخ باولو جوفيو لاحقًا بأسى إلى تراجع هذه العروض اللاتينية أمام صعود العروض الإيطالية الشعبية.

المسرح.. ليس عرضًا فقط بل معمارًا

من أعظم ما أضافته النهضة الإيطالية إلى المسرح، هو إعادة تعريفه كـ «مكان» قبل أن يكون مجرد «فعل». بالنسبة للرومان، كان المسرح معمارًا ضخمًا، علامة حضارية وعمرانية، جزءًا من هوية المدينة. وقد وعى مثقفو النهضة هذا المعنى جيدًا. دعا سولبيسيو دا ڤيرولي في مقدمته لأول طبعة مطبوعة لكتاب فيتروفيوس (المهندس الروماني الشهير) إلى بناء مسرح جديد في روما يُعيد الأمجاد المعمارية للعصور القديمة.

وفي 1513 تحقق هذا الحلم جزئيًا، إذ بُني مسرح خشبي ضخم على تل الكابيتول بروما، بطول 45 مترًا وعرض 35 مترًا، مزخرفٌ ليعكس روعة الماضي الروماني. لكنه كان خشبيًا مؤقتًا، بُني خصيصًا لاحتفال سياسي مهم، وانتهى وجوده سريعًا بعد العرض.

ثورة المنظور الهندسي في المسرح

كانت أكبر طفرة في مسرح النهضة اختراع «الديكور المنظوري» أو المشهد المرسوم بالرسم الهندسي الثلاثي الأبعاد. حدث هذا لأول مرة في فيرارا عام 1508، حين قُدمت أول كوميديا إيطالية بتصميم مشهدي منظور، ما سمح بتصوير مكان محدد وموحد كخلفية للأحداث، بدلًا من المشاهد المتزامنة المتعددة كما في العصور الوسطى.

وبينما كانت المدن في المشاهد تُرسم كأماكن مثالية لا تتطابق بالضرورة مع مدن حقيقية، بدأت بعض النصوص تتجرأ على تحديد مواقع محددة. مثل كوميديا «العاشق العجوز» التي وصفت بالتفصيل شوارع بيزا ومعالمها.

لكن حتى حين يُذكر اسم مدينة حقيقية، كان الهدف غالبًا خلق وهم مثالي وليس تقديم محاكاة دقيقة للمكان الواقعي. ففي النهاية، كان المشهد المسرحي يُستخدم لإيهام الجمهور بمكان عام أو ميدان مفتوح، لكنه يبقى رمزيًا أكثر مما هو واقعي.

الكوميديا: الفن الأكثر شعبية

هيمنت الكوميديا على المسرح الإيطالي في النهضة، سواء في القصور أو حتى في بيوت الأغنياء. استقر قالبها حول قصة بسيطة: شاب يحب فتاة ويواجه عراقيل يضعها رجل مسن (أب أو زوج). ويظل هذا الهيكل مهيمنًا حتى نهاية القرن السابع عشر.

لكن كان هناك استثناءات بارزة. الكاتب أنجيلو بيلوكو الملقب بـ«روتسانتي» كتب مسرحيات عن حياة الفلاحين ولغتهم ولهجاتهم، متحررًا من قوالب الكوميديا البرجوازية. كذلك أسهمت جماعة «كونغريغا دي روزي» في سيينا في تقديم نصوص من بيئة شعبية باستخدام لهجات محلية.

الإنترميدو.. حين يصبح المسرح عرضًا ساحرًا بلا حكاية

رغم رواج الكوميديا، لم تكن تكفي وحدها لإبهار قصور الملوك والنبلاء. ظهر فن «الإنترميدو»، وهي مشاهد غنائية أو راقصة أو استعراضية كانت تعرض بين فصول الكوميديا.

في البداية، كانت هذه الإنترميديات بسيطة: رقصات قصيرة، أو عروض موسيقية. لكن بحلول منتصف القرن السادس عشر، وخاصة في بلاط آل ميديتشي بفلورنسا، تحولت إلى عروض مبهرة تتضمن ديكورات ميكانيكية هائلة، وآلهة تطير على عربة من السحاب، وجبال تخرج من تحت الخشبة، وجهنم تفتح فمها لتبتلع الممثلين!

وفي عرض شهير عام 1565 في فلورنسا، رُويت قصة «بسيشي» عبر سلسلة إنترميديات، كل واحدة أكثر إبهارًا من الأخرى. صار المشهد البصري يهيمن على العرض، حتى بدأت الكوميديا تُعامل كأنها مجرد استراحة بين الإنترميديات!

ولادة الأوبرا: حين تغنّي الدراما

شهد مطلع القرن السابع عشر أعظم اختراع مسرحي إيطالي: الأوبرا. بدأت الفكرة في فلورنسا، وسط جماعة «كاميراتا دي باردي»، وهي مجموعة من العلماء والفنانين اجتمعوا في صالون الكونت باردى. تساءل هؤلاء: كيف كانت تُؤدى التراجيديا الإغريقية القديمة؟ وخلصوا إلى أن التراجيديا كانت تُغنّى بالكامل ولا تُتلى.

لكن الغناء المتعدد الأصوات السائد وقتها كان معقدًا للغاية، ولم يسمح بفهم النصوص الشعرية. لذا ابتكروا أسلوب recitar cantando، أي التمثيل بالغناء الأحادي السلس الذي يتيح سماع الكلمة وفهمها. وهكذا وُلدت الأوبرا.

غير أن الأوبرا سرعان ما هجرت مواضيعها الريفية البسيطة مثل قصص أورفيوس ودفني، وصارت تتناول أساطير ضخمة تتطلب استعراضات ميكانيكية ومشاهد كونية، من السماء إلى الجحيم. وفي عام 1600، عُرض أول أوبرا استعراضي ضخم بعنوان «اختطاف كيفالو»، كان مزيجًا من الغناء والمشاهد المسرحية والآلات الميكانيكية.

المسرح.. من فضاء مقدّس إلى شاشة كبيرة

ما بدأ كمحاولة لإحياء المسرح الكلاسيكي، انتهى بفتح الباب نحو أشكال مسرحية أكثر جرأة وخيالًا. صارت خشبة المسرح في القرن السابع عشر فضاءً مفتوحًا لكل الاحتمالات: من تصوير مدينة مثالية إلى رسم عوالم أسطورية وأماكن خيالية. لم تعد الأحداث مرتبطة بمكان واحد أو زمان واحد. بل صار العرض رحلة عبر مشاهد تتغير كما تتغيّر لقطات فيلم سينمائي.

وهكذا تحوّل المسرح من فضاء مقدّس واحتفالي في العصور الوسطى إلى فضاء فني حرّ، لا يتقيّد بمكان أو زمان، ولا حتى بقوانين الطبيعة.

المسرح الإيطالي.. إرثٌ باقٍ حتى اليوم

بنهاية القرن السادس عشر، كانت معظم أشكال المسرح قد وُضعت أسسها في إيطاليا: الكوميديا، التراجيديا، الإنترميدو، الأوبرا. سيبقى هذا الإرث حيًا حتى أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأت في فرنسا وأماكن أخرى محاولات لإدخال أشكال شعبية جديدة مثل مسرح الفودفيل والميلودراما والمسرح الاستعراضي، وهي التي ستصنع لاحقًا المسرح الجماهيري الحديث.

لكن يظل المسرح الإيطالي عصر النهضة هو الشرارة التي أضاءت طريق الفن المسرحي في أوروبا والعالم. منه خرج المسرح بمعناه الحديث، ليس كعرض فني وحسب، بل كفن مركّب يزاوج بين النص، والمشهد، والصورة، والصوت، والفضاء، والدهشة.

وفي الختام فمن ساحات الكنائس وأعياد القديسين، إلى قصور الملوك والمسارح ذات المشاهد المنظورية، كتب المسرح الإيطالي فصلًا ساحرًا في تاريخ الفن. كانت النهضة الإيطالية –بحق– هي الفترة التي اخترعت المسرح من جديد. وما زلنا إلى اليوم، كلما دخلنا مسرحًا أو شاهدنا أوبرا أو تأملنا خشبة مرسومة بالمنظور، نشهد آثار تلك اللحظة التي جعلت من إيطاليا مهد المسرح الحديث.

محمد زعل السلوم. كاتب وصحفي سوري

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply