الأنوثة بوصفها عبئًا جماعيًا..
منذ بدايتها، تقدّم رواية «أيتام الجبال» للروائية نجاة عبد الصمد عالمها بوصفه منظومة مغلقة تُعيد إنتاج نفسها بدقة، وتُحكم سيطرتها عبر شبكة كثيفة من القيم والعلاقات.
الرواية تضع القارئ داخل فضاءٍ يبدو هادئًا في ظاهره، ولكنه يقوم في عمقه على شبكة دقيقة من القواعد غير المعلنة التي تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية. في مجتمع درزي جبلي في الريف السوري، تتداخل العائلة مع العرف والتقاليد والبنى الدينية لتشكيل نمط من العلاقات تضبطه مرجعيات متوارثة غير قابلة للنقاش. تتقاطع السلطة الاجتماعية مع المرجعيات الروحية لتحديد الأدوار وتثبيت موقع الفرد داخل الجماعة.
بين الرقابة والاغتراب الداخلي
تندرج الشخصيات النسائية ضمن بنية السردية ذاتها، لا كحالات معزولة داخلها. تتشكل هذه الشخصيات عبر مسار تدريجي من التربية والتوقعات اليومية وحدود تُرسم بهدوء، بحيث يصبح موقع المرأة حصيلة تكيّف اجتماعي ممتد، أكثر منه فرضًا خارجيًا مباشرًا.
ضمن هذه البنية، تتحدد الأنوثة بوصفها معبرًا تُصان من خلاله الجماعة. فالجسد الأنثوي يتحول إلى مخزون رمزي تُسقَط عليه قيم الطهارة والانضباط والاستمرارية. ولذلك، فإن أي خلل محتمل في هذا الجسد، سلوكًا أو رغبةً أو حتى طموحًا، يُقرأ بوصفه تهديدًا يتجاوز الفرد إلى الكيان الجماعي بأكمله. فتتحول الأنوثة إلى عبء، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها مُحمَّلة أكثر مما تحتمل.
تكشف الرواية طبيعة اشتغال هذه السلطة. إذ تقوم على المنع الصريح، وتعزز ذلك بترسيخ شعور دائم بالمراقبة. الأنثى تتعلم أن ترى نفسها بعيون الآخرين، أن تزن حركتها، صوتها، وحتى أفكارها، وفق معيار خارجي. هذه الرقابة الداخلية هي ما يمنح النظام استمراريته، لأنها تجعل الطاعة تبدو وكأنها خيار ذاتي.
تتضح بنية هذا النظام عند النظر إلى موقع الأب، الذي يتحرك ضمن شبكة سلطة أوسع تحدد أدواره بقدر ما تمنحه موقعه. فهو يحرس القيم نفسها التي تحاصره، ويعيد إنتاجها حتى حين تتعارض مع علاقته الإنسانية بابنته.
يمتد التحليل إلى ما هو أبعد من السلطة الذكورية، ليكشف دور النساء في استدامة هذا النظام. فالأم، والنساء الأكبر سنًا، يجمعن بين موقع الضحية وإعادة تدوير القيم، حيث يكرّسنها، ويقدّمنها بوصفها الطريق الوحيد للنجاة. ضمن أفق لا يتيح تخيل بدائل.
أما الشيخة بتلا، فتمنح الأعراف شرعية رمزية تجعلها تبدو بديهية وغير قابلة للنقاش، فتتحول القواعد إلى حقائق مسلم بها، ما يحد من إمكانية مساءلتها داخل الوعي الجمعي. وهنا، تتبدى إحدى أكثر مفارقات النص قسوة: القمع يُعاد إنتاجه من داخل البنية نفسها.

النساء كحارسات للقيم الجماعية
يبرز اشتغال السلطة على الجسد بوصفه أحد أكثر مستويات الرواية عمقًا. فالجسد الأنثوي يغدو علامة على تماسك الجماعة، ومساحة تُسقَط عليها مفاهيم الشرف والانضباط. هذه المركزية تجعله موضوعًا دائمًا للرقابة، من الخارج والداخل معًا، إذ تتشكل رقابة ذاتية تُعيد فيها المرأة إنتاج القيود ذاتها التي تُفرض عليها. بهذا المعنى، تتحول السلطة من قسر مباشر إلى استبطان، وهو الشكل الأكثر فاعلية لاستمرار النظام.
في قصة الأخت، يتحول التشخيص المرضي من حالة طبية إلى سردية اجتماعية مستقرة تُعيد تعريف الشخصية. يُفهم الجسد هنا عبر التأويل الجماعي لا المعرفة العلمية. حيث تتشكل الحقيقة من الخوف والتكرار والتداول الاجتماعي، فتغدو الفرضية الاجتماعية أقوى من الواقع البيولوجي نفسه.
يظهر التعليم في الرواية كإحدى نقاط التماس الحساسة مع هذا النظام. فالتعليم يتجاوز كونه مجرد انتقال معرفي ليصبح اختبار لمكانة الأنثى داخل منظومة تحدد مسبقًا سقف طموحها. يتحول المنع إلى إعادة رسم دائمة لحدود الممكن، ويغدو الطموح نفسه خاضعًا للمراقبة والتقنين. والوعي التعليمي جزءًا من صراع أوسع حول حق المرأة في تخيّل ذاتها خارج الدور المرسوم لها.
وعي النساء بين القيد والاحتمال
تشكّل العلاقة بين الفرد والجماعة أحد أكثر خطوط الرواية توترًا. فالشخصيات، وخصوصًا النسائية، تتكوّن داخل الجماعة، لكنها تعيش هذا الانتماء بوصفه شرطًا يفرض عليها الامتثال أكثر مما يمنحها الأمان. يغدو الانتماء خيارًا قسريًا، وكل محاولة للخروج عنه تُواجَه بعنف رمزي واجتماعي يعيد الفرد إلى موقعه.
في هذا السياق، يتخذ مفهوم الانتماء بعدًا أكثر إشكالية. إذ تعيش الشخصيات داخل الجماعة، دون اعتراف كامل بذواتها. ما يخلق شكلًا من الاغتراب الداخلي. هذا الاغتراب لا يأتي من الانفصال عن المكان، بل من عدم الاعتراف بالذات داخله. وهكذا يصبح اليُتم في الرواية حالة رمزية: وجود داخل الجماعة دون حماية أو اعتراف مكتمل بالذات.
ويعمّق الفضاء الجبلي هذا الإحساس بالانغلاق. إذ يعمل كعنصر بنيوي يعيد إنتاج الثبات ويقاوم التغيير عبر تقوية الروابط الداخلية. ويتعزز ذلك أيضًا من خلال العلاقة مع الآخر، كما يتجلى في التوتر الضمني بين المجتمع الدرزي والمحيط البدوي، حيث تُرسم الحدود الاجتماعية والثقافية بوصفها آلية دائمة لإعادة تعريف الهوية. هذا التمايز يعيد تشكيل مواقع الانتماء والاختلاف، ويكرّس تصورًا مستمرًا للذات في مقابل الآخر.
زمنيًا، يقوم السرد على تراكم بطيء للتجربة. حيث يتشكل الوعي عبر سلسلة من الاحتكاكات الصغيرة بين الذات والعالم. هذا التدرج يمنح النص طابعًا واقعيًا، يقوم على إدراك الحدود والمعنى.
أما اللغة السردية، فتنحاز إلى الداخل أكثر من الخارج. مسجلة التوترات غير المعلنة، والانفعالات التي لا تجد دائمًا صياغة مباشرة. في هذا السياق، يغدو الصمت جزءًا من نظام التعبير، إذ يتشكّل المعنى عبر ما يُقال ويُحجب معًا.
ضمن هذا الإطار، تتخذ المقاومة شكلًا دقيقًا يقوم على إعادة التفاوض المستمر مع الحدود. عبر الإصرار والتخيّل والتمسك بإمكانية مختلفة للذات، إنها مقاومة تسعى إلى زعزعة تماسك النظام من الداخل، دون ادعاء إسقاطه بالكامل.
في المحصلة، تقدم «أيتام الجبال» تصورًا نسويًا يتجاوز الثنائية المبسطة بين الضحية والجلاد، كاشفًا شبكة معقدة من العلاقات التي تُنتج الأنوثة وتُعيد تعريفها باستمرار.
نهى سلوم. كاتبة سورية
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply