موسى الزعيم: هل يقرأ العرب في ألمانيا؟

أول ما يلفت انتباهك، وأنت تجلس في مقعد القطار في ألمانيا، أن أمامك شخصين أو ثلاثة يمسكون كتابهم يقرؤون، ومن لم يحصل على مقعد لم يمنعه ذلك من متابعة القراءة وهو واقف وسط الزحام.

وفق الإحصاءات الألمانية، فإن القراءة في وسائل النقل العامة تأتي في المرتبة الثالثة، بعد القراءة على الأريكة وفي المكتبة العامة.

عند وصولي إلى ألمانيا عام 2015، كان من هواجسي الأولى البحث عن كاتب عربي في برلين، ومن حسن حظّي تعرّفت على أصدقاء من الجالية السودانية والعراقية لديهم بعض المنجزات الأدبية، أهدوني كتبهم، وكان أول شيء فعلته حين حصلت على منزل هو تأسيس مكتبة صغيرة عوضًا عن مكتبتي التي تركتها في سوريا، وكنت قد أحرقت ما أعتقد أنه نشاز فيها من مجلات مثل “المناضل” و”منهاج التثقيف الحزبي”.

بدأت مكتبتي المنزلية في برلين تكبر شيئًا فشيئًا، وبدأت قراءاتي تتجه نحو الأعمال الإبداعية العربية في ألمانيا حصرًا، إذ إن ملامح أدب وحراك ثقافي عربي بدأت تلوح في الأفق، وبدأت حركة الكتاب العربي تدور مع المعارض المتنقلة التي لبّى أصحابها شغف الشباب العرب بالقراءة هنا، تبع ذلك تأسيس عدد من دور النشر العربية في ألمانيا…

صديق لي قرأ ما جلبه معه من كتب عربية في رحلة اللجوء، ثم عرضها للبيع على إحدى المنصات، فبيعت بسرعة، بل تضاعف الطلب على الكتب، مما دفعه لأن يطلب من زوجته أن ترسل له المزيد من الكتب العربية، ويعرضها في منصته الإلكترونية. اليوم صار لديه متجر كتب ضخم في ألمانيا، وتتجول معارضه في عموم أوروبا..

في البداية عندما زرت “دوزمن” أحد أهم متاجر الكتب الأوروبية، لم أجد فيه سوى كتب عربية تكاد تُعدّ على أصابع اليد، لنجيب محفوظ ومحمود درويش وغيرهما. اليوم يخصص هذا المتجر ركنًا خاصًا للكتب العربية، وعلى رأسها الرواية.

هذا يضعنا أمام تساؤل: هل أصابتنا عدوى القراءة هنا؟


أو هل تأثرنا بمن حولنا، بالمكان، بالثقافة؟

من حيث الإجابة، يمكن القول: نعم، ربما نتيجة الاستقرار المادي والمعنوي، وعدم الخوض في المجتمع الألماني، ما يجعل الفرد ينكفئ على لغته وثقافته وأحيانًا عزلته، إضافةً إلى رفاهية وسائل النقل وتعدد أماكن القراءة، ما يضع الفرد في سياق نفسي يشجع على القراءة وإعادة العلاقة مع الكتاب.

شخصيًا، صار لدي كتاب دائم في حقيبة ظهري أقرأ فيه في وسائل النقل، عادة ما يكون رواية مثلًا، وهذا الكتاب لا أقرأ فيه في البيت..

لكن، هل نقرأ كما يقرأ الألمان؟

يتعامل الألمان مع القراءة على أنها فعل معرفي نقدي؛ ففي المدرسة الألمانية يتعلم الطالب قراءة الكتاب وتحليله نقديًا ومعرفيًا، وعادة ما تكون القراءة لكتب شاغلة بتوجيه من المؤسسة التعليمية. على سبيل المثال، يقرأ الطلاب ما يُكتب (بالألمانية طبعًا) عن التنظيمات الإسلامية، وعن خطابات الرئيس ترامب ضد صناعة السيارات الألمانية، وغيرها من القضايا الكونية..

ومع القراءة، يجب على الطالب أن يشكّل هويته النقدية في مواجهة الحياة، ما يكسبه فكرًا نقديًا في العلوم الأخرى، ومن ثم ينسحب ذلك على حياته بصفة عامة، فتغدو الأسئلة لديه ممارسة نقدية وليست فضولًا.

وبالتالي، فإن حصة “المطالعة” ليست للتسلية أو المتعة أو لتعويض نقص حصص مادة أخرى كما هي في مدارسنا.

مكتبة الآباء عبءٌ على الأبناء:

نبّه المفكر والفيلسوف الألماني هابرماس إلى موت الكتاب الورقي والانتقال إلى القراءة من خلال وسائل إلكترونية حديثة مثل “كيندل” وغيرها من الوسائل السريعة، وتواجه الصحافة الورقية الألمانية اليوم تحديًا كبيرًا في الانتشار، ما يضع الكتاب الورقي على المحك..

من جهة أخرى، يرى الدكتور حامد فضل الله، الطبيب والكاتب السوداني المقيم في ألمانيا منذ أكثر من 65 عامًا، أن تعلم القراءة عند العرب مفقود؛ إذ يرى أن آليات القراءة ضعيفة، أو تكاد تكون معدومة، وفي غالب الأحيان اعتباطية وعفوية. يقول: دعنا نرى حجم الكتب العربية المطبوعة قياسًا إلى عدد الناطقين بالعربية وعدد سكان ألمانيا.

ومن عادة الألماني أن يقرأ اختصاصًا وليس اعتباطًا، بعضهم يمضي حياته في قراءة أدب الجريمة، وآخر يقرأ الشعر ولا يقرأ غيره، وثالث مولع بالفلسفة…

هنا، بعض طبعات الكتب قد تتجاوز 300 ألف نسخة، في حين يحار كاتبنا العربي لمن يهدي المئة نسخة من كتابه.

من جهة أخرى، نادرًا ما يزورني صديق عربي ويطلب الدخول إلى مكتبتي والاطلاع عليها، في حين عندما يزورني صديق ألماني، أول ما يطلبه ويثير اهتمامه الكتب والمكتبة، وكأنه يتمثل المقولة التي تقول: “من مكتبتك أعرفك”.

وهنا نستحضر حكاية مكتبة الكاتب والباحث العراقي “كاظم حبيب”، الذي توفي في برلين قبل سنوات؛ إذ كان لديه مكتبة تضم أكثر من 7 آلاف كتاب. قبل وفاته، راسل المكتبة العامة في برلين ليهديهم مكتبته، لكنهم اعتذروا عن ذلك، وكانت محاولة نقلها إلى العراق مستحيلة بسبب الوزن والتكلفة المرتفعة، حتى إن ترحيلها إلى مكب القمامة كان مكلفًا أيضًا. حاول الأصدقاء إيجاد حل، لكنهم فشلوا، فأخذوا منها ما استطاعوا، وفي النهاية تخلّصت الزوجة الألمانية من المكتبة التي أمضى صاحبها في جمع كتبها أكثر من سبعين عامًا.

اليوم يتجه البعض إلى شراء الكتاب الورقي وقراءته ومن ثم التخلص منه مباشرة دون الاحتفاظ به، من أجل توفير مساحة حرة في المنزل، هذه المساحة التي باتت تشغلها الأجهزة الالكترونية والرياضية الكثيرة على حساب المكتبة.

تحديات:

ما يبرز اليوم من تحديات تواجه العرب في ألمانيا أن جيلًا عربيًا وصل في سنّ مبكرة إلى هذه البلاد أو ولد هنا، هذا الجيل لا يمتلك من مهارة القراء بالعربية سوى “الألف بائية”، علاقته مع الكتاب العربي صارت ملتبسة ومعقدة، ورغم المحاولات الكثيرة في تعليم العربية هنا، فإنها لا ترقى لمستوى الفعل الحقيقي فعل القراءة المعرفية، ما يطرح سؤالًا مستقبليًا: هل سيقرأ أبناؤنا العرب هنا أدبهم وتراثهم الثقافي بالألمانية يومًا ما!!

موسى الزعيم. قاص سوري

مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply