حسين جرود: أغنيات الموت

يمكن أن نبدأ من مشهد، أو خمسين مشهدًا. لكن دومًا المكان الصحيح هو حافة العالم، هذا البرزخ، هذه القفزة نحو العدم. وكل ما عشناه ورقة مسودة “مجعلكة”، مليئة بالبصاق والمني وبقية السوائل، والحبر بطبيعة الحال.

لم تكن الكتابة صعبة يومًا، بل بديهية. وتعرف جدواها فقط بالصمت الذي يتبعها، وكلما ازداد وجهك شحوبًا وجسمك شبحيَّةً وعيونك بياضًا، ودماؤك زرقة… (ملل) تحمل هذا السيانيد وتلصقه على الجدران دون أن تفكر بجدواه، وتتحول إلى سربٍ من الطيور.

تختلط (لو) بــ (إذا)، الموت الذي لم تدركه بالموت الذي قد يأتي، وأنت لا تبحث عنه بل تراه أمامك دومًا، فاغرًا فاه… (انتهى) عليك ببساطة أن تبحث عن سجن جيد وتنسى؛ تجد ما يشغلك، تتذكر كيف يودي بك يوم لا تعمل فيه إلى الاكتئاب أو المرض الجسدي.

تعمل في مكان لا تحبه، أو تحبه! وترسل طلب صداقة إلى فتاة ستخونك، أو تتعلق بك! وتقابل أشخاصًا تحت الحصار كل ذنبهم أنه ولدوا، أو ارتكبوا جرائم يومية بدم بارد! القتل ضروري، والهروب صعب، والحنين كفر… تتمسك حتى بلعبة إلكترونية لتنجز شيئًا وتغدو رقمًا وتهرب من هذا الخواء.

تحاول أن تجد أسبابًا مختلفة لتستمر يومًا آخر، منها أن الانتحار متاح ولن يهرب، ولكن ألا يزيد وجودك -أو بقاؤك- مزيدًا من الغباء على كل تلك الصور والمشاهد الغبية في مدينة الأوهام تلك.

في معرض كتاب مؤخرًا، أعجبت بكتاب واحد. كتاب وحيد أبحر في رحلة حلمت بها فأراحني من هذا العناء. لكن سعره—حتى بعد الحسم— مرتفع جدًا، هل أبحر خلف هذا الكتاب؟ هل أجعله هدفًا؟ هل أعجبني حقًا؟ ثم تتذكر أن الشغف بحد ذاته سلعة.

دواوين الشعر، تبدو في تصفيتها الموسمية: كل الكتب بسعر زهيد موحد، كأن القصائد تُباع بالكيلو. الأغنيات -في لغة المال- بلا ثمن؛ خارج السوق، وخارج الجدوى. وقد يخجل البائع من عرضها أيضًا.

ثمة رهان غريب: الثقافة هي ما يبقى. لكن الواقع يسخر من هذه الجملة. هناك لغات أخرى: لغة المال التي تعيد ترتيب العالم، لغة القتل التي تختصره، لغة الانتماء التي تقسّمه باستمرار…

تتجول في حارات قديمة وتراقب الأزقة المرصوفة بعناية والأقواس الحجرية، ثم يأتي الضوء في آخر النفق، مدينة مليئة باللافتات، شوارعها مغطاة بقشور البسكويت، والشمس النظيفة اللطيفة تحتضر. كأنه بقايا احتفال بنهاية العالم.

لا يوجد معجزة، ولا مكان تهرب إليه. كابوس مستمر لن ينجيك منه سوى النوم.    

ماذا تنتظر؟ لا شيء… وهذا هو السبب الوحيد المقنع لتستمر.

حسين جرود. شاعر وكاتب سوري

أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply