يومًا ما
سأحدّثك عن ماضي قصيدتي.
لن أبالغ إذا قلت:
كانت تنزف حقًا.
تنزف بطريقة تجعل الهواء يخجل
من المرور فوقها
كجرحٍ لا تريد الأرض أن تحتمله.
في البداية
كانت تتظاهر بالقوة..
تربط كلماتها بشريطٍ مشدود
كضمادةٍ باردة على جرحٍ ساخن
وتقول: إنها بخير.
وأنا…
كنت أصدق بسهولة
كمن يريد أن ينجو بأيّ خيطٍ من الكذب،
بأيّ وهمٍ صغير.
لكن الارتعاش كان يفضحها
وعيناها كانتا تنطفئان ببطء.
لا نور فيهما سوى انعكاس
ليل القصيدة المريض
كما تنطفئ امرأةٌ
اعتادت الصمت الطويل
حتى صار صوتها خطيئة.
حين أدخلوها غرفة العمليات
لم تخف.
كانت تعرف ما ينتظرها
وأنا كنت أرتجف بدلًا عنها.
قالوا:
إنَّ رحم القصيدة صار عبئًا عليها
وإنَّ استئصاله سيمنحها فرصة للبقاء.
لكنني كنت أعلم أنَّ
ما يُستأصل لا يعود
حتى لو ابتسم الطبيب..
خرجتُ بها من المشفى
خفيفةً.
خفيفة أكثر مما يجب
كصفحةٍ نُزع منها حبرها الثقيل.
أو كأنَّ جزءًا منها تخلّى عنها
أو كأنها ودّعت شيئًا
لن أتعلمه أبدًا.
ومنذ ذلك اليوم
لَزِمها الصمت.
صمتٌ خفيف
خافت
مرَّ عليها مثل يد باردة.
صمتُ المبتور الذي لم يعد قادرًا على منح الحياة.
لم تعد تشبهني
ولا عدتُ أعرفُ
أيَّةَ واحدةٍ فينا
ماتت أولًا.
أفين حمو. شاعرة سورية
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply