غرفة التشريح باردة كالثلج، ساحة الحرب أيضًا في الأصباح تكون باردة! يتوقّع شيخ علي الأسوأ دائمًا. يرى حبيبته مسجّاة في سرير مهترئ متآكل في قعر القبو الطويل الذي ينتهي بمشفى معين بسيسو الصغير، والطبيب المسنّ ومساعدته يروحان ويجيئان. يشعر أنّ روحها تنسلّ ببطء. في ساحة الحرب أيضًا كانت حياة أصحابه تنسّل واحدة واحدة! قالت له فيحاء أخته: لماذا خلق الله الموت؟ نظر إليها مبتسمًا في حيرة، ودّ أنّ يطمئنها، ولكن أتطمئنّ بنت فقدت والدها ووالدتها في الحرب؟ تصرّ البنت على سؤالها، وتقول: إذا كبرت هل سأموت في الحرب؟ يا أخي! ولا يردّ الشيخ علي. في قلبه وجيب شبيه بذلك الوجيب القاتل المميت الذي لا يكاد يفارق قلبه وهو في ساحات الحرب. يقول لنفسه: أخوك هو الشهيد الحيّ! لا تعلمين متى يأتيك نعيه! تلتمّ الأخت على نفسها، وعيناها سقف أسود رصّفت في أسفله النعوش البيض.
اسمه فادي، وكنيته شيخ علي، رافقته هذه الكنية حتّى كاد الجميع ينسى اسمه الحقيقيّ في بطاقة الهويّة. عركته الدنيا عركًا. ثمّ أخذت والديه وبيت أهله القديم، ثمّ عادت وأخذت حيّ الرمالة وقاع القدر وخربة أبو معلّق. لم يتركوا شيئًا على حاله، مسحوا الأرض مسحًا. وغدًا ينتقلون إلى المنطقة المجاورة! ثمّ التي تليها.
يقترب من النافذة، يجدها مضبّبة، فيطلّ برأسه من فتحة في الباب المكسور، فلا يرى حركة تحت الملاءة البيضاء. يفتح الطبيب المسنّ الباب الداخلي، ويتّجه لشيخ علي، ويقول له: الأعمار بيد الله! لعلّها ذاهبة إلى مكان أقلّ ألمًا من هذا المكان! يبدو شيخ عليّ مذهولًا وغير مصدّق، لكنّ الطبيب يقول له: علمت منها أنّ عرسكما كان مقرّرًا في آخر هذا الشّهر! صبّرك الله يا ابني، وعوّضك خيرًا. لا يجد فادي ما يقوله للطبيب، لكنّه معتاد على الوداعات! يقول له الطبيب: يجب أن يتمّ كلّ شيء خلال ثلاث ساعات فقط، لا أكثر. يجيبه فادي: تقصد الدفن؟ يقول الطبيب. الدفن ليس أمرًا عاجلًا. قصدت نقل جميع أعضاء المرحومة بسرعة لمرضى آخرين! لا يفهم فادي بشكل جيّد قصد الطبيب، فيشدّه من يده، ويقوده إلى المكتب، ويريه ملفها الصحّي الكامل، مركِّزًا على ورقة التبرّع. لقد كانت تتوقّع وفاتها! في آخر موعد لها معي أوصتني بأن أعمل على وصول أجزاء من جسدها سالمة إلى من يحتاج إليها. قال فادي: لنحقّق وصيّتها. قال الطبيب: لدينا حاجة كبيرة للأعضاء. هناك قائمات انتظار لكل عضو من أعضائها. الرئة والكبد والقلب والكليتين وصمامات القلب والبنكرياس. عذرًا يا ولدي. هكذا هي الحياة. يموت ناس ليحيا ناس!
كان يقف في الشرفة القديمة في لقائهما قبل الحرب. كانت تنتعل حذاء أسود بكعب متوسط، وفستانًا ورديًا موشّى بزهرات بيض. عيناها نافذتان على المطلق. وجسدها نوافير! قال لها: أحبّك. لا معنى للعيش بعيدًا عنك، ولكن… فلم تردّ، تعلم تبريراته، وترفضها! ولم تقل شيئًا، بل انهارت فجأة بين ذراعيه. لم يفهم وقتها أنّ سقطتها تلك لم تكن بسبب كلمات الحب! بل بسبب توقّف دماغها، ويتذكّر غيابها التام عن الوعي! ويفهم الآن تمام الفهم عينيها اللتين رفضتا الاستجابة للضوء ساعتها.
*
جلس قرب القبر وحده. وكانت الشمس في العشية تبدو مثل رحم عقيم، فهي تنحني فوق تلّة حيّ السمّان محاولة أن تمسح الدم أو أن تجفّفه على الأقل. وشيخ عليّ لا يصدّق أنها تحت التراب. ما يزال يراها حين جلسا على ضفّة النهر قبل سنوات بضفيرتيها والكحل العميق الذي يغلّف عينيها. قال لها مداعبًا: هذا الكحل يكفي لرسم غراب حقيقيّ! فقالت له: سأنتظر أن ترسم بهذا السواد حمائم يا زوج المستقبل! إذا ما تقدر ليش أتزوجك؟ يتذكر عينيها القويتين الساحرتين وصمتها الطويل. هل كانت تعرف أنّها ستصمت للأبد فجأة؟
في إحدى المرات وهما مختبئان في دارة السنديان القريبة قالت له: أريد أن أتوزّع في دارة تلّ السنديان كلّها في حجرها وناسها ونباتها وهوائها. أريد أن… ولم تكمل كلامها! قال لها وقتها: إذا عدت سالمًا من الحرب فإنني أتزوجك!”، فأجابته: وهل يعود أحد من الحرب سالمًا؟ تزوجني خلال الحرب. وحين أموت أو تموت أنت فإنّ الناجي ينبت مثل الشجرة قرب القبر! لا يدري فادي من أين تأتي بذلك الكلام المرتّب، ولا يعلم كيف تقدر على انتزاعه من حياة الحرب. حين تدير إليه وجهها مبتسمة وهي تجري نحو بيتها يشعّ في قلبه نور قادر على إطفاء جهنّم نفسها!
*
يتحسّس شيئًا صلبًا في جيبه، فيدخل يديه، ويلتقطه، ويتذكر قولها له في موعدهما الأخير: هذا حجر أملس التقطته من عمق النهر. انحته لي خاتمًا إن رجعت! يقول لها: خلال شهر سنعقد قراننا، لن أنتظر نهاية الحرب. تقول له: الزواج في الحرب أفضل. ما حاجتنا إلى سلام الهزيمة!
*
في العطفة الصغيرة الملحقة بعمارة أم علي الداية زوجة مسعي الدخاخني كان بيت فدوى الذي ورثته عن والديها، وبدأت تجهيزه بالاتفاق مع فادي ليكون بيتهما بعد الزواج. هنا كانا سيبدآن حياتهما! دخله فادي أوّل مرّة بعد دفنها بأيّام معدودة. أنِست نفسه لكلّ شيء لمسته يداها، ولكلّ ركن مشت فيه، وقعد على سريرها، وتحسّست يده الأوراق التي كانت مركونة بجانب السرير، روشتات الأدوية، وأوراق المواعيد، والأدوية الكثيرة المصفوفة فوق الكوميدينو! في إحدى الأوراق قرأ: لم يفدني الدواء! سأموت دون أن تلفّني يدك. تحبّ الحرب أكثر منّي. مثلك كان والدي. هو أيضا قصفته الحرب، وتركني للوحدة! في ورقة أخرى قرأ: الطبيب يظنني آنات الحقيقيّة! يقول لي قاومي. اليوم أو غدًا سيصلني خبر الشيخ علي. إننا نتسابق، ولا ندري من منا سوف يدفن الآخر أوّلًا! في ورقة أخرى قرأ: حين قبلتني آخر مرّة في عطفة حيّ اليهود شعرت أنّني لن أموت أبدًا. كيف يترك رجل امرأة دون تقبيل؟ لعشرين عامًا كان فمي قبرًا، ثم فجأة حوّلته أنت إلى جنة. كيف جاءتك القدرة على تركي وحيدة والعيش في ليل الحرب؟ وتكاثرت عليه الأوراق. فجمعها كلّها، فشكّلت ملزمًا متوسط الحجم، كتبت في بدايته الكلمة التالية: أعضائي كلها للنّاس، أمّا روحي فهي لك وحدك”.
ولا يدري الشيخ علي كيف عاد إلى الجبهة، ولا كيف تمكّن من استعادة رباطة جأشه، ولا يدري كيف عاش هو على الجبهة وماتت هي في البيت؟ كانت حياته صعبة لولا تلك الأوراق التي كان يخلو إليها حين تهدأ المعارك، وقليلًا ما كانت تهدأ! يسمعها تقول: أنتظرك! رغم أنني أعرف ألا جدوى من انتظاري لك! تقول له أيضًا: من منّا الميّت؟ من منّا الحيّ؟ فيقول لها بصوت عال: أنا الميت يا فدوى! وأنا الحي! إنّي الشهيد الحي! ويحاصره وابل من رصاص، يردّ عليه الرفاق، وتعقبه قذائف كثيرة، وتتدمّر أحياء بتمامها، وتمّحي، وهو يستعيد زهرات اللوز البيض في ثوبها البرتقالي! يصرخ برفاقه: احذروا! احذروا! لنا في أرضنا ما نعمل. وتتراجع الضربات قليلًا، فيلتقط نفسه، ويطمئن على الشباب معه، ويستعيد تلك القوة التي في الأوراق، وتستقرّ النظرات القلقة على تنفيذ الخطة المتّفق عليها أخيرًا، فلقد تمّ امتصاص عنفهم، وحان الآن موعد الضربة. وظهر من مخبئه، كما تم الاتفاق، وتقدّم باتجاه الفرقة المعادية، ملقيًا سلاحه، فاطمأنوا إلى ضعفه ووحدته، فظهروا له، وفي تلك اللحظة انفتحت على العدوّ عشرات البنادق، وتمّ قتل أفراد السريّة جميعًا. “الله أكبر” يقول الشيخ صبحي، ويجيبه الشيخ مولاي رشيد: ضربة موفقة بإذن الله. ويتعانق الإخوة، ويثبتون في موقعهم في انتظار ما يجدّ من حوادث.
يدخل يده إلى جيبه، يلتقط الحجر الأملس، يتأمّله من قريب، فيأتيه قولها: أمّا ما هو صلب فيبقى، أمّا الباقي فيزول! لا يفهم حقّ الفهم قصدها من حديثها ذاك. وما حاجته إلى الفهم. يريدها يدًا في يديه، وقلبًا في قلبه، ويحبّ السير في ظلالها! يقول له الشيخ صبحي: لقد دمّروا كلّ شيء البشر والحيوان والنبات! ما يحدث هذه الأيّام شيءٌ غير مسبوق في تاريخنا معهم يقول مولاي رشيد: يضربون ونضرب! ولا يشارك الشيخ علي في حديثهم. يصله صوتها من بعيد: لا تعد سالمًا، بل عد منتصرًا. تلتمّ يده على الحجر الصقيل، ويطمئنّ إلى ملمسه الناعم وهو يرى جثث الأعداء مكوّمين، ومجنزراتهم تحترق في القرب.
قالت له مرارًا: في الحرب خذ المرأة لكنّه لم يعد لأخذها. تأخر كثيرًا، ولم يستطع تحويل كحلها إلى حمامات بيض! وتناسلت الغربان بعد رحيلها. وحين عاد وجدها في كفن. تقول له فيحاء: لقد هدّك موتها يا أخي يقول لها: لكنّها لم تمت! تستغرب الأخت الصغيرة قوله، وتحضنه، ثم تنساق إلى المسرب حيث تلاقي أطفال الحيّ.
يقول الشيخ علي لأصحابه مرحًا: الموت لعبتي، أحبّه، ولا يحبّني! لكنه الآن حزين ومهزوم! لقد واجه الشيخ علي الموت مرارًا، ونجا منه، لكنّ حادثة موتها رجّته رجًا لا عهد له به. وأخذه حزنه عليها بعيدًا، فانزوى في عطفة الدخاخني وحيدًا. لا يكاد يخرج إلا إلى لقائها في القبر. واستمرت أحواله كذلك حتّى دقّ الباب. وتسلّلت بنت في العشرين، جسمها وادي، وشعرها الملفوف بعناية ليل، وقالت: انظر لي يا عمّ! أترى عينيّ؟ حدّق فيهما جيدًا. إنهما عينا فدوى! جزء منها يحيا في جسدي! في يوم ثان زارته فتاة أخرى، جسمها سحابة ضوء، وفي صدرها امتدّت هضبتا قطن. وقالت له: لقد تبرّعت لي فدوى برئتها. وقال له رجل جسمه جبل صخري ضارب في الأرض، وعيناه كتابا عتق: إنّني أعيش بالكبد الذي تبرّعت لي به فدوى! وجاءته امرأة أخرى جسمها مراتع مريميات، وأصابعها مراعي سوسن، في اليوم الرابع، وخاطبته مشيرة إلى قلبها: ما يدقّ هنا هو قلب فدوى. وزاره في أيامه تلك من استفاد من كليتها ومن استفاد من صمامات قلبها ومن استفاد من بقيّة أعضائها. ولم تكن تلك الزيارات بالصّدفة، بل بتنسيق من خلية المقاومة التي كان يتولاها الشيخ صبحي.
قالت فيحاء بجسمها الكامن مثل رصاصة لم تطلق بعد من كنائنها: أريد أن أتبرّع بجسمي أنا أيضًا يا أخي. ثم أردفت ضاحكة: لو فعل أبي وأمي لشعرت أنهما لم يموتا فعلًا، ربّما رأيت شيئًا منهما حولي. لم يدر لأيّ سبب غمره الابتسام وهو ينصت إليها. ولكنه شعر أنّ فدوى لم تمت فعلًا، لقد غيّرت جسمها فقط. وبدّلت حياة بحياة! قال له الشيخ صبحي حين زاره: الجبهة في انتظارك. وقال له مولاي رشيد: الحياة لن تتوقّف. ونحن نحتاج إليك. فودّعهما، واعدًا بلقاءٍ في الغد. وأطبق بعد خروجهما بيديه على الحجرة الصّقيلة، ووضعها فوق الأوراق، ودسّهما في الدرج الأوسط في خزانة اللوح القديمة، ثمّ نام في سريرها، وفي النوم رأى نفسه يطلق من قلم الكحل على جدران الليل أسراب الحمام الأبيض.
نصر سامي. قاص تونسي
اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply