مذ كحّلت عيني برؤية هذه الدنيا كان الكتاب فردًا من أفراد أسرتي، والمكتبة الركن الأحب لنا.
تسابقت الوالدة والوالد في القراءة والمناقشات واقتناء الكتب فكلاهما كان مدرّسًا للغة العربية.
فرضعت حب القراءة مع حليب أمي.
تدرجت كغيري من أطفال جيلي في قراءة قصص المكتبة الخضراء وألغاز المغامرين الخمسة حتى كبرت والتهمتُ مكتبة والديّ التهامًا، وأُطلق عليّ اسم «فأرة الكتب»، ومن ثم اقتنيت مكتبتي الخاصة التي كانت تكبر وتكبر كلما حل معرض الكتاب.
جاءت الحرب وهُجّرنا قسريًا من منزلنا ككثير من أهل سورية واحترق المنزل بما فيه.
وجدت نفسي في منزل النزوح بلا كتب أو أشياء شخصية ما عدا اللابتوب وعندها تعرفت إلى الكتاب الإلكتروني، كان ذلك في نهاية عام ٢٠١٢ وأوائل عام ٢٠١٣.
هالتني أعداد الكتب الإلكترونية وفُتحت أمامي مكتبات العالم بأسرها.
كنت كمن وجد مغارة علي بابا، كتب كثيرة تمنيت اقتناءها فلم أفلح سواء لعدم توفرها في أسواقنا ومعارضنا، أو للسبب المادي إذ من يمكنه شراء كل الكتب المعروضة؟ وأية مكتبة بيتية ستتسع لها؟ وكتب أسمع بها للمرة الأولى.
كان أول كتاب إلكتروني أقرؤه هو كتاب السر لرواندا بايرن.
قرأت أولى الصفحات بصعوبة.. أين سأضع كفي؟ أين هو ملمس الكتاب على أطراف أناملي؟ سواء نعومة الغلاف أو خشونة الورق الأسمر.. أين هي رائحة الورق التي تفعم الأنف وتدخل للرئتين ثم تصل للدماغ مثيرة النشوة؟
فقدت التركيز بين الفقرة والأخرى كلما قلبت الصفحة فكنت أضطر أن أعيد القراءة من البداية.
تركت الكتاب بعد عدة صفحات متسائلة كيف يمكن لأحد أن يتم قراءة كتاب إلكتروني؟ كيف يمكنه أن يستوعب ويتذكر ما يقرأ، كيف له أن يشعر بمتعة القراءة؟ كيف له أن يحفظ اسم الكتاب وغلافه واسم كاتبه إن كان صعبًا وهو لا يرى الغلاف إلا مرة واحدة منذ بداية القراءة، بينما في الكتاب الورقي كلما تناولت الكتاب أو قرأت منه صفحة، أو مئة وأغلقته تجد نفسك أمام الغلاف بتفاصيله.
وحتى لو لم تقرأه ستستعيد الاسم والتفاصيل الشكلية للكتاب كلما دخلت غرفتك ولمحته على المنضدة أو فوق التلفاز أو في المكتبة.
نبذت فكرة القراءة الإلكترونية تمامًا من ذهني وعدت لقراءة الكتاب الورقي
معتقدة أنني سأظل مثابرة عليها حتى لو حرمت من معظم الكتب، سأكتفي بما أجد أمامي ولتذهب الكتب الإلكترونية للجحيم.
لكنني وجدت أن الظرف تغير فالكهرباء تقطع أغلب الوقت وإن كنت في مزاج القراءة ووقت الفراغ الذي جهزت نفسي أن أملأه بكتاب ما فلن أتخلى عن المتابعة ولكن كيف؟ وفترات قطع الكهرباء طويلة، والشواحن تخبو إضاءتها ولا تستمر طويلًا وأنا من الممكن أن أقرأ لساعات طويلة إن أعجبني الكتاب أو شدتني أحداث الرواية (لم تكن الليدات والبطاريات قد درجت في مجتمعنا بعد).
اضطررت بعدها أن أوقف تذمري وأعيد محاولة القراءة من اللابتوب على مضض.
استغرقت مني قراءة كتاب السر الإلكتروني أكثر مما كانت ستستغرقه لو قرأته ورقيًا، أعجبتني جمل لم أستطع أن أسطر تحتها بالقلم الرصاص كي أعود لها فيما بعد كعادتي عندما أنتهي من أي كتاب وكأنها مراجعة سريعة بعد القراءة المتأنية.
شعرت بخيبة الأمل لأن القراءة لم تعد ممتعة إن لم تكن حسب ما تعودنا عليه بكامل طقوسنا.
انتقلت بعدها للقراءة من الهاتف النقال كتاب.. اثنان.. ثلاثة، وجدت الأمر قد أصبح أكثر سهولة وبدأت أستمتع فعلًا وأندمج بالقراءة، والجميل في الأمر أنني أستطيع في تطبيق القراءة أن أضع السطور التي أريد بأي لون تحت أية جملة أو فقرة، كما غدا بإمكاني أخذ لقطة شاشة والاحتفاظ بكل لقطات الشاشة بملف يحمل اسم الكتاب للعودة إليه فيما بعد.
كتب كثيرة تصدر خارج حدود البلاد، روايات تحصد جوائز؛ ولا سبيل لوجودها واقعيًا لكن يمكننا بكبسة زر أن نقتنيها بين أيدينا ونقرأها دون أن نتحرك من مكاننا ودون ان ندفع قرشًا واحدًا.
بدأت قراءاتي تزيد حتى وصلت لأكثر من ثمانين أو تسعين كتابًا سنويًا، فأنا أقرأ في كل مكان وهذه ميزة الكتاب الإلكتروني أما الكتاب الورقي فحمله في الحقيبة يجعله مربكًا إن كان من الوزن الثقيل، ولا يمكننا أخذ أكثر من كتاب معنا للقراءة في أماكن العمل ولا في الرحلات أو الأسفار، بينما مكتبتنا كاملة في هواتفنا النقالة.
لكن بقي الحنين للكتاب الورقي موجودًا، كنت أشتري كتابًا كل حين وآخر.
ولكن اكتشفت بعد أن صار عندي نحو عشرة كتب أنني أخاف من وجودها بعد أن فقدت مكتبتي ومكتبة أهلي التي كانت تحوي أكثر من ألف كتاب، أخاف أن أنشئ مكتبة وأحب كل كتاب فيها وأتعلق بوجوده المادي والإهداء الذي أكتبه على أولى صفحاته لنفسي والتاريخ والحواشي التي أنهي بها القراءة في آخر صفحة مع توقيعي واسمي.
أخاف أن ننتقل من البيت فلا أعرف كيف أحمل المكتبة معي ولا مجال لهذا القلب أن يتحمل فقدان مكتبة أخرى في هذه الحياة.
لذلك كلما تجمع لدي عدة كتب تبرعت بها لجهة ما.
الكتاب الإلكتروني لا يجعلنا نتعلق بنسخته إذ تنقطع الصلة بيننا وبينه مع انتهاء قراءته وكتابة ملخص أو مراجعة عنه، بينما الكتاب الورقي يظل صديقًا له وجود في الحياة.
ولذلك أكذب على نفسي وأقول إنني أنتهج نهج الكاتب خليل صويلح في كتابه «ضد المكتبة» فهناك كتب نقرؤها مرة فقط وهناك كتب لا قيمة لها سوى ثمن الحبر والورق، وكتب مكانها سلة المهملات وإعادة التدوير، ونادرة هي الكتب التي ينبغي الاحتفاظ بها والتي لا غنى عنها للإنسان، عددها لا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة ومن المحط لقدرها أن نضعها بجانب كتاب لا وزن له أدبيًا أو ثقافيًا.
وهكذا بعد أن تحيزت في بداية حياتي للكتاب الورقي وجدتني بعد نضجي وتأقلمي مع الظروف ومنح الكتاب الإلكتروني الفرصة ليحببني به ويريني فوائده أستطيع القول إن لكل منهما مزاياه ومساوئه.
لا تهم كيفية القراءة.. المهم أن نقرأ.
د. نسرين درّاج. قاصة فلسطينية سورية
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply