مروة المنصور: عن رحلة كانت فيها الكتب على المائدة

أذكر تمامًا كيف كنت في مثل هذه الأيام من السنة أنتشي بين الشجر والأوراق والربيع المجنون بوردِه البريّ الأحمر، والأصفر والأبيض.

ترافقني خيالات المراهقة الغضّة حول طاولة تحت نافذة، عليها أطباقٌ متنوعة من الكتب والمجلات والصحف.

بأطراف أصابع الشغف التي حلمتْ أن تلامسَ لهفةً محشوّة بالاطلاع والمعرفة، مع المتعة في قراءة كتاب بعيدًا عن العالم وصخبه.

كنتُ أسهر الليل دون هاتفي المحمول، أمسكُ بأيّ كتاب وأبدأ بقراءته، مهلًا على مهلٍ.. حتى أتذوق شهيّة صفحاته.

ثم جاءت الحرب، فنسيت لسنة وسنتين الكتب الورقية، ولجأتُ إلى عادة اقتناء الكتب الإلكترونية، فذهبتْ متعة القراءة من ورقٍ، وطارت معها في مهبّ ريحٍ عادات طيّ الصفحات، ووضع الفواصل، والتشطيب تحت كل عبارة تلامسني، أو أراها اقتباسًا جميل الوصف والعبارة.

ومع ذلك، أدت الكتب الإلكترونية مَهامها، وهذه المرة دون خطة وترتيبات لقائمة سنوية، بل على العكس، كنتُ أسجّل اسم الكتب التي قرأتها. وأضع إلى جانبها تقييمًا بسيطًا جدًا، مثل: جميل، أعجبني، صِيته أكبر من اللّازم، راااااائع… بعضها كان يفتنني، فأمدُّ وأكرّرُ حرفَ الألف في كلمةِ رائع، وأخرج بنهاية العام بقائمة ناهضةٍ من الحرب، والحصار الاقتصاديّ البشع، وأكتب:

حصيلة قراءاتي لعام… وتحتها تندرجُ قائمةٌ استمرت على تغذيتي طوال عامٍ كاملٍ.

تكرَّر الأمر، وكنت أسأل نفسي: 

كم من مجنونٍ يقرأ وسط كلّ هذا الألم والوجع والتعب في بلادٍ لا صباح فيها إلا الصباحات الضبابية؟ 

هل كنتُ خاليةً من فوضَى ما حولي؟ 

هل انقطعَ حبلي السري عن البلاد، وما ألمّت؟ 

وحدي كنت أعرف ماذا تفعله تلكَ الكتب المُجهدة للعين. وحدها في الحقيقة ما ساعدني على أن أستعيدَ جزءًا من خيالي عن مستقبلي الذي بدأ بالحرب، وشغلَتْ حيّزًا كبيرًا من عنفوان أيامي، وبريقها الأول. أيامي التي كنت أرمي لأن تكون أوضح. على الأقل أوضح.. وليس أسهل!

كنت كلما جذبني كتاب أشعر بأنني أركض في الفلوات.

أتدري إذا ركضتَ في الفلوات، كم شيطانٍ ستطردُ عن نفسك؟ وكيف تقتل أفكارك الحادة كسكّينٍ بكل خطوةِ جريٍ؟ أتدري كيف تخفضُ الضجيجَ في رأسِكَ، أتدري كيفَ تمسك بفكرةٍ وترمي بأخرى! 

هي تمامًا ما كانت تفعله القراءة بي. 

ومنذ ذاك الوقت، عانقتني الكتابة كما يعانق الوليد أصابع أمه. لقد كانت هدوءً اعتياديًا بعد عواصف القراءة. فكتبتُ بغزارة. كتبتُ في مدوّنتي كما لم أفعل من قبل.

أصفُ سواد اللَّيل وهدوءه دونَ كهرباء، دونَ حياة، ثم أصفُ الشَّمس، والناسَ التي تحمل علامات صفع الأيام على وجهها.. 

أصف الحب الذي وُلِدَ رجلًا، ومات هشًا كهلًا..

أصفُ حتى الحَجر، أصفُ كل مَا أراه: أمي والمدفأة، البرد والربيع، الجفاف والأمل الذي سافرَ.. ونسيَ حقيبته بيننا، نحن الذين لا نعرف كم وجهةٍ ينبغي أن نتجه إليها.

ثم فجأة.. توقف سيلُ القراءة، وجفَّ معه آخر ريقٍ للكتابة في تلك الفترة.

لم أمُت، ولم تقطع يدي أو تُكسر..

لم أسافر..

وحينها، كان الصباح ما يزال ضبابيًا والليل أحلك..

لم أفقد هاتفي الذي كوّمتُ فيه كتبي الإلكترونية..

ولم تُغلق المكتبات..

لكن، فقدت نفسي، وأجزاء منّي.

سمِّها ما شئت، إن كانت تلك القراءات هروبًا أو أيّ شيء آخر، لكنّي أستجرُّ نفسي لأعود إليها، لأستهدي للطريق غير الطريق الذي أنا فيه دون أصوات الشخصيات في رأسي، وخبط أقدامها على النص.

ولأني أسردُ هنا مشهدًا حياتيًا، وتجربةً شخصية بحتة عن عوالم القراءة، فسأضعُ السبب الرئيس الذي حرفني عن عادة القراءة، وعن القراءة الورقية. وفي الحقيقة، توجّهت أنظاري إلى وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن تعرّضتُ لظرفٍ قاهرٍ جعلني أهربُ إليها تعبًا وهروبًا من وقتي وأفكاري. وهنا يومًا بعد آخر، سنةً وراء سنة، أخذتني المنصَّات الرقمية ولم أختر عنوانًا لكتابٍ، أو ربما اخترتُ عنوانًا ولم أكمل قراءته.

ضيّعني…عالم السرعة ضيّعني آنذاك، أفلتَ منّي متعةَ المعرفة، ولذّة شراب لا يعرفه إلا مَن ذاقه.

عاد النّهر إلى مجراه.. ربما

ففي معرض الكتاب ٢٠٢٦ اقتنيتُ مجموعةَ كتبٍ، بأسعارٍ لا تعدُّ رخيصة، ولكنّي أخذتُها، ضممتُها إلى صدري، وقطعتُ وعدًا أن يعود العصفور إلى غنائه… وأن أستعيدَ ذاكرةً ما.

فهل ألقت العوالم الرقمية السمّ في مياه سنوات الشباب خاصةً، وهل باتَ مستحيلًا اليوم أن تعود إلى الكتاب سيرتَه الأولى مع اختلاف شكل تقديمه على موائد القرّاء؟

لقلّة الحيلة؛ ثلاثون ثانية زمنَ الرِّيل (الفيديو الأكثر قصرًا) دفعنا ثمنه غاليًا؛ فلم تحرمنا المنصات الرّقميّة من الوقت، بل حرمتنا من أدمغتنا وقلوبنا ومشاعرنا.

وما خذلنا أحد، كما خذلنا أوقاتنا بعيدًا عنها ولو قليلًا. وباتت القراءة تلخيصًا يتحدَّث فيها أحدهم قد لا يدري على أيّ إيقاعٍ بنَى الكاتب نصَّه، وأيّ توجّه تبنّاه. وهنا تمر الكتب مرور العابر أحيانًا.

ولهذا نلتهم المعرفة السريعة، فنعاني التخمة.

أختمُ تجربتي الشخصية المتواضعة: بعدي قارئة عادية، لأقول اتركوا المنصات الرقمية ذات عالم القراءة السريعة، وتلمّسوا ولو ذرّة متعة، كنشرةٍ بريدية على الأقل، تصطحبها معك قبل دوامك، أو قبل عمل البيت أو أي عملٍ آخر. وهذا يكون الشكل الآخر للقراءة المنقذ في عالم الأرقام، والذي يستجلب غيمًا حاملًا للسحاب.

أحملُ قلبي بين يديّ كلما جرّتني عادة القراءة، فأَشعرُ أنّها مثل مطبخ الأمهات، خارج التصنيف عن عالم السرعة؛ يعرف معنى الذوق الشهيّ لطبخةٍ استغرقت ساعات على الغاز.

فحاول أن تكون أنتَ الذواق، إن لم تكن الطباخ..

مروة المنصور. كاتبة سورية
مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply