مالك الحافظ: قانون الصدفة في الحياة.. لماذا نموت دفاعاً عن أشياء لم نخترها؟

يولد الإنسان محاطًا بأشياء لم يقررها، فهو لا يختار اسمه الأول، ولا عائلته، ولا لغته الأم، ولا طائفته، ولا قوميته، ولا لون بشرته، ولا طبقة ولادته، ولا المدينة التي سيتعلم فيها معنى الخوف والأمان، ولا الحكايات الأولى التي ستشرح له من هم “نحن” ومن هم “الآخرون”. يدخل العالم ككائن هش، ثم يجد حوله شبكة كاملة من الانتماءات الجاهزة، كأن الحياة سبقته إلى تعريفه قبل أن يملك القدرة على السؤال، وهكذا تدخل المصادفة إلى حياة الفرد من باب الولادة ثم تتنكر لاحقًا في صورة أصل وحق وذاكرة ومكانة وولاء.

ويصنع هذا الترتيب الأول مفارقة أخلاقية عميقة، إذ يميل الإنسان إلى الدفاع عن معطيات لم ينتجها بنفسه، وقد يحوّل الاسم والعائلة والطائفة واللغة والقومية واللون والمدينة إلى علامات تفوق أو استحقاق أو براءة أو نقاء، مع أنها بدأت معه كوقائع غير مختارة، لذلك يبدو التعصب في أحد وجوهه دفاعًا عن الحظ الشخصي بعد إعادة تسميته باسم الهوية.

ليست المسألة هنا إدانة الانتماء في ذاته، فالإنسان يحتاج إلى جذور تمنحه أمانًا رمزيًا واستمرارية وجدانية وموقعًا داخل العالم، غير أن الخطر يبدأ عندما تفقد الجذور وعيها بمصدرها العرضي، فتظهر كحقائق مطلقة وتتحول إلى جهاز حكم على الآخرين، عندها تصبح الهوية الأولى قادرة على إنتاج غرور أخلاقي يجعل الفرد يتعامل مع ولادته كإنجاز ومع وراثته كفضيلة.

حجاب الجهل ومصادفة الامتياز

في الفلسفة السياسية والاجتماعية، تفتح هذه المفارقة سؤالًا عميقًا حول العدالة والهوية، حيث قدّم جون رولز في تصوره عن العدالة تجربة فلسفية مفصلية عبر مفهوم حجاب الجهل، إذ طلب تخيل الإنسان لنفسه خارج معرفته المسبقة بموقعه الاجتماعي والطبقي والديني والجندري، ومن شأن هذا التمرين أن يزعزع يقين الامتياز لأن الفرد لا يعرف في ذلك الوضع المتخيل الموقع الذي سيشغله داخل المجتمع، وبذلك تصبح العدالة أقرب إلى تعاقد أخلاقي يسبق المصلحة الخاصة، كما تصبح المصادفة نفسها مدخلًا لفهم هشاشة الادعاء البشري بالاستحقاق المطلق.

تكشف فكرة حجاب الجهل أن كثيرًا مما يبدو طبيعيًا في حياة الفرد نتاج قرعة اجتماعية لا فضل له فيها، فالإنسان الذي ولد في طبقة ميسورة لم يصنع شروط بدايته، والذي ولد في جماعة قوية لم يصمم ميزان القوة المحيط به، والذي امتلك لغة نافذة أو جوازًا قويًا أو اسمًا عائليًا مؤثرًا لم يبدأ حياته من نقطة محايدة، ولهذا يصبح الوعي بالمصادفة شرطًا أوليًا للتواضع الأخلاقي قبل أن يكون فكرة نظرية داخل كتب الفلسفة السياسية.

لو وُلد الإنسان في بيت آخر، لحمل غالبًا اسمًا آخر، ولهجة أخرى، وذاكرة أخرى، وخوفًا آخر، وربما عدوًا آخر. لو تبدلت الجغرافيا الأولى، لتبدلت الحكاية الأولى. ولو تبدلت الحكاية الأولى، لتبدلت البديهيات التي يدافع عنها الإنسان باعتبارها حقائق نهائية. هذه الفكرة لا تلغي المسؤولية الفردية، لكنها تمنع الغرور الأخلاقي، فالإنسان مسؤول عما يفعله بما ورثه، لا عن الوراثة نفسها، ومسؤوليته تبدأ عندما يعي أن ما جاءه بالمصادفة يمكن أن يتحول على يديه إما إلى رحمة وتواضع، أو إلى استعلاء وكراهية.

يذهب بيير بورديو إلى أن الفرد لا يتحرك في العالم كوعي مجرد، إذ يحمل داخله ما يسميه الهابيتوس، أي منظومة الميول والذوق والحركات والتوقعات وطريقة تقدير الممكن والمستحيل، وهي منظومة تتكون في العائلة والمدرسة والطبقة والحي، لذلك لا يرى الإنسان العالم بعين حرة تمامًا، فهو يرى من خلال ترسبات اجتماعية طويلة تعمل داخله كأنها طبيعة ثانية.

من بداهة الموروث إلى عنف التصنيف

يفسر الهابيتوس كيف يتحول الموروث إلى بداهة، فالمرء يظن ذوقه طبيعيًا ولهجته معيارية وطقوسه مألوفة وصورته عن الوقار والحياء والنجاح بديهية، ثم ينظر إلى المختلف كأنه انحراف عن معيار كوني، مع أن هذا المعيار صُنع داخل بيئة محددة، ومن هنا تتسلل العنصرية والطائفية والازدراء الطبقي عبر أبواب ناعمة لا تبدأ بالعداء الصريح دائمًا، وإنما تبدأ باحتكار تعريف الطبيعي والمقبول والرفيع.

فيما يمنح هنري تاجفيل في نظرية الهوية الاجتماعية أداة مهمة لفهم هذه الآلية، إذ تميل الجماعات إلى تعزيز صورة الذات عبر تمييزها عن جماعات أخرى، فيكتسب الفرد شعورًا بالقيمة من الانتماء الجمعي، ثم يغدو تقدير الذات مربوطًا بصورة الجماعة، وعندما تتعرض الجماعة للنقد يشعر الفرد كأن جسده الرمزي تعرض للإهانة، فتضعف قدرته على التفكير الحر ويصبح الدفاع عن الجماعة دفاعًا عن صورته الداخلية.

وتتصل هذه الآلية بما يسميه بندكت أندرسون الجماعات المتخيلة، فالأمة بناء رمزي واسع تصنعه اللغة والسرد والتعليم والخرائط والذاكرة المطبوعة، وبذلك لا يعيش الفرد القومية كفكرة سياسية باردة، وإنما كحكاية حميمة تجعله يشعر بالقرب من ملايين لم يرهم، وقد تجعله في الوقت ذاته يستعدي ملايين آخرين لم يعرفهم إلا عبر رواية الجماعة عن ذاتها وعن خصومها.

لا تقوم الطائفية على الكراهية وحدها، فهي تقوم أيضًا على الكسل الإدراكي، إذ يسمح التصنيف السريع بتوفير جهد المعرفة، ويجعل الحكم على البشر عملية آلية، فيصبح الفرد ممثلًا أبديًا لجماعته، وتحل السمة الموروثة محل الفعل الشخصي، ويغيب الفرق بين الشخص وتاريخ الجماعة المنسوب إليه، وتصبح المصادفة التي وضعته في جماعة معينة سببًا كافيًا لمحاكمته أو تمجيده.

تساعد فلسفة الاعتراف على فهم عمق الطائفية والعنصرية، فالمشكلة لا تنحصر في خطاب سلبي عن الآخر، إذ يمتد الأثر إلى حرمانه من الظهور الكامل داخل المجال الأخلاقي، فيصبح موجودًا على هامش الجماعة الكبرى، ومقبولًا بدرجة ناقصة، ومطالبًا بإثبات براءته باستمرار، ومحاصرًا بصورة جاهزة تسبقه إلى كل لقاء.

تزداد خطورة الهويات الموروثة عندما تتحول إلى ذاكرة مغلقة، فالذاكرة تمنح الجماعات شعورًا بالاستمرار، لكنها قد تتحول إلى خزان انتقام حين تفقد قدرتها على النقد، وقد ترفع الألم إلى مرتبة الحصانة الأخلاقية، فيغدو الجرح القديم مبررًا لإنتاج جروح جديدة، وتصبح الضحية قادرة على ممارسة العنف باسم تاريخها من دون أن ترى التناقض الأخلاقي في ذلك.

الهويات الهشة وأخلاق العيش المشترك

تظهر المسؤولية الأخلاقية عند النقطة التي يكتشف فيها الفرد عرضية بدايته، فليس مطلوبًا منه إنكار اسمه أو لغته أو ذاكرته، وإنما إدراك أن هذه العناصر لا تمنحه حق التسلط على غيره، وأن الانتماء الناضج يحرر صاحبه من عبادة الأصل، لأن القيمة الأخلاقية لا تنبع من مكان الولادة، وإنما من الطريقة التي يعامل بها الإنسان من ولدوا في أماكن أخرى.

بينما لا يصبح الإنسان حرًا بمجرد إعلان استقلاله عن الجماعة، فالتحرر الحقيقي أكثر تعقيدًا من القطيعة، إنه قدرة على مراجعة الموروث من داخله، وعلى تحويل الانتماء من عصبية عمياء إلى مسؤولية أخلاقية، وعلى امتلاك ذاكرة لا تحتاج إلى إهانة ذاكرات الآخرين كي تثبت حضورها، وعلى بناء علاقة بالهوية تجعلها بداية للمعنى لا حدًا نهائيًا للوعي.

ينبغي نقل فكرة التعايش من لغة اللطف الأخلاقي إلى لغة الاعتراف السياسي والثقافي، لأن الاكتفاء باحتمال وجود الآخر يبقيه في موقع أدنى، بينما يطلب الاعتراف رؤيته كذات كاملة، ذات ذاكرة ولغة وحق في الظهور، ومن دون هذا الانتقال تبقى المجتمعات قادرة على الهدوء الظاهري، لكنها تحمل داخلها ترتيبًا رمزيًا يوزع الكرامة بدرجات متفاوتة.

يقدم قانون الصدفة بهذا المعنى نقدًا جذريًا لكل غرور هوياتي، فهو يذكّر الإنسان بأن الأصل ليس عملًا، وأن النسب ليس فضيلة، وأن اللغة ليست شهادة تفوق، وأن الطائفة ليست براءة أخلاقية، وأن القومية ليست إذنًا باحتكار المعنى، وأن الطبقة ليست دليل استحقاق، وأن الجغرافيا ليست حكمًا نهائيًا على قيمة البشر.

في المحصلة، تحتاج المجتمعات التي مزقتها الهويات المغلقة إلى هذا الوعي أكثر من حاجتها إلى خطابات مديح التنوع، فالتنوع لا يحمي ذاته تلقائيًا، والاختلاف لا ينتج عدالة بمجرد وجوده، وحده الاعتراف القائم على فهم هشاشة البدايات يستطيع تحويل الاختلاف من مصدر خوف إلى شرط حياة مشتركة، ووحده التواضع أمام المصادفة يستطيع كسر الغرور الذي يجعل البشر يموتون دفاعًا عن أشياء لم يصنعوها بأيديهم.

*تلفزيون سوريا

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply