سوسن جميل حسن: ماذا لو توقفت وسائل النقل في هذا العالم “المعولم”؟

منذ أن انتصب الإنسان على قائمتين، أخذ في التنقل، وفي اكتشاف العالم من حوله. ومنذ بدايات تشكل التجمعات البشرية وتطورها عبر مراحل زمنية وتنظيمية إلى يومنا الحالي، فإن تاريخ التنقل يتجلى في انعكاسه وتأثيره، بل وتشكيله التحولات العميقة التي شكلت مجتمعاتنا. فكل وسيلة نقل جديدة لم تغيّر علاقتنا بالمكان والزمن فحسب، بل أثرت أيضًا على الاقتصاد والسياسة والثقافة والبيئة. لقد انتقل العالم عبر هذه المسيرة الطويلة من عالم بطيء ضيّق ومغلق إلى عالم مفتوح بعضه على بعض، مترابط للغاية ومتسارع، وفي الوقت نفسه موّار بالقلق والخوف وأسئلة المستقبل، ومن هذه الأسئلة سؤال كبير: ماذا لو توقفت وسائل النقل والتنقل في هذا الكون الفسيح وهذا العالم “المعولم”؟ هل لنا أن نتخيل للحظة حياة بدون قطارات، بدون سيارات، بدون طائرات؟ عالم نعود فيه إلى المشي أو التنقل على الأحصنة والجمال؟ المسافة التي كان الإنسان يقطعها بأسابيع وشهور بتلك الطرائق، تقلصت اليوم إلى ساعات قليلة.

عندما قال المتنبي قبل أكثر من ألف عام: “نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ… أطويل طريقنا أم يطول؟”، لم يكن يسافر في سيارة أو قطار، أو طائرة، بل كان في قافلة من الجمال. بغض النظر عن المعنى المجازي للبيت أو التعبير البليغ عن حالة الاشتياق، فطريق الاشتياق ليس طويلًا فحسب، بل يطول حتى يكاد يكون بلا وصول، حتى في مركبة تخترق جدار الصوت بسرعتها.

وقبل أكثر من أربعة عقود، كان الفارس المتجول دون كيخوت يجوب البلاد ويطوي المسافات على ظهر حصانه الهزيل “روسينانتي”، ومعه خادمه سانشو بانثا على ظهر حمار “روثيو”، وإلى اليوم تسحرنا مغامراتهما، بل وتصيبنا الرواية بنوبة حنين ورومانسية حزينة، متأسفين على زمن كان، أقلّه، في خيالنا أكثر رحمة على الرغم من الظلم الذي انطلق دون كيخوت ليحاربه.

“يا تكسي الغرام يا مقرب البعيد.. يا مسابق الحمام والسكة الحديد”، الديو الغنائي بصوت هدى سلطان وعبد العزيز محمود في فيلم “تاكسي الغرام” منتصف خمسينيات القرن الماضي، يقدّم صورة عن التفاعلات الاجتماعية لكل جديد، ومنها وسائل النقل. كذلك أغنية فهد بلان “لركب حدّك يالموتور وركب الطيارة غيّة… شوف الضيعة من البلور وشاورلك يا لبنيّة”، هي احتفاء ودهشة بهذا الإنجاز الحضاري (الأعجوبة) الذي اقتحم حياة البشرية.

لم يتوقف التطور والثورات التقنية عند الطائرة فحسب، بل اجتاح طموح الإنسان الغلاف الجوي، وراح يغزو الفضاء ويضع عينيه على بعض الكواكب، واضعًا إياها بمنزلة حلم بديل لإقامته بعد أن يقضي على “كوكبنا الجميل”.

تاريخ النقل

إن الانتقال من سرعة المشي إلى سرعة “الصهيل” إلى سرعة الصوت، بل واختراقه، شهد صدمات كبيرة في الوعي البشري وتقبّله لكل ثورة في هذه المسيرة العظيمة، لكنه كان يعتاد عليها و”يهضمها”، ثم يتمثلها حاجة أساسية في حياته.

في فجر البشرية، كان النقل محدودًا بالمشي واستخدام الحيوانات مثل الخيول والحمير، الوسائل المتاحة الضرورية للصيد والجمع والتبادل بين المجتمعات. ثم مهدت القوارب البدائية المصنوعة من جذوع الأشجار الطريق للتنقل والتبادلات التجارية في الأنهار والبحار.

يمكن القول إن القرن التاسع عشر، الذي يُلقّب بـ “قرن الثورة الصناعية”، شكّل نقطة تحول أساسية في تاريخ الإنسانية، فأحد أهم منجزات هذه الثورة كانت وسائل التنقل، وباكورتها كان المحرك البخاري والسكة الحديد، نجم عنه سرعة الحركة وتقريب المسافات وتقليص الزمن. فعندما ظهرت أولى القطارات في بريطانيا (1830)، كانت سرعتها قياسية حينها (50 كلم/الساعة). لا يقتصر التأثير على المسافة والزمن، بل إن بناء السكك الحديدية والمحطات يغيّر بعض بنى الطبيعة، من تسوية التلال وحفر الأنفاق في الجبال وبناء الجسور فوق الوديان وغير ذلك، وينجم عنه تشكل مراكز حضرية، إذ تشكل المحطات ما يمكن تشبيهه بالنواة العصبية، وحول المحطات تتطور مراكز وأحياء جديدة (فنادق، محلات تجارية، صناعات)، إلى أن أصبحت صافرات القطارات جزءًا من الهوية السمعية للمدن أو المناطق التي تمر بها. الصافرة التي ناداها الفنان السوري الراحل رفيق السبيعي بأغنية تثير الشجن في نفوس من عايشوا قطار الزبداني، أو سمع الأغنية “صفّر صفّر يا بابور وخدنا عالزبداني”. لقد سهّلت القطارات التنقل، فساهمت في زيادة الهجرات، إن كان بين الأرياف والمدن، أو بين الدول، فكانت الوسيلة التي توصل إلى الموانئ، ومنها تنطلق السفن محمّلة بالركاب.

أما القرن العشرون، فقد شهدت بدايته ميلاد وتطور وسيلتين للنقل ستغيران المجتمعات بشكل عميق: السيارة والطائرة. ظهرت السيارة في نهاية القرن التاسع عشر بعد اختراع المحرك الذي يعمل بالبنزين، إذ قام رواد ألمان (كارل بينز وغوتليب دايملر في ثمانينيات القرن التاسع عشر)، أو فرنسيون (بانارد وليفاسور)، بتطوير أولى المركبات. لكن في أوائل القرن العشرين كانت السيارة سلعة فاخرة وحرفية ومكلفة، محصورة بنخبة ثرية، فجاء التحول من أميركا بالنموذج الفوردي، وهو نظام إنتاج جماعي يستند إلى توحيد القطع والعمل على خط التجميع، ما جعل التكلفة أقل، والإنتاج أوفر، وبالتالي بيعت ملايين النسخ من النموذج.

حتى هذا الاختراع تطلب بنية تحتية ومصانع تعدين ومطاط وغيرها، وساهم في نشوء التجمعات السكنية أو الضواحي قرب المدن. صحيح أن السيارات وسائل يمكن وصفها بالفردية، لكنها تطورت للنقل الجماعي والشحن أيضًا، وبدأت في منافسة السكك الحديدية بشكل جدي على المسافات القصيرة والمتوسطة. لكن الثورة الأكبر كانت في “غزو الهواء” والوصول إلى السماء.

الطائرات

فتحت الطائرة الطريق لغزو السماء، مقلّصة المسافات، في فترة كان العالم واقعًا تحت الحرب العالمية الثانية، التي سرّعت في الابتكار التكنولوجي وأظهرت الدور الاستراتيجي الكبير للمواصلات في الصراعات الحديثة.

حلم الطيران موغل في الخيال البشري، من الأساطير اليونانية كتحول الإله زيوس إلى بجعة أو نسر، إلى أسطورة الحصان الطائر بيغاسوس، أو بساط الريح في الميثولوجيا الفارسية، وغير ذلك، ثم محاولات الطيران الفعلية لدى شعوب عديدة وفي فترات مختلفة من التاريخ. ففي القرن التاسع الميلادي، قام عباس بن فرناس بصنع جناحين مكسوّين بالريش ربطهما بجسده، وعند القفز من ارتفاع حلّق لمسافة كبيرة قبل أن يهبط بعنف ويكسر ظهره. وبعد ثلاثة قرون من تلك الواقعة، حاول الراهب البينديكتيني الإنكليزي إيلمير من مالميسبري، ربما بإلهام من تجربة عباس بن فرناس، الطيران باستخدام أجنحة ميكانيكية. وحوالي السنة 1480، درس ليوناردو دافنشي العديد من النماذج الأولى لـ “الآلات الطائرة” من دون تطبيقها عمليًا، وهكذا استمرت المحاولات إلى أن خلص روبرت هوك، عالم الرياضيات والفيزياء والمخترع الإنكليزي، إلى نتيجة تفيد باستحالة الطيران البشري من دون مساعدة قوة “محرك صناعي”. ويُعدّ هزرفين أحمد تشلبي (1609-1640) المخترع العثماني واحدًا من روّاد الطيران بعد أن حلق من برج غلطة في القسطنطينية. ثم جاء اختراع المنطاد في أواخر القرن الثامن عشر، بداية مع الهواء الساخن، ثم تطور لاحقًا إلى العمل بالغازات، ثم المناطيد الموجّهة المتحكّم بمسارها.

بعد أن عبر الفرنسي لويس بليريو القناة الإنكليزية بالطائرة، مظهرًا إمكانيات هذه التكنولوجيا الجديدة، كان يُنظر إلى الطيران كرياضة وعرض. لكن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) شكّلت نقطة تحول حاسمة، إذ أصبحت الطائرة سلاحًا حربيًا. استُخدمت فيها الطائرات أولًا للمراقبة والاستطلاع، وسرعان ما تم تجهيزها للقتال الجوي (المطاردة) والقصف، وما زال الطيران الحربي في تطور بتسارع كبير. وفي الحرب العالمية الثانية لعب الطيران دورًا أساسيًا، فصارت الجيوش تشن الغارات على المواقع المهمة والاستراتيجية، وما زالت السيطرة على الأجواء أحد أهم شروط النصر.

بالنسبة للطيران المدني، فقد استُخدم بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بداية لنقل البريد، ثم لنقل الركاب. أما بعد الحرب العالمية الثانية، وما شهد العالم من ازدهار اقتصادي وميل المجتمعات إلى الاستهلاك، خاصة في الفترة (1945-1975) التي اتفق على تسميتها الثلاثينات الذهبية، أصبح غالبية السكان يمتلكون سيارات، وشهد الطيران المدني ازدهارًا أيضًا بفضل المحركات النفاثة، مع الاعتماد على الطاقة الرخيصة “النفط”، ولقد تفوقت الطائرات النفاثة على تلك التي كانت تعتمد على المراوح، وصار الطيران أرخص تكلفة وبمتناول غالبية الأفراد، حتى صار أهم وسيلة تنقّل بين الدول أو بين القارات اليوم، حتى مع وجود القطارات فائقة السرعة التي تعد الصين رائدة فيها.

وسائل النقل قد غيّرت أيضًا علاقتنا بالزمن. لقد أدى التسارع المستمر في التنقلات إلى خلق مجتمعات بإيقاع سريع يتناغم مع نمط الحياة والعمل في وقتنا الحالي، حيث يعدّ الوقت موردًا نادرًا يجب استثماره بشكل مناسب. هذا الانكماش المكاني الزمني له آثار عميقة على أسلوب حياتنا، وعملنا، وعلاقاتنا الاجتماعية. ومع ذلك، نلاحظ اليوم رغبة متزايدة في التمهل، وإعادة اكتشاف البطء والأمكنة القريبة بعد أن زجّنا هذا التطور التقني، ودخولنا حرم الذكاء الاصطناعي، في أحياز ضيقة، فأصبحنا غافلين عن أقرب المناطق إلينا، أو عن منطقتنا الصغيرة أيضًا.

تاريخ النقل ليس مجرد مدونة تقنية؛ بل هو سرد ممتع لتاريخنا وتشكل فضاءاتنا الاجتماعية وأحلامنا وطموحنا الإنساني، هو استرجاع لما اشتغل عليه أسلافنا والطرائق التي تمكنت بها الإنسانية من السيطرة على المجال المحيط بها، فطوّعت الأمكنة والوقت. منذ الثورة الصناعية، شكّلت الابتكارات في وسائل التنقل مجتمعاتنا، وأعادت رسم مدننا، وعززت الاقتصاد العالمي، وحولت أساليب حياتنا بشكل جذري، حتى بتنا مرتبطين بهذا الشكل من الحياة بحبل سري لا نحتمل العيش من دونه. لذلك نرى الارتباك العالمي اليوم في هذه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، فعدا إلغاء غالبية الرحلات الجوية إلى المنطقة منذ اليوم الأول للحرب، وما نجم عنه من تعطل مصالح الأفراد والمؤسسات والدول، تنعكس الأزمة على وسائل النقل المتنوعة في كل أنحاء العالم. فهناك كثير من الدول تنذر بنفاد مخزونها من الكيروسين، الوقود الخاص بالطائرات، وهذا ما أدى إلى الارتفاع الجنوني بأسعار التذاكر. كذلك فإن سعر الوقود ارتفع في محطات الوقود التي يتزود منها الأفراد لركوب سياراتهم، وارتفعت أيضًا أجور النقل العام، ما أثر على حركة المجتمعات، وقلّص التواصل بين الأرياف والمدن. أثر ارتفاع سعر الوقود على حركة الأفراد حتى في الدول التي أسست في مدنها الكبيرة بنية تحتية لوسائل أخرى، مثل مترو الأنفاق أو الترامواي أو حتى “التلفريك”، فهذه لا تكفي وحدها، إنما هي وسائل رديفة.

وإذا كان العالم قبل جائحة كوفيد 2020 موّارًا بالنشاط العلمي والبحث عن حلول وابتكارات من ضمن أهدافها تطوير وسائل النقل باستخدام مصادر طاقة صديقة للبيئة عوضًا عن الطاقة الأحفورية، وتركيز الهدف على التحديات المناخية والسلامة البيئية، ولقد نجم عن تلك الجائحة تعطيل كبير في النقل على مستوى العالم وإغلاقًا، يقول الخبراء إن الحرب الحالية تضعه خلفها من حيث التأثير، فإن الحروب والنزاعات تفاقمت على مدى هذه السنوات الفائتة، وآخرها هذه الحرب، أفلا يحق للبشرية أن تقلق وهي ترى نفسها تنحدر إلى مهاوي الظلام؟

لقد جعلتنا هذه الحروب نلوذ بالماضي، نملأ أحلام يقظتنا بذاكرة عشناها أو قرأناها أو شاهدنا أفلامًا عنها، ذاكرة تجعل من السير على أقدامنا، أو استحضار زمن الحمير والأحصنة والجمال، وكل الحيوانات التي دجّنها الإنسان وسخرها لنقله وتسهيل حياته، في وقت تورطنا معه في حضارة لم نستوعبها بعد، حضارة تتقدم بسرعة أكبر من قدرتنا على استيعابها.

يومًا بعد يوم، يتعاظم خوفنا من الغد، ويزداد الحنين إلى ماضٍ يوازن أرواحنا، يتردد في خلدنا صدى آتٍ من مغارات التاريخ، صوت “حادي العيس”، ولكل شعب في تاريخه “حادي عيسه” يدندن بلغته ولحن تستطيبه العيس خاصته. إنه عصر الجنون.

ضفة ثالثة

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply