أنور محمد: “الطاغوت”: هل نحن بإزاء لون جديد للرواية السورية؟

يُقَلِّبُ الروائي السوري فيصل خرتش (1952) في روايته “الطاغوت” (دار جدار للثقافة والنشر، السويد ــ مصر، 2025)، أوراق الرئيس حافظ الأسد الذي حَكَمَ سورية بانقلاب 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، وهو يفتكُ بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويحوِّلُها إلى جحيمٍ لا يزالُ لظاه يحرقُ السوريين بِشُقَّيْهِم: المُلمَّعْ وَالرَّث؛ هذه الطبقة التي تخصَّص فيصل خرتش من بين الروائيين السوريين بالنبش في أحزانها وآلامها وتعاستها ودمائها التي سفكها (الأب القائد)، فيَتَحَمَّم بها طيلة فترة حكمه (1970 ــ 2000).
تَتَخِذُ الروايةُ من مجزرة “مدرسة المدفعية”، التي راح ضحيتها عشرات طلاَّب الضباط من الطائفة العلوية بحلب، حدثًا رئيسًا، والتي نفَّذها النقيب إبراهيم اليوسف باسم جماعة (الإخوان المسلمين)، والتي ستنعكسُ آثارها على السوريين، وعلى السارد بطل الرواية يوسف فرحان، مدير المدرسة الإعدادية، الذي يتلقى تهديدًا بالقتل من الجماعة، والذي كان قد أنهى الخدمة الإلزامية في دمشق ــ المدينة العربية، وقلب العروبة النابض، كما يروي؛ واحتفل به ثلاثة من العساكر يسكنون معه في دارٍ بحيِّ العَمَارة الدمشقي، والرابعُ التحق بهم وهم يُدخنون سجائر الحشيش ويشربون العرق حتى الصباح. السارد يُغني: يا الأسمر اللون، يا الأسمراني. فهذا آخر يوم له هنا، ويشربون حتى تحسبهم يرون الديك حمارًا.
الراوي يوسف فرحان وهو يَهِمُّ بالعودة إلى مدينته حلب، يستذكر “منيرة” بنت جيرانه في الدار المقابلة لدار أبي حسان الأعمى، التي استأجر فيها غرفة، والتي جَذَبته إلى الداخل، وأغلقت الباب، وراحت تُعانِقه بِشدَّة، والإنسانُ ليس حَجَرًا حتى تَندّى وسَطَه. كما يتذكَّر القوات السورية التي دخلت إلى لبنان لوقف نزيف الدم العربي، لا يدري، ربَّما نزيف الدم اللبناني، هكذا كان يقول له الرائد سعدو الملحم، في الاجتماع الحزبي، بعد أن ردِّدوا الشِعار “أمَّةٌ عربيةٌ واحدة ذاتُ رسالةٍ خالدة”، وقرؤوا البريد الوارد. من حزب الأمَّة الواحدة، وهو يَستذْكِر، إلى الحزب الأُمَمي، ورفيقٌ؛ ونعناع وبقدونس وفليفلة وبندورة وخيار وفلافل وعرق، وصبية “نعيمة” في الخامسة والعشرين، مهرة، غزالة تمدُّ يدها إلى صدرها وتُخرج منشورات مكتوبة بخط اليد ناولته إيَّاها، فيما راح وضَّاح يحدِّثه عن الصراع الطبقي وتَفرعَاتِه، ويدعوه لقراءة الماركسية، وأيُّها يتطابق مع البلد فنأخذ بالذي يتطابق، ونترك الذي لا يتطابق. ويسأله: ما رأيك؟ فيُجيبه الراوي يوسف فرحان مُتهكِّمًا: نأخذ بالذي يتطابق. فيما تصرخُ نعيمة بالأوُف من حنجرةٍ ربَّما هي مصنوعةٌ من الذهب الخالص وهم يشربون العرق. فيما كان العَساكِرُ، مثل العريف أبو عذاب، في بداية الحرب اللبنانية، كان يعود من لبنان في كلِّ إجازة بغسَّالة في أوَّل مبيت، وهكذا دواليك، فمع كل مبيت يُنزِّل فيه بَرادًا، فبَانيو، ويبيعها، والآن صار يُنَزِل البواري وأشرطة النحاس، وأيضًا الحشيش.

نلاحظ هنا أنَّ السخرية عند فيصل خرتش قاسيةٌ ومُثيرة، فتراه يَلذَعُ ويلَدَعُ القوَّةَ الجابرة المُتجبِّرة بسياط ِكلماتِه، وبشعورٍ من المرارة والألم. شخصياتُه بسيطة من قاع المجتمع، وإن انتمت إلى الأحزاب اليسارية واليمينية فإنَّها لا تملك قرارها. شخصياتٌ تتعرَّضُ للاعتقال والتعذيب حتى الموت؛ ومنهم وضَّاح الذي يخاطبه الراوي بعد أن صار حرًا طليقًا: أينَ أنتَ يا وضَّاح؟ هل اعتُقلت؟ ربَّما، أمْ أنَّك ترتدي الثياب المدنية الآن بعد أن أطلقوا سراحك، أين حزب الشغيلة؟ هل فَرَطْ؟ العصا الغليظة تعتقلُ الناس، شبَّان وفتيات، طلاب جامعة وعسكر، الاعتقالات بالمئات، ورابطة الشغيلة تفرّْ، تهربُ في كلِّ مكان. فيصل في روايته “الطاغوت” يكتب من مركز ضبط؛ مركز تَحَكُّمْ حتى لا يبقى السوريون مثل ريشة في مهب الريح، مركزٌ لا يأخذُ أوامرَه من إرادته في أن يكون ــ لا كما يُكَوِّنُونَهُ؛ يُكَوِّمونه ــ فلا يكون ضحية.
التَهَكُّمٌ عند فيصل خرتش هو بمثابةِ إعلانِ هجومٍ على السلطة المُتجبِّرة، سياسية كانت، أو دينية، أو اقتصادية. قد يبدو في تشخيصه لواقع أبطاله فظَّا، لكنَّه يكتب روايته بصفته مُشاركًا في الصراع، وليس شاهِدًا، وبعمقٍ واتِّساعٍ في الرؤيا، فيُصوِّر الحياة الشعبية، وكيف يتداولُها الناسُ. هو يسخرُ من السلوك العدواني للسلطة، والسخرية عنيفة كونها تنظر لِلشَعَب نظرة تبشيعية تحقيرية إذلالية؛ خاصَّةً عندما يتذكر المَسيرات، وليس المُظاهرات الإجبارية، لكل العاملين في مؤسَّسات الدولة السورية تأييدًا للأب القائد، والتي تُنقَل مُباشَرةً عبر وسائط الإعلام، وما أكثر تلك المسيرات، فالأب القائد كان يُحِبُّ أن يرى شعبَه وهو يسير. فمنذ الصباح، ترى العمال والطلاب والفلاحين وسائر العاملين في الدولة قد هيَّأوا أنفسَهُم للمُشاركة في الفعاليات، ويحملون إمَّا علمًا سوري، وإمَّا لافتة مكتوب عليها شعارات، وإمَّا صورة للسيِّد الرئيس، وإمَّا كلمة يحملها باليد طالب، وتبدأ الهتافات والشديات التي تُعلنُ الولاء للقائد البطل، في حشودٍ تبلغ مليونًا ونصف المليون تؤيّدُ خطوات القائد، وأمام التلفاز بشكل هستيري. الساردُ هنا مُشغّلُ الأحداث/ الذكريات، هو البطلُ الفَردُ الذي لا يكون الوجودُ من دونه، ولأنَّه يروي فهو يتهكَّم، يسخر، يتوجَّع، يتألَّم من الطاغية الذي حوَّل حياة السوريين إلى جحيم، وتحوَّل إلى مُدافعٍ عن كرسيه، حامٍ؛ مُستغلٍ. مُدمِّرُ الهرم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لسورية، مُحرِّر الفساد والفاسدين، قامع الناس. وهذا ما أجِّجَ الغضب الشعبي، لتبدأ أحداث العنف والاغتيالات في حلب وقد صارت بالعشرات، وصار البعثيون ينسبونها إلى جماعة العراق، لا بل إنّ أحدَ الرفاق في الاجتماع الحزبي كما يروي الساردُ مديرُ الإعدادية يوسف فرحان، قال: إنَّهُم من التحرير الإسلامي، ومالتِ الخَلْق، يقصد الرفاق على بعضها بعضًا يتهامسون عن معنى التحرير الإسلامي، حتى إنَّ أمين الفرقة تلكَّأ وقال: التحرير الإسلامي هو حزبٌ سياسي يضمُّ جماعةً من الأصوليين، ولم يزد على ذلك شيئًا، وختمَ الاجتماع بأنَّه سَيَعِدُّ دراسةً عن الحزب ويقدِّمُها في الأسبوع المقبل، وعلى ذلك انفض الاجتماع في الساعة السادسة والنصف بترديد الشعار. ارتكبت جماعة الإخوان المسلمين مجزرةً بحقِّ طلَّاب ضبَّاط مدرسة المدفعية، فانفجرَ العنف، والبلد خربَتْ كما يقول الراوي، فتجدُ الأخوةَ في البيت كلُّ واحد يُديرُ ظهره للآخر، وكأنَّما لم تُنجبهم أمٌّ واحدة، البعثي يتستّر، والأخونجي يتخفَّى، والشيوعي يتمذهب، وكلٌّ في فلكٍ يسبحون.
الساردُ يوسف فرحان مديرُ الإعدادية صارَ مطلوبًا للإخوان المسلمين، اسمه على اللائحة السوداء، الثالث في القائمة، يريدون رأسه الجميل هذا. يعيش يوسف لحظات رعب، وصار يتخيَّل، بل صارَ يهذي؛ فلقد جاءت دائرة دفن الموتى، يسبقها صوتها، وخلال مدّة قصيرة، غَسلوُه بالماء، وبالقماش الخاصَّة كفَّنوه، ربطوه من عند الرأس والقدمين، فتحوا له قبر أبيه، قرؤوا سورة ياسين وأنزلوه، وضعوا حول القبر أحجارًا وطيَّنوها، ثمَّ أهالوا التراب، عبدٌ جَلَسْ. وَلَمَّا يصحو من غيبوبته؛ هذياناتِه، يتساءل: ما هذا الكلام الفارغ، أنا ما زلتُ جالسًا هنا، في بيتي، وزوجتي في المطبخ تُلمْلِمُ الصُحون، إنَّني أسمعُ صوتَها، لكنَّني مُتعبٌ، مُتعبٌ حتى الإرهاق.
الروائي فيصل خرتش قاسٍ وعنيف وهو يبحث في (تكوُّن) الاستبداد في سورية بعد استلام الأب القائد الحكمَ، ودخول الناس في عزلة سياسية واجتماعية، وهم غير قادرين حتى على الاحتجاج على عجزهم والحطَّ من إنسانيتهم، وكأنَّهم فقدوا مذاق الحياة لكثرة ما دافعوا عنها وخسروا كل معاركهم. لقد تدجَّنوا بعد كل المجازر التي كانوا فيها ضحايا، وعادوا يتفرَّجُون على نشرة الأخبار: مجموعةٌ جديدةٌ من عصابة الإخوان العميلة تنسحبُ من التنظيم، هكذا تمامًا، وبدأ المذيع يكرُّ الأسماءَ ثمَّ الأخبارَ المحلية، كان من بينها مسيرة جديدة، ثمَّ الأخبار العربية، فالعالمية، وما إن انتهت الأخبار، حتى بدأ التلفاز يعرض مسيرة دمشق، وخرج الناس يهتفون: بالروح بالدم نفديك، والمذيع ينقلُ على الهواء مباشرة، ويقول هَا هِيَ أمَّةُ البَعثْ، فأينَ أنتُم يا معاقل الرجعية.

يذهب الروائي فيصل خرتش بذاكرته إلى عام 1948، وهو يُشاهِد المَسِيرات المليونية المؤيِّدة للأسد، حيث لم يكن بعثٌ يحكم، ولا أسدٌ يطارد الإخوان المسلمين، ويروي كيف قفز خليل مع الذين قفزوا إلى بيوت اليهود في حلب؛ تلك التي كانت تُسرق في تلك الأيام، فاليهود أخذوا الأرض في فلسطين وطردوا شعبها، وهنا علينا أن نطرد اليهود ونستولي على أملاكهم، فاستولي خليل على العلبة التنكية، وطارده الحارس الليلي، وهرب إلى أن وصل إلى البيت، وهَا هُوَ (الذَّهَبُ) أمامه. في البيت تسكن معه أخته فتحية التي يُزوِّجها من عبد العزيز، فتَقعُ ضرَّةً على زوجته الأولى فتزاحمها بانتفاخ بطنها، ولأنَّ عبد العزيز كان وحيدًا لأُمِّه، فقد بلغَ عدد أولاده حتى عام 1975 ستة عشر ولدًا، فاشتغل مناضلًا ببيع الحشيش، والهجوم أيام الفرنسيين ليلًا على ثكنة طارق بن زياد، وثكنة المُهلَّب، وثكنة هنانو. واستمرَّ معه النضال إلى ما بعد رحيل فرنسا والحكم الوطني، وتطوَّر عمله فصار يسرق في الليل الذي يكون فيه الشهر محاقًا، ويصلي الأوقات الخمسة. يشربُ الحشيش ليلًا، ويصوم نهارًا في رمضان. ثمَّ يدخل الراوي في نوبة هذيانية ــ يهذي ويطول ويقصر، يتشاجر مع زوجته، ويشتغل مع الجِن؛ مثل الجِنِّي أبو درباس، الذي يزوِّجُه من الجِنيَّة قمبوزة، وشبحُ الإخوان يطارده، خاصَّة بعد أن وقف الرفيق زهير مشارقة، نائب رئيس الجمهورية، يوم الاجتماع الأخير في مركز التدريب المهني بحلب وقال بأعلى صوته: كلُّهم أربعة جرذان، هكذا بالحرف الواحد، ألم تنتهوا منهم. وفي اليوم التالي، أسمعوه من هي عصابة الأخوان المسلمين العميلة. فقد توزَّعوا في كل أنحاء المدينة، وبدؤوا أعمال العنف، من اغتيال، وجمع تبرعات، فقد كان الواحد يأتي إلى الأسواق، وهو يربطُ حزامًا ناسفًا، يُريه للناس، ويُطالبهم بجمع التبرعات، ويمرُّ الثاني ليلم النقود. ومن ثمَّ ابتدأت معركةٌ لم تكن في الحسبان: إطلاقُ رصاصٍ من الأطراف كافة، زخَّاتٌ تليها زخات، والقنابلُ الدخانية، والرصاص الخطَّاط، والناس يتراكضون، كلٌّ منهم يقول الآنَ جاء دوري. الكلُّ كان يسأل: ماذا حصل؟ وبين الغادين والرائحين جاوبَ شابٌ تركَ الدورية من ساعته وقال: لقد قُتِلَ إبراهيم اليوسف. فيتساءل الراوي: أنا استغربتُ ومدَدْت ُرأسي أكثر، هل يمكن لهذا الرجل أن يموت. قُتِلَ الشيخُ والراهبُ، البعثيُّ ورَجُلُ الدين الأصولي، قُتِلَ وسُحِلَ بالدبابة، الذي كانت تتناقلُ الألسنةُ الأساطيرَ عن حياته، والأساطيرَ عن مقتله، وكيف أنَّ رُوحَه خَرجت تُفتِّشُ بين الزحام عمَّن تلتجئُ إليه، فطارت في الغمام، لقد رآها الناسُ تصعدُ إلى السماء، ومنهم من يقول: إنَّ روحه لم تجدْ مكانًا تذهبُ إليه، فبقيت مُعلَّقةً بين الأرض والسماء. في الصباح، يرنُّ جرس باب البيت، فتفح زوجته الباب، فإذا بأخيه الثاني القادم من بيروت يقول له: إلبس ثيابك بسرعة. كانت السيارة تنتظره أسفل البناية، استقلَّها، وفي وقت ما بعد الظهر، كان يتفتَّل بشارع الزيتونة في بيروت وهو ينظر إلى البحر فلا يشبعُ من النظر إليه.
الروائي فيصل خرتش في روايته “الطاغوت” كما في رواياته: “موجز تاريخ الباشا الصغير” (1990)، و”تراب الغرباء” (1994)، و”أوراق الليل والياسمين” (1994)، و”خان الزيتون” (1995)، و”مقهى المجانين” (1995)، و”حمَّام النسوان” (2000)، و”مقهى القصر” (2004)، و”شمس الأصيل” (2008)، و”دوّار الموت بين حلب والرقة” (2017)؛ و”أهل الهوى” (2018)، كمن يَنعي سورية المواطن والسياسي، سورية المعرفة والتاريخ، سورية المدنية والدولة. عَرَق وحشيشٌ وعنفٌ وحَمِيَة وحمَاسَة وعجزٌ وحبٌ وهوى؛ شكلٌ ولونٌ جديدٌ للرواية السورية يفيضُ حيويةً، أحداثٌ حقيقية وأحداثٌ واقعية تتحرَّكُ تحت تأثير الوعي النقدي لا تحت صناعة الشرّ.

ضفة ثالثة

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply