تمثّل تجربة صلاح الدين محمد نموذجاً متقدّماً في النقد التشكيلي العربي عموماً والسوري خصوصاً، إذ جمعت بين التكوين العلمي والتحليل الجمالي، وبين التوثيق والقراءة الحضارية. وانطلاقاً من هذه المكانة، تكتسب الذكرى العاشرة (04.05.2026) لرحيله أهمية خاصة، لا بوصفها مناسبة استذكارية فحسب، بل باعتبارها مدخلاً لإعادة قراءة تجربته ضمن إطار منهجي نقدي ويأتي ذلك في ظلّ حالة التيه السوري المستمر، وما أفرزته من ارتباك في بنى الإبداع ومعاييره التقييمية، الأمر الذي يعزّز الحاجة إلى استعادة مشروعه بوصفه مرجعاً معرفياً متكاملاً، لا يمكن اختزاله في حدود الممارسة النقدية التقليدية، بل ينبغي فهمه كمسعى نظري وتطبيقي جمع بين النقد الفني والتوثيق الحضاري، وانشغل بعمق بأسئلة الهوية والثقافة في سياق سياسي وثقافي معقّد.
وُلد صلاح الدين محمد عام 1949 في قرية “Qijûma” التابعة لمنطقة عفرين، وبدأ الكتابة الصحفية منذ عام 1970 بالعربية والإنكليزية، قبل أن يتخرّج في كلية الهندسة المعمارية عام 1974. وقد شكّلت هذه الخلفية العلمية نقطة الانطلاق في مشروعه النقدي، حيث تعامل مع الفن بوصفه امتداداً بنيوياً للعمارة، ورأى في اللوحة التشكيلية بنيةً مستقلة قابلة للتحليل وفق قوانين هندسية دقيقة. هذا التصور البنيوي أتاح له تطوير أدوات تحليل تتجاوز الانطباعية، نحو مقاربة علمية تُعنى بالبنية والعلاقات الداخلية للعمل الفني، وهو ما أشار إليه أديب مخزوم في دراسته حول تجربته النقدية¹.
وقد تميّز مشروع صلاح الدين محمد النقدي بقدرته على الجمع بين التحليل البنيوي والتفسير الحضاري. فإلى جانب تكوينه المعماري، امتلك ثقافة موسيقية ومعرفية واسعة، مكّنته من مقاربة العمل الفني ضمن سياقات متعددة، تتجاوز حدود الشكل إلى أبعاده التاريخية والثقافية. لم يكتفِ بالوصف، بل سعى إلى تفسير العمل الفني بوصفه نتاجاً لحراك حضاري، وهو ما انعكس في كتاباته الصحفية وبرامجه التلفزيونية، حيث عمل على توثيق مراحل تطور الفن التشكيلي السوري والعربي، مقدّماً قراءة نقدية تتقاطع فيها المعرفة الجمالية مع الرؤية التاريخية².
كما يُعدّ الجانب التوثيقي من أبرز ملامح مشروعه، إذ أنجز ما يقارب مئة فيلم وثائقي تناولت الفن التشكيلي والحضارة والتاريخ. وقد شكّلت هذه الأعمال أرشيفاً بصرياً مهماً، خاصة في ظل ضعف التوثيق المؤسسي في السياق السوري. وتكتسب هذه الأفلام أهميتها من كونها لم تقتصر على العرض، بل قدّمت تحليلات نقدية مرافقة، مما جعلها مصدراً معرفياً مزدوجاً يجمع بين الصورة والنص.
درس صلاح الدين محمد تاريخ العمارة الشرقية وتأثيرها في الفكر المعماري الغربي، وقدّم مقاربات مقارنة مدعومة بوثائق وأرشيفات نادرة، وقد تجلّى هذا التوجه في برنامجه التلفزيوني “آفاق حضارية”، الذي سعى من خلاله إلى معالجة إشكاليات تتعلق بصعود الحضارات وأفولها. ركّز في هذا السياق على إبراز أثر الحضارات السورية في تشكيل البنى الجمالية الغربية، مقدّماً نموذجاً نقدياً قائماً على المقارنة والتحليل التاريخي. إلى جانب نشاطه النقدي، مارس الرسم في بداياته ضمن اتجاهات قريبة من الواقعية التعبيرية، وهو ما أتاح له الجمع بين الممارسة والتنظير. وقد انعكس هذا التداخل في كتاباته التي اتسمت بانفتاحها على الفنون المختلفة، مثل الموسيقا والشعر والمسرح، مما عزّز من طابعها التركيبي.
في دراساته التطبيقية، كما في كتابه عن لؤي كيالي (1999)، اعتمد التحليل الهندسي المقارن لفهم البنية التشكيلية، وهو منهج أشار فاتح المدرس إلى أهميته، فيما اعتبر ممدوح عدوان كتاباته نموذجاً للتجديد والموضوعية في النقد العربي. كما لا يمكن فصل تجربته عن السياق السياسي الذي عاش فيه، فقد تعرّض، بوصفه مثقفاً كردياً، لضغوط سياسية وأمنية. ومع ذلك، حافظ على انتمائه الثقافي، معبّراً عنه بطرائق رمزية ضمن أعماله وبرامجه. وقد انعكس هذا التوتر في شخصيته وخطابه، حيث جمع بين الحساسية الجمالية والوعي النقدي، في محاولة دائمة للتوفيق بين الإبداع والواقع.
حضر صلاح الدين محمد في عدد كبير من الفعاليات الثقافية المحلية والدولية، مشاركاً في أكثر من مئة ندوة، من أبرزها الندوات الموازية لبيناليات القاهرة والكويت في تسعينيات القرن الماضي. كما اختير لمرافقة المعرض السوري إلى موسكو عام 1984، وشارك في مؤتمرات دولية عدة.
وعلى المستوى المؤسسي، شغل عضوية هيئة تحرير مجلة “الفن العربي” (1981)، والهيئة الاستشارية لمجلة “فن” في لندن (1987)، كما اختارته مجلة “فنون” السورية نجماً إعلامياً عام 1993.
الهوامش
1. أديب مخزوم، قراءة في تجربة صلاح الدين محمد النقدية، صحيفة الثورة السورية، 2022.
2. يوسف م. شرقاوي، صلاح الدين محمد: الناقد الذي وثّق الذاكرة التشكيلية، موقع فنك.
المراجع
- مخزوم، أديب، “قراءة في تجربة صلاح الدين محمد النقدية” – صحيفة الثورة السورية، 2022.
- شرقاوي، يوسف م. “صلاح الدين محمد: الناقد الذي وثّق الذاكرة التشكيلية” – موقع فنك.
- أرشيف البرامج التلفزيونية السورية (1978–1996).
- كتاب (راحلون في الذاكرة) تحت الطبع من إعداد محمد عزوز/ كما كتب الكاتب على صفحته الخاصة.
- مقابلات وشهادات معاصرين.
- الصور من صفحة ابنته نارين محمد على فيسبوك.

Leave a Reply