فدوى العبود: الطرق المثلى للفشل!

هل يمكننا أن نلفظ هذه الكلمة دون أن ترتعش شفاهنا، أو نسترجع الخوف الفطريّ في جيناتنا منها، وهل نستطيع متابعة هذه المادة حتى آخر عبارة فيها دون أن نجرف معنا شيئًا من ذاتنا وأمنياتنا المجهضة!

وماذا يعني أن نحاول المشي على طريقة السلطعونات مائلة حين تقابلنا هذه المفردة التي ترضُّ وجودنا رضّا! ومنّا من استطاع التعامل معها أو استثمارها بينما أطاحت بآخرين كما تطيح الريح بورقة على غصن شجرة! ولكن ثمة من يقول ما كانت للريح كل هذه السطوة لولا أن البرعم كان هشًّا!

ونحن نحترم نقيضها ونجلّه في كلّ محفل.

هذه المفردة، إن هربنا منها نهاراً راودتنا ليلاً كما زوجة العزيز مع يوسف فمزّقت أرواحنا كما مُزّق قميصه! إن توارينا أتتنا من اليمين والشمال من أعلى ومن ذرات كينونتنا، من لا وعينا وجيناتنا ومن القدر الذي تنحدر من سفوحه سلالتنا كما ينفلتُ حجرٌ من جبل.

كم مرّةً تعثّرنا في الحلم فباغتنا الذعر، وكم أخفقنا في كوابيسنا في مقعد امتحان الثانوية رغم نجاحنا الواقعيّ! كم وكم.. انكسر قلمنا في كابوس، وتحول جهاز المحمول إلى خرقةً لا تنفع حين نحتاج لمهاتفة ابن أو حبيب! كم علقنا في مرتفع وبِتنا قابَ قوسين أو أدنى من السقوط وخلف كل هذه المشاهد التي يُخرجها سينمائيّ اللاوعي تربض هذه الكلمة.

وفي المقابل، من منا استقل قطار الحياة دون أن ينزل يوما في محطتها! ولكل منا نصيبه منها! فالتوقف فيها حتمي وهناك من تابع الرحلة مزوداً بحكمتها وعليه آثار وندوب دروسها وثمة من ضاع في المحطّة! وللتأكد مما نقول نحيل على الحياة وكتابها المفتوح تاريخ الضياع والنجاة.

كُتبنا الناجحة شاهد صامت وسريّ على عدد المسودات التي سبقته، وخلف صورتنا الأجمل ألف صورة مريعة. ونحن نحسد من تجرؤوا عليها “كصموئيل بيكيت” أو “نيتشه” فهؤلاء لم يفكروا في نقيضها حتى يقلقوا بشأنها بل اعتبروها فرصة ثمينة.

ومن وحي هؤلاء وطريقة عيشهم يتحرك كتاب “فضائل الفشل” للكاتب الفرنسي المعاصر واستاذ الفلسفة “شارل بيبان”*

وتتوزع الرؤية فيه بين المفهوم الرواقي للفشل والذي يدور حول القبول والفهم، والتحليل الفرويديّ –نسبة لسيمغوند فرويد- والذي يرى فيه رغبة عميقة لمواجهة اللاّوعي. إضافة للتحليل الوجوديّ الذي يرى فيه فرصة للاختيار والنهوض.

يناقش الكتاب ومن خلال عناوين متعددة- (“المعضلة الفرنسية”، “الخطأ بوصفه وسيلة للفهم قراءة أبستمولوجيّة” “الأزمة باعتبارها نافذة”، “الفشل لفرض الشخصية، قراءة ديالكتيكية”، الفشل باعتباره درسًا في التواضع”، “قراءة مسيحية، “الفشل باعتباره تجربة واقعية قراءة رواقيّة”، “الفشل بوصفه فرصة لخلق الذات قراءة وجوديّة”، “الفشل بوصفه فعلاً ناقصًا أو حادثًا سعيداً، قراءة نفسيّة” “الجرأة هي الجرأة على الفشل”، “كيف نتعلم الجرأة، هل فشلت المدرسة”) – الفشل كبداية للتعلّم، إذ أن مواجهة الواقع تحدث هنا أكثر مما في النجاح، وقد ” اعتمد بعض الخبراء لتحفيز المبادرات الفردية من خلال شعار “إفشل باكراً”؛ فاستخلاص الدروس منه أهم بكثير من النجاح الذي يحجب عنّا تعلّم الأشياء على حقيقتها.

يتشارك المؤلف مع قارئه لقطات من حياته كمدرس لمادة الفلسفة، وكيف منحته هذه المهنة الفرصة لمعاينة فضيلته المتكررة ودوره في بثّ الرغبة في النهوض من جديد وبسرعة أكبر. وهو ينتقد الثقافة الفرنسية التي تستهيبه وتعدّه مذمّة، ويثني على ثقافة ” فنلندا وأميركا والنرويج” حيث يفتخر المرء في تلك البلدان به “مثلما يفتخر المحاربون بآثار الجروح على أجسادهم”.

وفي بعض الثقافات، يُنظر له بوصفه تجربة واختباراً لقوّتنا؛ وثمة فرق كبير بين أن نعدّه ذنبًا وأن نعتبره جرأة؛ إذ ينبغي وفق هذا المنظور أن نقع كي نتمكن من النهوض. وهو يختبر النقيض، أي النجاح حيث التحليق في الأعلى لكن حين يحدث العكس؛ فانت تصطدم بالصخرة التي تعرّفنا إلى حدود قدرتنا. وبالنسبة للنظرية “الابستمولوجيّة” فالفشل أو الخطأ هو الحقيقة أو باعتراف “غاستون باشلار”، “الحقيقة ليست سوى خطأ تمّ تصحيحه”

يقدم “بيبان” أمثلة لعلماء وكتاب وفنانين مُلهَمين / مُلهِمين، كان رائداً لهم وكان من المستحيل أن يتعلموا لو أنهم لم يفشلوا من البداية. كتب بيكيت: الهدف النهائي للفن هو الفشل. أن تكون أديباً يعني أن تفشل في “الخطاب واللغة والحبكة والحوار، “هو لم يكتب: إفشَل بشكل أفضل، بل كتب: إفشَل أفضل”*.

ولعلّ أثمن النصائح تلك التي تستوحى من مسودات “مارسيل بروست” والتي يجب بموجبها وبدلاً من تقريع الكتاب الشباب ولومهم بأن “نصك مشوش” أو “نصك ناقص” أن نقول لهم “إفعل كما فعل بروست راجع نصك”

وتحت عنوان “الأزمة باعتبارها نافذة” نتعرف لكونه اللحظة المناسبة أو الفتحة التي يظهر فيها الواقع أمامنا. هو نقطة انطلاق للتأمل والفهم فالأزمات التي تعصف بنا تزودنا بمعارف عن أنفسنا.

وماهي الكآبة؟ إن لم تكن دعوة مؤلمة إلى رؤية مالا نرغب في رؤيته. كتب هولدرين “من أعماق الخطر ينهض أيضا ما ينقذنا، وينبغي أن تكون أعيننا مفتوحة كي نرى ذلك الشيء الذي ينقذنا”

وفق هذه الرؤية فكل الإخفاقات والانكسارات مسارات للضوء أو بتعبير ليوناردو كوهن في اغنيته “نشيد” “هناك شرخ في كل شيء، لهذا يتسرب الضوء إلى كل شيء”

يقدم “شارل بيبان” قراءة ديالكتيكية يستعرض عبرها مسيرة كتاب وسياسيين وفنانين تعرضوا للإخفاق “كأنهم بحاجة له كي يكتشفوا قوتهم الحياتية الدافعة”، يوضح رؤيته من خلال فلسفة “هيغل” الديالكتيكية حيث سعى الاخير في كل أعماله الى أن يبين كيف أن كل قوة تحتاج إلى ما ينفيها لتصل لإثبات نفسها؛ أي لابدّ من الأضداد لتخطي الضدية “حين تنهض قناعة أخرى وتنفي قناعتي أتمكن من العثور على الحجج التي أدافع بها عن قناعتي”. وتقوم فرضية “هيغل” على القاعدة التالية “لقد فشلت المرة تلو الأخرى في حياتي ولهذا نجحت”. فغياب الإخفاقات يحرمنا من إثبات قوتنا.

وفي القراءة المسيحيّة هو”درسٌ في التواضع”، يتوقف بموجبه المرء عن رؤية نفسه إلهًا أو شخصا متميزاً ” أن ينظر إلى نفسه كما هو لا كما يتخيل وهو ما يشكل أساسًا راسخًا لحياة ناجحة” والمثال الأقرب لذلك هو غرور “ستيف جوبز” الذي حقق نجاحات باهرة في الخامسة والعشرين من عمره لكنه أصبح متغطرساً بشكل غير معقول والذي قال “إن طردي من آبل هو أفضل شيء حصل لي، كان طرده لمدة اثنتي عشر عامًا قضاها في التركيز على جوانب فشله وأعاد صقل نفسه وتعلم التواضع والاستماع للآخرين” وفي لعبة الجودو يتعلم اللاعب السقوط أرضًا وقبول هذا السقوط “فالسقوط يعني فهم قوة الخصم”

وتقدم القراءة الرواقية منظوراً واقعيّاً يتمثل في حكمتها “يا إلهي امنحني القوة كي أقبل ما لا طاقة لي على تغييره، والإرادة كي أستطيع تغيير ما أستطيع تغييره والمعرفة كي أميز بين الاثنين”؛ فالواقع يظل غير ما نتصوره إلى أن نصطدم به وحينها ندرك أن هناك مالا يتوقف علينا.

والتواضع الحقيقي، هو قبول الفشل كما في لعبة إذ تشبه الحياة لعبة وهناك من يجيد اللعب النظيف وهناك من يلعب بخسّة واللعب النظيف أن تكيل المديح لخصمك إن سدّد رميةً بارعة وأن تتعلم من خسارتك وأن تعترف بالواقع وحين يحدث العكس. وأقرب مثال لذلك الطالب الذي يرمي مسؤولية فشله على أستاذه بدل أن يعيد تقييم إمكانيّاته.

ويستلهم “بيبان” تجربة نيلسون مانديلا الذي قال مرة ” أنا لا أخسر أبداً إما إنني انتصر أو أتعلم” ويدعو الكاتب لأن نصبح رواقيين كل يوم أكثر فأكثر حيث نحول إخفاقاتنا لدروس.

إن عدم الفشل يعني عدم الجرأة، وعدم المغامرة، والقاعدة التي يقدمها المؤلف نقلاً عن رينيه شار “تصرف كبدائي، تنبأ كاستراتيجي”.

الشرط الأول للجرأة هو امتلاك الخبرة وتطوير الكفاءة والسيطرة على الموقف الصعب والقيام بالخطوة التالية “الجريئون الكبار هم معجبون كبار، يعجبهم في الآخرين تفرّدهم، ولكنهم لا ينسخون هذا التفرد” يعجبون بهم لأنه لا يمكن تقليدهم ولكن يمكن أن نستمد منهم الإلهام.

ويلحّ “شارل بيبان” على ألا يتبع المرء من يثبط همته لأن ذوي النفوس الصغيرة هم من يثبطون همتكم أما العظماء حقًّا فهم من يخبرونكم أن في وسعكم أنتم أيضا أن تصيروا عظماء فضرورة الأساتذة الملهمين جوهرية لمحرّك الجرأة واتخاذ القرار والنهوض بعد التعثّر.

وهو يعتبر أن الشخصيات التي تقدم اليوم هي “شخصيات هزيلة ويمكن ان تكون مثالاً سيئًا لما يعني عليه الجرأة وهي ليست مثيرة للإعجاب.

كما ينتقد النظام التعليمي إذ أنه لا يعلم تلاميذه أهمية وعورة الطريق للوصول للنجاح بل يعتبر الخطأ عيبًا. ولا يخفي احترامه للنموذج الفنلندي في التعليم، والذي يعتمد قاعدة “تعظيم ما نعرفه أكثر مما لا نعرفه والأهم اقتناع الطالب أن ثمة جانبًا جيداً فيه”

إن السؤال الذي يطرح على النظام التعليمي يتعلق بمقاربتنا للأشياء؛ فما الذي يترتب علينا أن نفعله كي نحقق النجاح. ألا تكون عندنا نقاط ضعف؟ أم أن تكون عندنا نقاط قوة؟ أن نكون جيدين في كل المجالات؟ أم نحتفظ بفرادتنا سواء في ضعفنا وفي قوتنا؟؛

لعل “جوليان غراك” يملك جواباً: “لا تعزز نقاط الضعف ابداً، بل استمر في تعزيز نقاط القوة”. وبعد أن تعلم المرء فضيلة الفشل في النجاح، يأتي السؤال كيف ينجح المرء في نجاحاته؟ يكتب “إذا كان تحديد أنفسنا من خلال إخفاقاتنا امراً كارثيًّا، فإنّ تحديد أنفسنا من خلال نجاحاتنا أمر دراماتيكي”

كتب “روديار كبلنغ” في قصيدة له

“إن استطعت أن تلقى النصر بعد الهزيمة

وتستقبل هذين الكاذبين بوجه واحد

وأن تحافظ على شجاعتك ورجاحة عقلك

حين يفقدهما الجميع

تكذب الهزيمة حين توهمنا أننا فاشلون، ويكذب النجاح حين يغوينا

وماهو أرفع شأنًّا من المجد والملوك

هو أن تكون إنساناً”

حين أنهى لاعب التنس رفائيل غاروس مباراته التي فاز بها لأول مرة 2005 وهو في التاسعة عشرة من العمر، لحق به عمه ومدربه إلى غرفة الملابس وتوجه له بهذه الكلمات “أنت تعرف، كثيرون ممن فازوا هنا، كانوا يقولون لأنفسهم إنها المرة الأولى ولكنها كانت المرة الأخيرة”

ويضرب الكتاب أمثلة من حياة فلاسفة كــــ “جان بول سارتر” ونظيره “ألبير كامو” ومحاولتهم بألاّ يقيدهم نجاح أو جائزة سواء عبر رفضها كسارتر أو المثابرة على العمل.

مالذي يميز هؤلاء الذين لا يكررون ذاتهم، هؤلاء الذين يتجاوزن أنفسهم على الدوام!

بم يتميز ليوناردو دي كابريو الذي لعب دور المختل عقليا في فيلم “جلبرت غريب” ودور العاشق الرومانسي في “روميو وجولييت” ودور الصياد الشرير في فيلم “العائد” عن الممثلين الذين يؤدون الدور نفسه عدة مرات؟

بم يتميز “إيمانويل كارير” الذي انتقل من كتاب “الخصم” المستوحى من حياة مجرم إلى الكتاب الباهر “حيوات أخرى غير حياتي” عن كل المؤلفين الذين يكتبون النص نفسه؟ يجيب المؤلف “إنهم أكثر حياة من سواهم، يعملون فنانين لا تقنيين ويقدمون لنا دروسًا في الحياة لا مجرد لحظات من الترفيه، يُروننا جوهر وجود مشدود نحو الجديد، جريء حتى في النجاح ممتلئ بذاته بتلك القوة التي عبر عنها نيتشه: “أترى؟ أنا من يجب أن يتجاوز ذاته دائمًا”

فالنجاحات لدى هؤلاء، كانت كالإخفاق مجرد نقطة للمضي. لكن ألا نعطيه مكانة أكبر من حجمه؟ أليس ثمة إخفاقات لا تفيدنا بأي شيء، وإخفاقات لا ينهض المرء من بعدها؟

يأمل الكاتب من قارئه، أن يتبع الغريزة الممكنة الوحيدة لديه وأن يكون وفياً لما يشكل محور وجوده. إذ يعرف العنكبوت كيف ينسج شبكته وهو لا يمكن أن يخطئ والنحل أيضًا يرسل الإشارات ولا يخطئ، بخلاف الإنسان الذي يولد في “وجود ناقص”. إن إخفاقنا وشعورنا بالذنب يحدث لحظة نترك أنفسنا أو نعلق في محطة الفشل بينما يتابع القطار طريقه فالحياة لا تكترث في النهاية لمن يتخلى عن محور وجوده وعن رغبته بأن يتحقق.

إن قدرتنا على النهوض لا تعني ضرورة ألا نسقط أو نتعثر، بل أن نكون أوفياء لما يهمنا أمره حينها يصبح الإخفاق متعة وخروجًا عن السائد، ولاسيما في ظل وجود رواده من بيكيت، نيتشه، كافكا وغيرهم. والسر يكمن في أن هؤلاء أدركوا ببساطة جوهر الحكمة التي تقول “يتعلّم المرء من النجاح قليلاً ولكن من الفشل يتعلم الكثير”

كاتبة سورية

-شارل بيبان، فضائل الفشل، ترجمة نزار آغري، الدوحة، دار قنطرة للتوزيع والنشر، 2026

*شارل بيبان: فيلسوف وكاتب فرنسي معاصر، يعد من أبرز الأصوات الفلسفية في فرنسا اليوم ولد 1973، وله عدة مؤلفات كما يعمل محاضرا في عدد من المؤسسات الثقافية.

صموئيل بيكيت: الفشل الدائم والترجمة المستحيلة، مقال، نزار آغري، موقع المدن.

*الجسرة الثقافية

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply