عيسى الشيخ حسن: كتاب الخسارات

ونحن صيادو مجازات، لا نستعدي الظبي حتى يشرب الماء، ولا نستمرئ اللقمة حتى نقسم حصّة الغائبين، لنا ما لهم وليس عليهم ما علينا، ولا نربك العابر حتى يعلن اسمه، ويسمّي ضيوفه، ويحسو معنا الحسوة الأولى.

*

نشدّ وثاق الجملة الاسميّة، وننصّب كان وأمسى أميرتين، لا مبتدأ ابتدأنا به، ولا خبر جاء من الجبهة الغربيّة، والمجازات تعدو خلف الطرائد الخائفة. كلّما نبت عاشقٌ في أرض الحيلوان خطفته الحطّابات، وخبّأنه في “كاراتهنّ” والبريّة ظرف مكان، والربيع زمانها، والشوايا العاشقون أخرجوا ناياتهم، ودموعهم، ولا مراييع في الجبهة الغربية، ولا حسوة واحدة، لنملأ النايات بأحزاننا الصغيرة.

*

المجازات هناك، قال جدّي الذي تركنا وذهب إلى تلّة عالية، فهرولت إلى حيث أشار، وسمعت شجرًا ينوح، وسمعت أجراسًا لا تحملها المراييع، فخفت، ولكنّي تتبعت أصابع جدّي النحيلة، هناك ماء وعشب و”كعّوب” وراعٍ غافٍ، و”حيايا” خضراء تركض في الربيع، وقال جدّي خذ مجازاتك، فخفت، وقلت لأرض المبتدأ، لا أريد الخبر مفردًا، أريد مجازًا خفيفًا، أغمسه بالحبر، وأنشّفه بالشجر الباكي.

*

وقال لي جدّي: حين تلمّ خساراتك، فستغنم مجازًا عاليًا، وأرضًا تشبه البريّة التي تركناها هناك، وأصدقاء يتصالحون بينهم، ويتصالحون معك، وجملًا اسميّة صالحة للموت في فخاخ النواسخ، ستجد “الكمأة” بعيدة عن عيون الحطّابات، والسماء قريبة. ذلك مجازك، فلا تكن طمّاعًا، واغرف غرفة واحدة واشرب، وخذ مجازك، واسقهِ، واذهبا معًا حيث أمّك.

*

وقال لي حين تغيّم في “أم الفرسان”، وتهبط الغيمة وتحتضنك فتلك هي، وقال لي: وأنت هناك، يجب أن تنتظر، ويجب أن تلتمس الغيمة في كلّ ريح، والنجمة في كلّ ليل. وحين تمطر فخذ مجازك والعبا تحت المطر.

2

ونحن تُجّار خسارات، تركنا الشمال على حاله، تركنا “دبس العنب” على ظهور الدوابّ، والعجاج يركض وحيدًا في الطريق إلى “ماردين”. ثلاثون يومًا تغيب لنا الشمس في الحماد، ثلاثون ليلةً تشرق لنا الشمس في الحماد، نُمرّي الشوق بالنّعاوات الخالدة نشعل نار القبائل في الطريق، والطريق إلى حلب بعيد.

*

على “بير حمّود” وقفنا، غرفنا بالدّلاء ماءً موحلًا، سقينا الإبل، وشربنا أيضًا، وذبحنا غزالًا تائهًا، على “بير حمّود” قلت لجلجامش الذي فيّ: اترك الذنب هنا، ارمه في البئر، ولا تأخذه معك إلى المدينة، نساء المدن لا يحفلن بالنادمين، نساء المدن لا يحفلن بالفقراء، ادهن شعرك بالشحم، افرك عينيك بالبرق، واترك “أنكيدو” هنا، في “بير حمّود، البير الذي تغشاه الجنيّات في الليل والبدويّات في الربيع، وأنت منذور لبنات المدينة

3

ولا عرّافة نشّفت الزيت على جبيني، ولا عرّافةٌ أطرقت على الحجارة المنثورة أمامي، ولا عرّافةٌ حفَنت لي بيديها من الدلو الكبير، ولا غزلان تثب أمامي في ذلك الربيع بيادر.

السحب في السماء كامدة، ولم تمطر. الشمس “جرجرٌ كبير”، مشت قليلًا جهة الشام، ولم تمطر. حتى السّخال التي ركضت نحو التلاع، لم تعد تفكّر بالوثب. لو أنّ المرياع تريّث قليلًا، لعاد القطيع كلّه إلى الديار، لو أنّ الراعي استلّ “زمّارته” من الخُرج، لغنّينا، وبكينا على الغائبين، الغائبين حديثًا على الأقل.

4

عيناكِ خرزتان، أرى خيط البكاء بينهما، أرى خيط الضوء. لا تنظري إليّ هكذا، أنكيدو الوغد تركني وحيدًا، أنكيدو الوغد يتركني لخلودٍ قاسٍ، وغابة من دون شجر، ولا سباع. ولا أجمة صغيرة، أبني فوقها “فيلّا” صغيرة، كمَلكٍ يقلّم الذكريات، ويسردها على “الخرابات” الخالدة، مثل شجرة شوك، مثل بركة ماء ضحلة. أترك لعينيكِ المشهد عامرًا بالأسئلة، الأسئلة التي لم يعد مجديًا الإجابة عليها. 

5

ولا تغنِّي لي “الميمر”، ولا “تتحسّفي” بعد كلّ “نايل” في الطريق إلى حلب. 

يجب أن نعبر الفرات، نلكز الدوابّ أوّل “الغبشة”، نريحها عند “مسكنة، ودير حافر”، ونتفقّد ليرات الفضّة، في “صرر العجائز” لا تغنِّي لي. أخاف أن أعود إلى “بير حمّود”، وأجثو فوق أنكيدو وأقتله مرّة أخرى.

6

كيف أفلتت كلّ هذه الذئاب من دمي! كيف؟ قلتُ للموت: اتركني قليلًا، فاستجاب! كيف أقنعت الجنيّات أنّي لست أنكيدو، والحيّات تثقب جسدي في “بير حمّود”، وتشرب دمي الدافئ، كيف ذهبت إلى حلب، وخلفي ندم صغير، وخطايا جعلتني أميرًا للحرب. راياتي مدوّنة العجاج، أغنياتي “نعّاوات” حفظتها من “حبّابات” تركن أوشامهنّ الجليلة في الطريق إلى ماردين. المراييع الآن تنشقّ عن القطيع، السّخال أنجبت سخالًا، والعجاجة، ترقص “المولوية” وحيدة، في ظهيرة الأمم المتعبة، وعيناك خرزتان، وجهك قمرٌ من “حِنّاء”، والهباري الطويل، يمشي مع “العصريّة”، شمسًا بشمس، وفراتًا بفرات، والطريق إلى حلب

 ب

ع

ي

د

7

ثمّ إنّك لم تُعدّي لي الفطور، ولو أنّك قدمت لي “صحن الخاثر”، لما رحلت هذا الشتاء، ولو أنّكِ صنعتِ لي “دُرم الزبدة”، لما رسمت الحنين بخيوط “القنويش”، ولو أنّك قلت لي فقط: شـ مودّيك بهالبرد، لفرحت، وانتابني دفءٌ قليل، كلّ الخاثر كان لأنكيدو، كلّ أغطية “الجودل” الباردة، و”طعمة الجيران”، و”البُرّة،” و”خرجيّة” المدرسة، أنا أنكيدو أيضًا يا أمّي، وقالت لي العرّافة

وقلت لجدّي: “ما ني غالي عليك؟” فقال مبتسمًا: الغايب حتى يعود، والمريض حتى يشفى، فغبت، ومرضت.. وأنت “تحصّصين” غيري بالفطور

8

أنا بردان يا أمّي، بردااان.. غطّيني، أنا مرضان أيضًا، المسي رأسي كما كنت تفعلين، اقرئي رُقياك البسيطة. منذ ربع قرن

وأنا أقول: “يا يمّة” 

كلما:

خفت، تألّمت، استغربت، بكيت، اندهشت، تعبت، ضحكت، انتشيت، خبت، عرفت، خسرت.

أقول: “يا يمّة”

بهاء سكت قويّة

فأحسّ بك تأتين

وأعاتبك

ربع قرن، بعشرة آلاف فطور

لا شاي بالقرفة، لا زبدة، ولا خاثرك الشايط

أنا “جلجامشك” الذي هرب من الخلود

أنكيدو الذي هرب إلى البئر

وأعرف أنك تقولين “يلعن أبو الجنيّات”

ولكنّي الآن مرضان

والطريق إلى حلب بعيد

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like