لبنى ياسين: ملابس مستعملة

لم تكن خزانة ملابسي يومًا مجرد غرفة خشبية بأبواب لحفظ الملابس، لكنها في الحقيقة ذاكرة مفتوحة على جميع احتمالاتي السابقة، تحمل في جوفها نسخًا كثيرة مني، نساءً ولدن بمعجزة موجعة من ثنايا جلدي.. لكنني قتلتهن بصمتي، ولهذا فأنا لا أغالي أيضًا إن قلت أيضًا إن خزانتي إياها كانت مقبرة لجثث كثيرة تساقطت مني، وانفصلت عن روحي خلال الرحلة 

كان للخزانة مكانٌ ثابتٌ في زاوية من زوايا غرفة النوم في بيتي، ورغم أني -بسبب ولعي الغريب بالتغيير- معتادة على تبديل أماكن الأثاث وأشكاله وألوانه باستمرار، فإنها كانت دائمًا في كل مرحلة من حياتي الناجية الوحيدة من كل نزوات التغيير الطاغية التي تستحوذ عليّ.

أما الملابس المعلقة فيها فقد أصبحت بطريقة أو بأخرى أكفانًا ملونة لتلك النسخ المجهضة، كل قطعة منها تحكي قصة إحدى محاولاتي المتكررة لأجد صوتًا آخر أعلى من صوتي، وملامح أكثر حزمًا من ملامحي، لأهرب من ذاتي المثقلة بأسئلة لا أجد لها إجابات مقنعة أطفئ بها سعير الصراعات الذي تعتريني، وتقتل طعم العبثية التي تثقل تفاصيل هذا الكون في نظري.

في مرحلة متقدمة من جنوني بدأت أطلق أسماء على ملابسي الكثيرة، أسماء لها دلالاتها الواضحة لرؤيتي لهذه القطعة من الملابس أو تلك، الثوب الرمادي في الركن الأيسر مثلًا.. كنت أسميه “حارس الصمت”، لم يكن في وسع ذلك الفستان بأي حال أن يدرك أن الصمت الذي يجلله ما هو إلا صمت المرأة التي تحمل أعباء عالمٍ ينوء بتفاصيله، كان ضيقًا على جسدي كما يضيق القلب بصراخه حين يعييه البحث عن كلمات تسعفه.. يفصح بها عن جرحه

وعلى الجانب الآخر فستان النقوش الحمراء البارزة، أسميته “صراخي المحموم”

كنت ألجأ إليه حين يغمرني الغضب، وعندما أريد أن أصرخ دون أن تتفتت كلماتي قبل أن تخرج من فمي، أن أُعلن وجودي وسط جوقة الصمت من حولي. لكن هذا الصراخ كان مخاتلًا للغاية، فقد كنت أختبئ خلف قناع القوة، بينما قلبي يفيض هشاشة.

على الرف السفلي، صندوق يخفي أحذية ذات كعب عالٍ، وصندوق مجوهرات فيه قلادتي وخواتمي وساعتي وأساوري.

هؤلاء جميعًا أسميتهم: “أنا التي ركنتها خلفي”

كنت أرتديها لأخفي قلقي، لأبدو بكامل أناقة التحدي.. وربما الفقد أيضًا، امرأة لا تعترف بالمستحيل، ولا تبقى على حال واحد لفترة طويلة.

الكعب العالي يجعلني أدرك أنني سأظل واقفة، وأن خطاي ستترك أثرًا على الطريق مهما كان الطريق موحلًا.. أو طويلًا

العقد الكبير يلتف حول عنقي بمعدنه الأبيض كأنه جدار أختبئ خلفه.. أتقي به ما تصفعني به الحياة.

الخاتم ذو الفص الفسيفسائي الكبير يعكس وجهي في شظاياه الصغيرة، يذكرني بأنني لست كاملة بعد، فأحاول أن أجمع صورتي من الأجزاء المتناثرة في طريقي للبحث المضني عن وهم الكمال.

أما الساعة.. فقد سمحت لي بمراقبة التلاشي الذي أحياه مع كل ثانية تمر وتنهش ما تبقى في جعبتي من زمن اسمه “العمر”.

بينما كل حلقة في أسورتي تذكرني بمعركة خرجت منها –رغم الندوب الظاهرة – حيّة، هي التي تقول لي: “أنت أقوى مما تظنين”.

بسبب كل ذلك… كانت خزانتي بالنسبة لي ذاكرة أرتب فيها تفاصيل المشاهد المتعاقبة في حياتي، وأصفّ على رفوفها ملامح معاركي الصغيرة، انتصاراتي حينًا، وهزائمي أحيانًا كثيرة.. هي مذكرات حية لا كلمات فيها…كل قطعة فيها تشبه امرأة كنتها: إحداهن كذبت علي، والأخرى تركتني وحيدة وسط صخب هذا العالم، أما الثالثة فقد وبختني كثيرًا.. أكثر مما كنت أستحق، لكن آخرهن احتضنتني بقوة وبكت معي.

كل صباح، أفتحها، فأجد نفسي وسط جثثهن جميعًا. ألتقط بقايا أشلائهن، أحاول أن أحيي منها ما صار رميمًا، أن أنعشه… لكن ذاكرتي تصبح أكثر إيلامًا كلما أنعشتها مع الملابس.

انحنى مشجب التعليق الذي يحمل المعاطف الشتوية تحت ثقل الأسرار الشائكة المخبأة في جيوبها، وتداعت العلاقات الودية بين الملابس وبين النساء الكثيرات اللاتي كنتهن يومًا… صارت الأقمشة بلا حياة، باهتة، شاحبة.. كما لو أنها تحاول التخفي لكي تهرب من مرمى نظري، تمامًا كما تريد مني نسختي النهائية أن أهرب من كل ما من شأنه أن يعيدني إلى أولئك النسوة.

في صباح يوم ما… استيقظت وأنا أشعر بتوعك في الحنين، لم أكن بمزاج يسمح لي بالتأنق، فلم أفتح الخزانة.

جلست إلى جانبها، سمعت الأثواب تتحدث إلى بعضها، وضعت أذني على بابها المغلق، وأصغيت إلى ما يدور في الداخل. صمتت الأثواب كلها كما لو أنها رأتني أتنصت، وبقي صوت واحد يتحدث… صوتي أنا. كنت أسمعني للمرة الأولى خارج نطاق ذاتي، كنت أعاتبني من داخل الخزانة، أقول لنفسي الواقفة خارج الخزانة: “كفى.. تعبتُ من كل شيء، ألم تتعبي بعد؟”!

في ذلك اليوم، لم أرتدِ شيئًا منها.

خرجت إلى العالم بجلدي الحقيقي، بوجهي العاري. ولدهشتي… لم يلتفت إليّ أحد.

كأنني صرت شفافة… بلا لون ولا كتلة.

ولكنني –ولدهشتي الأكبر– للمرة الأولى شعرت فعلًا بوجودي الراسخ على الأرض.

يا لها من معادلة غريبة عصية على الفهم!

عندما عدت إلى غرفتي، فتحت باب الخزانة، أخرجت كل الملابس التي كانت فيها، ورتبتها في حقيبة كبيرة، فكرت في نفسي:

سأهبها لامرأة ما زالت تخشى أن تتعرف على نفسها.

لم تكترث تجعدات أثوابي، لم تبكِ الخيوط المتشابكة للأنسجة المختلفة التي صُنعتْ منها، كذلك الألوان التي ذبلت لم يخامرها أي حزن يذكر، لكنني بكيت… بكيت الجثث الهامدة التي فقدتها في الرحلة، أنا المرأة التي خرجت أخيرًا سالمة من أنقاض أدوارٍ زائفة.

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like