في ظل اللحظة الراهنة من تاريخ البشرية، وما يمور به الواقع من حروب وكوارث بيئية وانفجار سكاني، تطرح أسئلة المصير، على الصعيدين الفردي والجمعي، ومنها سؤال: كم عدد الأشخاص الذين سيغرقون مرة أخرى في الفقر فيرتفع عدد فقراء العالم؟ كم منهم سينتهي بهم المطاف ضحايا للاتجار بالبشر، أو الجريمة، أو الانحراف، أو العوز، أو الانهيار الصحي، وغيرها كثير من مظاهر الفقر؟
“الفقر قميص من نار ورأس كل بلاء”. قول مأثور في ثقافتنا، وهناك قول ينسبه بعضهم إلى الإمام علي بن أبي طالب، وبعضهم الآخر ينسبه إلى الخليفة عمر بن الخطاب: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”. أما الشاعر مظفر النواب فيقول: “لا تلُم الكافر في هذا الزمن الكافر، فالجوع أبو الكفار”.
كان الفقر حاضرًا في حياة المجتمعات البشرية منذ القدم، ونسجت حوله الحكايات والملاحم واستنبطت الأمثال والحكم، حمل كثير منها نواة نظريات اجتماعية وفلسفية وسياسية وأدبية وأخلاقية وغيرها، وفي ما بعد اهتمت العلوم مجتمعة بظاهرة الفقر، وصار قضية السياسة والاقتصاد والاجتماع، وعلم النفس، والحقوقيين، وخصصت له الجمعية العامة للأمم المتحدة يومًا عالميًا لمكافحته بتاريخ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول. لكن الفقر عنيد يزداد تغولًا في المجتمعات البشرية اضطرادًا مع جبروت الأنظمة بكل أشكالها ومداها وجشعها وحروبها وصراعاتها، وبقيت الدول الفقيرة في معظمها تزداد فقرًا، وجهلًا، حتى صار ينظر للفقر في بعض شرائح تلك المجتمعات على أنه “قدر”.
ما هو الفقر؟
يُعرَّف الفقر غالبًا على أنه نقص الموارد اللازمة لعيش حياة لائقة. لكن الفقر لا يقتصر على الضعف المالي فحسب. كون الشخص فقيرًا يعني أيضًا الجوع وعدم الحصول على التعليم أو المياه الصالحة للشرب أو الكهرباء… لا يوجد تعريف واحد للفقر، لأن الفقر متعدّد الأبعاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكلفة حياة كريمة تعتمد على المستوى الاقتصادي للبلد من ناحية، ومن ناحية أخرى على مفهوم الحياة الكريمة ودرجة اهتمام الأنظمة بها، ولهذا السبب توجد عدة مقاييس للفقر.
واعتمادًا على التعريفات الكلاسيكية للفقر بأنه النقص في الدخل والموارد الذي يمنع الفرد أو المجتمع من تلبية احتياجاته الأساسية، مثل الغذاء، والسكن، والصحة، أو التعليم، فإن الفقر من منظور اقتصادي يصنف إما مطلقًا عندما تكون هذه الموارد غير كافية لضمان البقاء الأساسي، أو نسبيًا في إشارة إلى مستوى المعيشة المتوسط في مجتمع معين، أي المبلغ الذي يحصل نصف الأفراد على أقل منه والنصف الآخر يحصل على أكثر منه.
وبالنسبة إلى تعريف الفقر نقديًا (من النقد أو العملة) فإن البنك الدولي وضع حدود الفقر بقيمة 2.15 و3.65 و6.85 دولار من القوة الشرائية يوميًا، بما يسمى “الحدود المطلقة”، يعيش اليوم ما يقارب 700 مليون شخص (أي 8.5% من سكان العالم) بأقل من 2.15 دولار يوميًا، وهو المبلغ المستخدم لتقويم الفقر الشديد. ووفقًا لرصد الفوارق الاجتماعية، فإن الدول الضعيفة ذات النمو الاقتصادي المحدود هي الأكثر تأثرًا، وتقدّر الإحصائيات أن 44% من سكان العالم يعيشون بأقل من 6.85 دولار يوميًا.
لكن، عدا الجانب الاقتصادي، يُعرف الفقر بمؤشرات اجتماعية وتعليمية ونفسية، تتجلّى بظواهر متعددة مثل التهميش الاجتماعي، السكن غير اللائق، والانقطاع عن التعليم، انعدام الخدمات الصحية… إلخ. لا يمكن إغفال حقيقة أن الفقر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسائل التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وكلّما تعرضت هذه العدالة إلى الإهمال أو الانتهاك زادت العوامل التي ترسّخ الفقر وتجعله ظاهرة اجتماعية لشريحة من المجتمع تزداد اتساعًا، هذه الشريحة المتزايدة سوف ينبثق من واقعها منظومات تضبط حياتها بشكل تستطيع معه الاستمرار في العيش، هذا ما نلاحظه بشكل أساسي في العشوائيات المحيطة بالمدن كإسوار من معدن رخيص.
هناك عوامل كثيرة تزيد من تفاقم الفقر، منها البطالة وعدم استقرار العمل، غالبًا ما ينتمي الأفراد في سن العمل في هذه المجتمعات الهامشية إلى حقل العمل اليومي، أكثر الأعمال تأثرًا باضطرابات المجتمع وظروف عدم الاستقرار. كذلك التعليم الذي يعدّ اليوم، إذ يتجه العالم مجتمعًا إلى أتمتة كل جوانب الحياة، من أقوى الوسائل للخروج من دائرة الفقر. في الواقع، يسهّل التعليم اندماجًا أفضل في سوق العمل ويؤدي إلى دخول أعلى. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى التعليم غير متكافئ. من دون أن ننسى الثقافة السائدة في بعض المجتمعات والنظام الأسري فيها، إذ نجد الفتيات بشكل خاص معرضات للحرمان من فرص التعليم، والأطفال عمومًا يُزجون في سوق العمل بسبب الحاجة على حساب تعليمهم، تحت ضغط الفقر.
أما بالنسبة إلى توافر الخدمات والبنية التحتية التي تسهّل الحياة، فهو محدود جدًا، فنرى المناطق الفقيرة، والعشوائيات تعاني من شح مراكز الخدمات كالمشافي والمراكز الصحية، والطرق وشبكات المياه الملائمة التي توفر مياه شرب نظيفة، كذلك شبكات الصرف الصحي، والكهرباء، وكل ما ينتمي إلى منظومة الخدمات العامة الأساسية، عدا الفوضى العمرانية التي تتفاقم بسبب غياب الرقابة والتخطيط المناسب للشوارع والمرافق والأبنية السكنية.
كذلك فإن المناطق والأحياء الفقيرة لا تهتم بالجوانب التي تحقق الرفاهية أو تقدم أوجه النشاط الثقافي والفني، كالمراكز الثقافية وصالات الألعاب والملاعب ودور السينما ومراكز الفنون التشكيلية وغيرها الكثير، هذا ما يزيد في عزلتها وابتعاد أطفالها وشبانها عن العصر. وكلما ازدادت مظاهر الفقر زاد التمييز وعدم المساواة، مما يقلل أكثر من فرص الأفراد الفقراء في الاندماج الكامل في المجتمع، بل أحيانًا نرى أن مزاجًا مسيطرًا، تجاه الفقراء ونظرة دونية إليهم من قبل المجتمع الأغنى، فبعضهم يحمّل الفقراء مسؤولية ما يراه من منظاره “تخلف المجتمع”، فهم ” كسالى وغير أكفاء ومرتاحون في وضعهم، إنهم محتالون”، وإشارة إلى ظاهرة أخرى يعدّونها وصمة “ينجبون كثيرًا من الأطفال، وهم بذلك عالة على المجتمع”. علمًا بأن الفقر، كما هو واضح، يجبر هؤلاء الأفراد، وليس بإرادتهم، على السكن بأسعار منخفضة، وبالتالي في أحياء ذات سمعة سيئة، أو تتعزز فيها السمعة السيئة مع الوقت وتَمكّن الظروف السيئة من حياتها، حيث قلة فرص العمل وضعف منظومة التعليم، وارتفاع معدلات الجريمة، إن لم يكن أعلى فهي على الأقل أكثر عنفًا، وقلة النشاط في الرعاية الطبية… إلخ. فرص الحصول على دخل من العمل أقل، والإغراء باللجوء إلى العمل غير القانوني كالعمل في السوق السوداء، أو مصادر دخل وهمية اليانصيب والمراهنات، أو خطرة كالجريمة والمخدرات، أو مهينة كالدعارة، كذلك معرّضة أكثر للاستغلال من قبل المافيا أو الجماعات المنظمة. كل هذا يعدّ مقدّمات تؤدي إلى فقدان الانتماء الاجتماعي، بل وحتى إلى عدم الأمن على المستويين الشخصي والعام.
الفقر والنزاعات
“الفقر يولّد اليأس. اليأس يغذي الاضطرابات. والاضطرابات تمزق النسيج الاجتماعي”، هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مناقشة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الروابط بين الفقر والتخلف والنزاعات، وتابع: “تتقد جمرات النزاع في كثير من الأحيان، وتضطرم، نتيجة الفقر المستمر وتزايد عدم المساواة”. ربما نتفق معه ما دام أنه استخدم عبارة “في كثير من الأحيان” ولم يعمّم، فالنزاعات ليست بمجملها نتيجة الفقر، حتى لو كان الشرارة الأولى في اندلاعها، خاصة بالنسبة لمنطقتنا، ومنها سورية بالتحديد. هذا أمر متروك لاختصاصات أخرى تخوض فيه، خاصة السياسة التي ليست مجال هذه المقالة. لكن ما يرفع من وتيرة القلق والخوف من المصير ما جاء في خطابه أيضًا، ويتفق مع مؤشرات وظواهر كثيرة تثير القلق في العالم، قوله: إذا استمرت الاتجاهات الحالية، “فإن ثلثي الأشخاص الذين يعيشون في فقر سيكونون بحلول عام 2030 في دول تمر بحالة صراع أو ضعف”.
وبحسب كاني ويغناراجا، الأمينة العامة المساعدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن نصف المليار شخص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد يعيشون في مناطق النزاع، وهذا ليس مجرد رقم، إنما “إشارات إنذار” كما تقول.
تشكل تحركات السكان نتيجة رئيسية من تداعيات الصراعات على المدنيين. غالبًا ما تجبر الحروب الناس على الفرار من منازلهم هربًا من العنف وإنقاذًا للحياة. يجد اللاجئون إلى الجوار أو النازحون الداخليون أنفسهم في أوضاع هشة، غالبًا ما يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء في قيد الحياة. ويمكن لهذه الحركات الضخمة للسكان أن تعطل الهياكل الأسرية والتعليمية والاقتصادية، مؤدية إلى فقدان الاستقرار الاجتماعي.
أمّا الشعوب الخارجة لتوّها من النزاعات، خاصة الحروب البينية ضمن البلد الواحد، والتي يتفاقم فيها الاقتتال بسبب صراعات طائفية أو إثنية، كسورية، فإن الفوضى تعم وسط انهيارات عدة، من انهيار المجتمع إلى انهيار مؤسسات الدولة، إلى تفاقم الفساد الذي كان أحد الأسباب الرئيسية في الانفجار الشعبي، هذا ما يفاقم حالة الفقر ويزيد من اتساعها الأفقي والشاقولي، وبالتالي فإن نقص الغذاء، سوء الخدمة الصحية في المؤسسات العامة، ازدياد نسبة البطالة، انهيار الهياكل التعليمية، التجييش ودفع الشباب إلى حمل السلاح في ظل حرب أهلية معقدة لها جذور عميقة في الاختلافات الأيديولوجية، بما في ذلك الدينية والسياسية، دامت أربعة عشر عامًا وما زال رجعها يتردد في النفوس وفي الواقع، ولم يتوقف استغلالها من قبل الفاعلين السياسيين من كل القوى الضالعة في الشأن السوري، سابقًا واليوم، أو الجماعات المتطرفة، كل هذا فاقم حالة الفقر في سورية، من دون أن ننسى الوضع الاقتصادي المتردي، وأنه في ظروف عدم الاستقرار التي استشرت في سنوات الحرب وما زالت، يلجأ أصحاب الدخل المرتفع (أثرياء الطبقة السياسية، كبار أعضاء المهن الحرة) الذين يمتازون بادخار مرتفع إلى وضع أموالهم في الخارج. هذا الهروب لرؤوس الأموال يؤدي إلى تقليل الاستثمار والإنتاج والوظائف، وبالتالي زيادة البطالة وعدم المساواة والفقر. وأخيرًا، نقص دخل سكان المدن يجعل المنتجات الزراعية تباع بأسعار منخفضة في أسواق المدن ما يزيد ويعمّق حالة الفقر في الأرياف والمناطق الزراعية التي هي في الأساس فقيرة.
الفقر هو مشكلة أثّرت على الإنسانية في جميع مراحل التاريخ. في الماضي، كانت الأسباب الرئيسية للفقر هي عدم المساواة الاجتماعية والجهل بأساسيات الاقتصاد، وحالات الاستعمار والتبعية في مناطق كثيرة في العالم، ومنها مناطقنا. وفي الوقت الحاضر، هناك العديد من العوامل الأخرى التي تؤثر في تطور هذه المشكلة، والتي تصل يوميًا إلى مستويات عالية بشكل متزايد. لذلك شكّل الفقر موضوعًا رئيسيًا بالنسبة للأدب بمختلف أجناسه، والرواية على وجه الخصوص، كذلك السينما والمسلسلات التلفزيونية.
هناك كثير من الروايات التي كان الفقر وعالم الفقراء موضوعها الأساس، ومن بينها روايات ذاع صيتها وما زالت تُقرأ مع تتابع الأجيال، كرواية “البؤساء” لفيكتور هوغو، ورواية “الفقراء” لدوستويفسكي، و”ذهب مع الريح” لمارغريت ميتشل. وبالطبع توجد روايات كثيرة ولكتاب ينحدرون من عدة مناطق وثقافات في العالم، فالفقر، كما ذكر سابقًا، مشكلة قديمة شاعت في المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ.
أما في مناطقنا، فما زال الفقر والمجتمعات الهامشية يشكلون مشكلة مزمنة، وقضية أو موضوعًا يشغل الرواية العربية، بما أن الرواية انعكاس للواقع، وواقعنا متخم بمظاهر من هذا النوع. لا يمكن الحديث عن الفقر والفقراء في الرواية العربية من دون التوقف عند بعض العناوين، مثل رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ، و”الخبز الحافي” لمحمد شكري، كذلك رواية عبده خال “ترمي بشرر”. وأزعم أن رواية “النباشون” لكاتبة هذه السطور تنتمي إلى هذا النوع، بتصويرها حياة العشوائيات والفقر المدقع فيها.
اليوم، يرتبط مفهوم الفقر ارتباطًا وثيقًا بمسائل التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. أصبحت مكافحة الفقر أولوية عالمية وتم دمجها في أهداف الحد من التفاوتات، والوصول إلى التعليم، والصحة، وحماية البيئة. يُعترف الآن بالفقر كمشكلة نظامية، متشابكة مع قضايا عالمية أخرى، تتطلب حلولًا طويلة المدى لكسر دائرة الفقر.
في ساحة تروكاديرو في باريس تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر/ كانون الأول 1948 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت تعقد جلستها الخامسة هناك. عند مدخل الساحة توجد لوحة مثبتة في عام 1985، العام الذي سميت فيه الساحة باسم ساحة حقوق الإنسان في عهد الرئيس فرانسوا ميتران، أن “الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الحقوق”. وفي 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1987، تم تثبيت لوحة ثانية في الطرف الآخر في أثناء اجتماع ضم ما يقرب من 100.000 للتعبير عن رفضهم للمأساة ودعوة البشرية للتوحد من أجل احترام حقوق الإنسان “اجتمع مدافعون عن حقوق الإنسان والمواطنين من جميع الدول في هذا الصرح. وقد قدموا تحية لضحايا الجوع والجهل والعنف. وأكدوا اقتناعهم بأن الفقر ليس حتميًا. وأعلنوا تضامنهم مع أولئك الذين يكافحون في جميع أنحاء العالم للقضاء عليه. حيثما يُحكم على الناس بالعيش في الفقر، تُنتهك حقوق الإنسان. والتوحد من أجل ضمان احترامها هو واجب مقدس”، فكان أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم من أجل هذا الهدف منذ عام 1992.
لكن الحروب، هذه المآسي الإنسانية التي واكبت تاريخنا على هذا الكوكب، تواصل جبروتها علينا، وتثير أسئلة عميقة: لماذا تنخرط المجتمعات في مثل هذه النزاعات المدمرة؟ ما هي الجذور الاجتماعية لهذه المعارك الدامية؟ وما هي العواقب طويلة الأمد لهذه الأحداث على السكان والمجتمعات؟ وكيف نواجه هذه المعضلة وننتصر عليها؟
*ضفة ثالثة
