حسام الدين محمد: حين يضغط جرذ الغابة على زر الإبادة!

نبّهت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن مسائل تأثير الذكاء الصُنعي على قضايا الثقافة، هي جزء من اهتماماتي، فصيّرتني زبونا لصفحات أشخاص ينعتون أنفسهم بصفة «مؤلفين رقميين».
نشر أحد هؤلاء، يوسف فتوح، قائمة كتب لخصها باستخدام الذكاء الصُنعي. جاء التلخيص لأنه استصعب قراءة كتب لأسلوب كاتبها المعقّد أو الممل (ذكّرني ذلك بمحاولة فاشلة في مراهقتي لقراءة «رأس المال» لماركس!)، أو لكونها صادرة بلغات لا يعرفها، مثل الصينية، أو الإيطالية وغير ذلك. نشر فتوح أيضا الطريقة التي يحصل فيها على الكتب وطريقة معالجتها للحصول على التلخيص.
اعتبر الروائي والكاتب الصحافي عمر قدور، بعيد حصول عملية «حماس» عام 2023، «المقالات الأمينة لأصحابها بلا زيادة أو نقصان على الإطلاق»، «مقالات عن غزة كتبها الذكاء الاصطناعي»، لأنها «لا تتطور إزاء حدث استثنائي»، بشكل يجعل أصحابها «يكررون الكلام نفسه، الذي كانوا يرددونه قبل السابع من أكتوبر»، لكن هذا المجاز ما لبث أن أصبح حقيقة ملموسة، فصرنا نقرأ عن أشخاص كلّفوا الذكاء الصُنعي بتأليف روايات وقصائد بأسمائهم، وأخذنا نسمع عن تجارب لكتاب ومحررين مع هذه المشكلة الطارئة، فكتب الكاتب خضر الأغا، على «فيسبوك»، عن تفاجئه بمقالة لكاتب «يخطئ في الصياغة والإملاء ومعالجة الفكرة»، ليجدها «مصاغة على نحو فائق» في تسلسل عظيم للأفكار، ومن دون خطأ أو سهو أو أخطاء إملائية، ليكتشف أن الكاتب طلب من موقع ذكاء صُنعي «مساعدته»، كما أشار حسين الشيخ، الشاعر والمحرر، إلى تتبعه مقالات تنشر في وسائل إعلام عربية، بأسماء كتاب وكاتبات معروفين قائلا، إنها بنسبة كبرى من تأليف أدوات الذكاء الصُنعي!
كنت قد كتبت مرّات كثيرة عن التداعيات الخطيرة للذكاء الصُنعي على حيواتنا كأفراد ومجتمعات، وعلى مستقبل العالم (مثل مقالتي: «الموجة القادمة»: تنبؤات سليمان المخيفة، تشرين الثاني/ نوفمبر 2024). بدأت تلك المقالات بنص (نشر في آذار/ مارس 2023) «الذكاء الاصطناعي في خدمة الغباء الطبيعي»، اقتبست عنوانه من جواب عالم نفس إسرائيلي يدعى عاموس تفيرسكي، على سؤال إن كان وشريكه في البحث دانيال كانيمان (الذي فاز بنوبل الاقتصاد لاحقا) يدرسان الذكاء الصُنعي فقال ساخرا إن مشروعهما هو دراسة غباء البشر الطبيعي.

قطعة من إسرائيل في يدنا!

أشرت حينها إلى أن تفيرسكي وكانيمان شاركا في حرب 1973 ضمن فرع السايكولوجيا في الجيش الإسرائيلي، فاكتشفا أن المسؤولين في القرارات التي تؤثر على دولهم والعالم يلجؤون إلى الحدس والاستنتاجات المحدودة بقدرات العقل البشري الموروثة من عصور سحيقة. تساءل كانيمان: «ماذا نفعل حين نجد أن كائنا يملك نظاما هرمونيا لا يختلف عن جرذ الغابة، قد أعطي إمكانية تدمير كل شيء حي بكبس بضعة أزرار؟».
بدا للعالمين اللذين تركا إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أن حل فقدان الثقة بالعقل البشري هو استخدام الذكاء الصُنعي الذي يتصّرف بناء على المنطق وليس عن «هرمونات جرذ الغابة»، وهو ما خطر لمجموعة كبيرة من العاملين في مجالات التكنولوجيا الفائقة، كان بينهم بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت، وسام ألتمان مؤسس موقع «تشات جي بي تي»، وإيلون ماسك صاحب «تويتر» و»تسلا» وأصدروا منظومة من 23 مبدأ لتوجيه وتطوير ونشر الذكاء الصُنعي بطريقة آمنة ومفيدة للبشرية!
يُفترض أن أبحاث تفيرسكي وكاينمان كانت مدفوعة برغبة الاحتجاج على سوء قرارات القيادات السياسية في إسرائيل وآلياتها الخاطئة النابعة من مساوئ انحيازات البشر التي تجعلهم، خلال الحروب، يتصرفون بغريزة الحيوان، لكن ما حصل فعلا أنهما ساهما عمليا، كما فعل أهم رموز التكنولوجيا الحديثة الذين وقع أغلبهم على وثيقة المبادئ الأخلاقية المذكورة، في الاستخدام الكثيف لتلك التكنولوجيات الحديثة في حروب المنطقة العربية والعالم.
ربما يعتبر حديث رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، أن كل من لديه هاتف محمول «يحمل قطعة من إسرائيل بين يديه»، تباهيا بالتطور التكنولوجي الإسرائيلي في مجال الذكاء الصُنعي والأمن السيبراني والبرمجيات.

أنثروبيك: آخر رجل واقف!

أحد هذه البرامج هو «فاير فاكتوري» (من انتاج مركز موشي ديان في الوحدة الاستخبارية 8200) الذي يعتمد كمية بيانات هائلة، لتوليد الأهداف وتحديد كميات الذخيرة المناسبة للقضاء عليها، ونظام «لافندر» وهو برنامج يعالج البيانات بسرعة لتوليد آلاف الأهداف المحتملة للضربات العسكرية، ونظام «أين أبي؟» الذي يتتبع الأفراد المستهدفين وتنفيذ عمليات تفجير عند دخولهم منازل عائلاتهم، وهو برنامج أدى الى إبادة عائلات فلسطينية بأكملها داخل منازلها، ونظام «غوسبل» الذي يحدد المباني والمنشآت التي يدخلها مسلحون ويقصفها على رؤوس ساكنيها. إحدى المفارقات المثيرة في هذه المنطقة الشائكة بين التي تتنقل بين المبادئ الأخلاقية والتوحش، ما ذكر عن استخدام القوات الأمريكية مساعد الذكاء الصُنعي «كلود» التابع لشركة أنثروبيك في العمليات العسكرية في إيران، وكذلك في عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وجه المفارقة أن أنثروبيك اتخذت خطوة غير مسبوقة بفرض قيود على استخدام تقنيات الذكاء الصنعي الخاصة بها تمنع استخدامها في أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل أو في برامج المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة، وهو ما ردت عليه وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، بداية هذا الشهر، بتصنيف الشركة «خطرا على سلسلة التوريد»، وهو ما استغلته شركات أخرى مثل «إكس إيه آي» (التي يملكها إيلون ماسك) لملء الفراغ وتوفير تقنياتها للاستخدام في الأنظمة السرية للحرب.

تسريع القطيعة مع التاريخ!

يفترض بتقنيات الذكاء الصُنعي والبيولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية والروبوتات أن تفتح كما قال مصطفى سليمان الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت للذكاء الصُنعي، اختراقات هائلة لا تعمّق التاريخ وتسرعه، بل تؤدي إلى «قطيعة حادة عنه». ستعيد التكنولوجيات الجديدة إعادة توزيع للقوة بحيث أن خوارزمية واحدة قد تجعل من مجموعة هواة شركة ضخمة تمتد على مساحة العالم و»يمكن لنقطة فشل واحدة أن تتداعى بسرعة حول العالم»!
رفضت إسرائيل التوقيع على معاهدة «الاستخدام المسؤول للذكاء الصُنعي في ساحة المعركة»، خلال مؤتمر عقد عام 2023 في هولندا وشاركت فيه أكثر من 60 دولة، وأعلنت أمريكا «رفضا قاطعا» للحوكمة العالمية للذكاء الصنعي، وذلك خلال مؤتمر أخير حول هذه التقنيات عُقد في نيودلهي، في شباط/ فبراير الماضي. حسب كتاب «قبائل الأخلاق» فإن الحدس الأخلاقي يتأثر بالانفعالات والدماغ، وأن التفكير العقلاني لا يلغي الانحيازات أو الصراعات، لكن ما نراه حاليا هو محاولة شديدة العنف لاحتكار القوة المعرفية، التي ستشكل الاقتصاد الأكبر في العالم، واستخدامها لتسريع «القطيعة مع التاريخ» السابق. ما يبعث على الكرب، في هذا السياق، أن الحكومات التي تجرّف التاريخ في طريقها، كنست في طريقها التعهدات التي وقّعها دهاقنة تلك التكنولوجيات، ورغم ممانعة البعض، كما فعلت أنثروبيك، وفعلت قبلها «أبل» و»واتساب» في معركة فك التشفير، فقد نجحت الحكومات في تحشيد التقنيات الحديثة في خدمة أجهزة الحرب والمخابرات، وهي تدافع بشراسة عن استباحتها الرهيبة للعالم.

القدس العربي

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply