قراءة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1966
الكتابة فعل نفس معذبة ضجرة يصعب عليها الصراخ بأوجاعها أمام العالم؛ فالكتابة هي تلك الصرخة التي تعين الكاتب والقارئ معًا على مواجهة ألمهما، الذي يشتركان فيه بحكم الاشتراك في الإنسانية، قبل الاشتراك في البيئة المكانية أو الزمانية.
الحياة ضاغطة ومخيفة؛ فكيف تجد في نفسك الشجاعة لتزعق أمام حاكم ظالم، أو مستعمر آثم؟
قد لا تستطيع، فقلة هم من يحملون روح الجهاد والمقاومة؛ فالثمن ليس بالضئيل، بل الثمن هو عمرك كله. أما الكتابة الخيالية فتسمح لك؛ حين تسرد قصة لست بطلها، وتجعل فيها من المستعمر مدينة ونساء، وتقيم نفسك فارسًا جنوبيًا تغزو عفتهن حتى الموت.
ما أعذب الوصف واللغة وجاذبية التفاصيل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، حين تحتويك الأحداث وتُصغر في عينيك الحياة؛ تتجعد الفكرة وتشيخ وتموت بين الصفحات، كيف تبكي ومع من تتعاطف الجاني أم المجني عليه، وكلنا في الحقيقة جناة؛ المستعمر والمستسلم، الحاكم والمحكوم…
هذا هو دور الأدب الذي يخرج من قلبك زفراتٍ، ومن عقلك أفكارًا، ومن حنجرتك صرخاتٍ تحتجزها الأعراف والقيود؛ فلا تجد سبيلًا للنجاة إلا على صفحات الحكاية.
ظهر الالتباس واضحًا بين الراوي الذي اختار الكاتب أن يجعله راويًا مشاركًا، وبين الشخصية الرئيسية التي هي محور الرواية (مصطفى سعيد)، فالراوي –الذي لم يذكر اسمه مطلقًا- يتجسد في (مصطفى سعيد) في شكل الحياة المشتركة في لندن مع اختلاف الاتجاه؛ فالأول مجرد مقيم ينتمي في النهاية لبلده الأم (القرية على ضفاف النيل بالسودان) يعامل أهل لندن كما يعامل الجميع؛ فليسوا أعداءً، فهو يراهم بشرًا عاديين، كرر (أنهم مثلنا) وكأن الراوي اتخذ الكفة الأخرى من الميزان، الذي يحتل كفته الأولى (مصطفى سعيد) الغازي الساخر المتأثر حتى النخاع بالمستعمر؛ فهو يحب الشمال ويتجه إليه كطيور القطا المهاجرة في نهاية الرواية.
ونظن من فرط الالتباس –الذي قصده الكاتب- أن الراوي هو (مصطفى سعيد)، حين رأيناه وهو يحب زوجة (مصطفى سعيد) فجأة؛ كمن يتطلع لاحتلال مكانه الذي فرغ باختفائه، ورأيناه وهو يرى نفسه في المرآة فيحسبها (مصطفى سعيد) نفسه.
حتى نهاية الرواية كانت شبيهة بمشهد عاشه (مصطفى سعيد) في مخيلة الراوي، ولو لم يُوصف في الرواية لأنها تُحكى من عين الراوي، وذلك لو فرضنا أن (مصطفى سعيد) مات غريقًا فعلًا، فقد أراد الكاتب أن يوهمنا من خلال خطاب (مصطفى سعيد) الذي تركه قبل الاختفاء أنه قد يكون حيًا، وهذا ما اختاره الراوي لنفسه: فعل الحياة…
الذي ظهر في نهاية الرواية في طلبه النجدة التي يحتاجها فعلًا؛ حتى لا تهزمه نفسه، ويهزمه استسلامه أمام طغاة الحكم وبقايا الاستعمار؛ المتمثلة في الغازي المغامر (مصطفى سعيد) الذي حاول أن يهزم القوة الاستعمارية التي تملكت نفسه؛ فقتلها، وضاع في وهم الحياة المزدوجة الممتزجة بعالم الغرب المسيطر عليه؛ حتى صار يملك لسانهم وكأنه منهم، واستبدل أمه الجنوبية بأم إنجليزية.

ظن أنه الغازي الذي سيقهر قوة الاستعمار بأن يمتزج بهم، فضاعت هويته الحقيقية، ولم ينجو من طغيان القوة الاستعمارية الغربية، التي تحولت من الاستعمار الأرضي إلى الاستعمار الثقافي؛ حتى لم يكن هناك كتاب عربي واحد في أرث (مصطفى سعيد) الثقافي بغرفته التي تشبه بيوت الإنجليز مثلثة الأسقف.
إنها رواية سابقة لعصرها، والأدب الناجح يرصد الماضي والحاضر ليصنع مستقبلًا، أو ينبه على مد فساد قادم قد يطغو مستقبلًا.
الرواية متطلعة لحال الاستعمار الفكري الذي سيقع فيه الجنوب بعد انتهاء الاستعمار الأرضي المكاني، فالرواية إحدى الروايات العظيمة في أدب المقاومة؛ ولا تقف عند مقاومة الطغيان المتمثل في المستعمر والحاكم…
ولكنها تظهر في معركة حسنة الدموية التي تقاوم طغيان السلطة المجتمعية؛ التي فرضت عليها زوجًا لا تريده وحياة لا تقبلها حتى أنهت حياة الرجل السبعيني الذي تزوجها رغمًا عن إرادتها وأنهت حياتها وراءه.
أدب المقاومة: الأدب هو نشاط إنساني يقاوم عوامل الضعف التي قد تلم بالنفس البشرية في لحظات الانكسار؛ لذلك لا يخلو العمل الأدبي الجاد في تاريخ الإنسان القديم والحديث من سمة (المقاومة)، بناءً على فكرة الصراع الطبيعي بين الإنسان والكون، سواء تمثل هذا الكون في الوجود الطبيعي أو النسيج البشري.
وأدب المقاومة له وجهه الإنساني العام، لا يندرج في تصويره للصراع البشري تحت الأطر القومية والقوالب الاجتماعية.
فالهم الإنساني واحد وإن اختلفت القوميات وأشكال الصراع داخل الأرض على اختلاف جغرافياتها.
فأدب المقاومة مادة تقوم على عوامل التجمع والإصلاح، لا الفرقة والإفساد.
والرواية التي بين أيدينا هي من نوع هذه الروايات التي تعرض شكل المقاومة تحت إطار الإنسانية العام.
تظهر المصطلحات السياسية خلال السرد بشكل رشيق متناسب مع ثقافة الشخصيات التي تذكرها، حيث تُظهر التفكير المسيطر سياسيًا في الآونة التي كتبت فيها الرواية، والتي تدور خلالها الأحداث…
مصطلحات مثل: الاشتراكية، البرجوازية، والقوى العاملة.

الرواية منتظمة من بدايتها السردية الهادئة حتى نهايتها في كسر التابو السياسي؛ فيطل علينا وصف القاعة التي يدار فيها مؤتمر عن إصلاح التعليم ليتضارب تمامًا مع شكل الإصلاح المرجو من المجموعة الإفريقية الحاضرة، لم يستثن الكاتب أحدًا من القارة السمراء؛ ولم يركز على السودان بشكل خاص في الناحية التي تظهر فساد الحكم.
المكان في الرواية هو الإطار الحي الذي تتحرك فيه شخصيات الرواية؛ فتظهر القرية السودانية بأنفاسها وعاداتها ومزروعاتها، والنيل وفيضانه الذي هو مشارك دائم بحركته الدائمة إلى الشمال –كما لو كان في هجرة تشبه هجرة الشخصيات وتغريبهم- حيث البحر الذي على جانبه الآخر تقع لندن بثلوجها وصقيعها، فما أشد التناقض بين الشمس التي هي عقاب للبسطاء في الجنوب، عقاب يُسلط عليهم ويظهر في رحلة العربة الضيقة التي تحمل أهل القرية إلى المدينة؛ حيث يلتقي الفلاحون في قلب الصحراء مع البدو، ومع الراوي الذي يمثل البروليتارية والفئة العاملة.
فتلتقي فئات الشعب الكادح في رحلة من العذاب، لتسكن قليلًا في حفل بهيج لفرح أختلقه هؤلاء البسطاء مع نسمات الليل، وكأن المشهد السردي يمثل انهزام الشمس الحارقة أمام الليل، وفرحة البسطاء نوع آخر من انتصار مقاومة فئات الشعب العامل المغلوب على أمره.
وليس غريبًا أن يكون (مصطفى سعيد) أستاذًا في الاقتصاد، وكتبه تتكلم عن الاقتصاد والاستعمار معًا… فهذا لب الأمر، ومغزى الرواية؛ فالاستعمار يقوم بالسيطرة الاقتصادية على البلاد، حتى لو كان استعمارًا ثقافيًا؛ فهو ينتهي إلى السيطرة الاقتصادية من خلال جوانب الثقافة.
ولماذا اختار الراوي أن يهبط للماء عاريًا؛ ويتابع طيور القطا المهاجرة للشمال؛ وكأن الكاتب أراد من الراوي -رمز المواطن- أن يعيد خلق ذاته بالمعرفة الكاملة التي رآها متجسدة في حقيقة (مصطفى سعيد)، فهو يخرج من ملابسه، ويلامس ماء النيل رمز الحياة، ليتجدد فكره، ويرى أن الهجرة الحقيقية ليست بسبيل غزو الشمال والانتصار عليه، ولا بسبيل الالتباس الكامل والامتزاج التام مع الغرب المختلف في الثقافة والهوية، ولكنه فقط يجب أن يشبه هجرة طيور القطا؛ التي تترك أرضها حين يضيق فيها الرزق، لتفتح عوالم جديدة من الرزق والخير، ثم تعود محملة بالعافية لتكمل حياتها في أرضها الحقيقية الدافئة، حيث الجنوب، حيث الأصل، حيث البداية التي خرجت منها.
ونهاية (مصطفى سعيد) الغامضة تأتي لترسخ الفكرة التي أرادها الكاتب، بجعل شخصية (مصطفى سعيد) شخصية أسطورية، مؤثرة، ليبقى ككل المحاربين المكافحين، برغم سقوطه في براثن العدو، وتماهيه في الشكل الثقافي الغربي، فلا هو انتصر حقيقة، ولا هو انهزم.
وكان المصير الحتمي إما هو أو الموت، ليبقى أسطوريًا بشكل محير، ومثيرًا للأسئلة والتكهنات، ولكنها الأسئلة التي تشفي غليل قوم أرهقتهم المقاومة، ومحاولة النجاة، وهكذا الكتابة تحررنا من غوائل الأيام.
هبة فاروق. كاتبة مصرية
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply