مصطفى تاج الدين الموسى: اللوحة الأخيرة للرسام العجوز

كان مغرمًا بها، لكننا، هي وأنا وأصدقاء الدراسة، كنا نمقته جدًا، ولم يرق لنا كثيرًا، بسبب فارق العمر، وطبيعة شخصيته غير المناسبة لنا آنذاك…

عندما كنا مراهقين في جامعة العاصمة، وذات مساءٍ خريفي كنا نمشي معًا بأيدٍ متشابكة.

انتبهنا إلى أننا أفلسنا، وأننا لا نملك الآن ما يسمح لنا بشراء طعامٍ متواضع، نسد به جوعنا، حتى صباح الغد، ريثما يصل دعم مالي لنا من أهلينا، عبر مكاتب الحوالات من أهلي.

ما الحل؟ فكرنا واحترنا…

سرعان ما ابتسمت لي بخبث وهي تقول: 

ــ عثرتُ على حل، نحن الآن بحاجة ذلك الأبله، الذي يرهقني بغزله المزعج…

كان رسامًا متواضعًا في الأربعين تقريبًا، يعيش في غرفة واسعة وهي مرسمه أيضًا، بأحد البيوت العتيقة، يتقاسمه مع طلاب آخرين، وكان غريب الطباع، كان يحب صديقتي، لكنها وأنا وبقية الأصدقاء لم نكن نحبه، كنا نلتقيه مصادفة بين الأزقة أحيانًا، وسرعان ما نتخلص منه، وهو يحاول التقرب من صديقتي، أو مرافقتنا في مشوارنا.

أخرجت صديقتي هاتفها واتصلت به، بالنسبة له اتصالها كان بمثابة اتصال من السماء، طار عقله فرحًا وهو يتكلم معها.

أخبرته أنها قريبة من مرسمه، واتفقت معه بكلمات لطيفة على السهر معًا، اتفق معها أنه خلال ساعة، سوف يكون قد أعد لها طاولة لا مثيل لأطباقها، لكنها لم تخبره أنني معها.

بعد أن أغلقت الهاتف ضحكنا كثيرًا على بلاهته، سخرنا منه لأنه لم يحصل على ابتسامةٍ واحدة، من امرأة جميلة في حياته.

بعد دقائق وأمام المقهى القديم خلف الجامع الأثري، شاهدنا صديقتين وصديق لنا، من أصدقاء الدراسة، فحكينا لهم عن مؤامرتنا ضد الرسام، انضموا لنا ضاحكين، وشكلنا معًا عصابة مراهقين، تلهو بالضحك والغناء بأصواتٍ مرتفعة بين الأزقة.

بعد ساعة تقريبًا، كانت صديقتي تدق بابه، خرج إليها وكان قد تأنق بشكلٍ مبالغ فيه، على طريقة الممثلين في السينما القديمة، عندما فتح الباب كاد يأكلها بعينيه العاشقتين، سرعان ما انصدم وتلون وجهه عندما شاهدنا نلوح له مبتسمين، من خلف صديقتي.

شعر بالخجل ودعانا للدخول، وفي غرفته كانت طاولته مليئة بأطباقٍ شهية، وعلى طرفها عدة زجاجات لأفضل أنواع الخمور.

تغامزنا ساخرين منه دون أن ينتبه، لقد حطمنا خياله، الذي دار في رأسه قبل وصولنا، خلال ترتيبه لأطباق للمائدة، ورسم فيه فيلمًا رومانسيًا لطالما حلم به.

لم نعره اهتمامنا أثناء السهرة، عندما كان يحاول أن يفتح موضوعًا مع صديقتي، أو عندما يشير بسبابته إلى إحدى لوحاته على الجدار، ليحكي لنا عنها، أكلنا بنهم وشربنا كثيرًا، غنينا ورقصنا بين الأريكة والطاولة، عصابة حقراء همها اللهو والفرح والخمر.

شعرنا في وقتٍ متأخر من السهرة، أنه يعيش على هذا الأمل: في نهاية السهرة سوف نمضي، لتظل صديقتي معه، فيحكي لها عن أحزانه المرسومة في اللوحات، ثم يتبادل معها القبلات، ثم…  

كنا أذكى منه، بعد منتصف الليل ونحن نترنح مخمورين، طلبت منه صديقتي بلطفٍ أنثوي ساحر، أن يصنع مجددًا ذلك الطبق اللذيذ، فأخذ الطبق وطار مسرعًا إلى المطبخ، عندها قفزنا مسرعين، سرقنا زجاجتي خمر لم نشربهما بعد، التقطنا بعض الفواكه عن الطاولة، وركضنا إلى الباب، ثم هربنا إلى الأزقة وصدى ضحكاتنا يملأ ازدحام الليل في أزقة العاصمة، ومن خلفنا طاردتنا صرخاته المقهورة لأمتارٍ عديدة.

تقاسمنا الغنائم أمام المقهى القديم، سخرنا من بلاهته كثيرًا، ورجعتُ مع صديقتي إلى غرفتنا القريبة، شربنا الغنائم ونحن نرقص على السرير، ونقفز بجنون مثل قردين في غابة أفريقية، شعرنا أن صدى قبلاتنا وشهقاتنا الغرائزية كانت تختلط بصدى صرخاته المقهورة في زقاقٍ قريب، بين غرفتنا وغرفته، في مزيج لا مرئي، أشبه بعاصفة مليئة بالمتناقضات… ولم نهتم.

أقسم لكم بكل المقدسات، لم نكن حقراء، أو من عائلات غير محترمة، لكن الحرية التي منحتها أزقة العاصمة لأرواحنا، نحن المراهقين القادمين من المدن الصغيرة والبعيدة، هي التي أخذتنا إلى هذا العبث المجنون.

غرفنا ومرسمه والمقاهي والحانة الصغيرة المفضلة عندنا، كانت كلها متناثرة بين هذه الأزقة القريبة من بعضها، وكأن حياتنا السعيدة آنذاك، قد حشرت في زجاجة ضيقة، كلها خمر وموسيقى وصخب.

لم أشاهده من بعد ذلك اليوم، كنتُ أتعمد عدم المرور من أمام مرسمه، شاهدته صديقتي بضع مرات قبل تخرجنا من الجامعة، لكنها كانت تبتعد عندما يقف قريبًا منها في زقاقٍ ما، ليسلم عليها، فتتجاهله وتمضي مسرعة.

انتهت سنوات الدراسة، رجع كل واحدٍ منا إلى مدينته، شاهدته مرة واحدة فقط في مجلة ثقافية، عند الحلاق.

أخذت الحياة كل واحدٍ منا في جهة مختلفة، صرنا ذكرى جميلة بالنسبة لبعضنا، جاءت الحرب، ومرت سنوات من دمار ونزوح ولجوء.

ذهبتُ منذ شهر مع ابن خالي، إلى مخيمٍ قريب من الحدود، لزيارة بعض المعارف، شاهدته مصادفة بجانب ساحة المخيم، شهقتُ من هول المفاجأة، كان جالسًا على كرسي تحت شجرة، صار عجوزًا وبثيابٍ رثة، يرسم الآخرين من حوله، مقابل سجائر، أو أشياء متواضعة.

سألت ابن خالي عنه، فقال لي:

ــ إنه رسام عجوز، اعتقلوه في العاصمة وعذبوه كثيرًا، فقد عقله، وعندما أفرجوا عنه لجأ إلى هنا، يقولون إنه كان رسامًا جيدًا قبل الحرب، حاليًا بالكاد يرسم الوجوه، يتسلى في غربة عقله المفقود…

شعرتُ بألمٍ ينتزع عظام صدري من جسدي، تذكرت أيام اللهو والطيش من عشرين عامًا تقريبًا.

اقتربتُ ببطءٍ منه، لم ينتبه لي، كان منهمكًا بترتيب سلم اللوحة والأوراق، على بعد مترٍ ونصف، جلستُ على الكرسي أمامه، مخصص لمن يود أن يرسمه.

نظر إليّ على عجل، سرعان ما حدق فيَّ بحقدٍ عميقٍ، بعينين تشبهان بئرًا لا نهاية لعتمته.

لم تخفني الحرب كما أخافتني عيناه المرعبتان، يبدو أنني ما زلت مزروعًا في عقله رغم غربته.

لم ينطق بحرف، ظل يرمقني ويرسم، لنصف ساعة تقريبًا، عندما انتهى اقتربتُ منه وانحنيتُ لأشاهد اللوحة، أوشكتُ على السقوط، وجسدي يميل فاتكأتُ على كتفه، فوق ورق اللوحة، رسم بإتقان باهر، وجه صديقتي القديمة.

من جانب أذني، ودون أن يستدير إلي، همس لي بحقدٍ:

ــ أين هي؟

ــ لا أعرف عنها أي شيء منذ سنوات، هي صارت في عالم، وأنا صرتُ في عالمٍ آخر…

ــ أتتذكر اسمها؟

ــ للأسف نسيته…

استدار إليَّ، فارتطمتْ نظرته القاسية بعينيَّ التائهتين، اهتز قلبي مثل زلزالٍ داخل جسدي.

ــ إذا كنت ستنسى اسمها، لماذا أخذتها تلك الليلة مني؟

لا يموت الماضي أبدًا، حتى ولو كان مجرد فكاهة ارتجلها على عجل، مخمورون صغار على سبيل اللهو والعبث…  

مشيتُ مبتعدًا عنه، أجر خلفي أحزانًا هائلة، ولم أعرف تفسير هذه الأحزان، أكنتُ حزينًا عليه أم على نفسي؟ حزينًا على تلك الصديقة القديمة التي نسيتُ اسمها؟ حزينًا على الأزقة القديمة في العاصمة، التي غزاها جيلٌ آخر، جاء إليها مكاننا فنستنا؟ حزينٌ بسبب الحرب وأهوالها؟ لم أعرف؟!

اليوم طرق ابن خالي باب غرفتي، لم يدخل، كان مسرعًا، قال لي:

ـــ توفي البارحة صديقنا الرسام العجوز، كان يحتضر عندما طلبني في الليل، وصلت إليه قبل أن يلفظ أنفاسه، أعطاني هذه اللوحة وأوصاني أن أحملها إليك، ويقول لك: 

“هذه اللوحة أمانة عندك، عندما تعثر على صاحبتها أخبرها أنها هدية مني لها، وأخبرها أيضًا، أن وجهها كان آخر لوحة في حياتي، أتمنى أن نوع الخمور في تلك الليلة، كانت جيدة بالنسبة لكم، ثق تمامًا، كانت الأفضل في ذلك الزمن… وداعًا”.

رسامٌ عجوز، حياته: هي معرضٌ تشكيلي مهجور، كل اللوحات فيه كئيبة الألوان، مع لوحة واحدة بشعة جدًا، في زاوية بعيدة منه، عليها وجهي ووجه فتاةٍ نسيتُ اسمها…

مصطفى تاج الدين الموسى. قاص سوري


اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة

مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply