مازن نظام: دائمًا أحاول القول إن المسرح بخير

حاوره: علي صقر.

في هذا العدد، تستضيف مجلة أوراق الممثل والمخرج والمؤلف مازن نظام، حاصل على دكتوراه في الإخراج المسرحي، مدير المسرح الزراعي في سوريا، عضو اتحاد الكتاب العرب، ومدرس ومستشار درامي. 

  • حدثنا عن بداياتك.. لمَ اخترت طريق المسرح؟

في بداياتي مع المسرح المدرسي، كنت أكتب مشاهد للصف الثالث الابتدائي، وكنا نعرضها في حفلات المدرسة. كنت أتولى مهمة الإخراج رغم أني لم أكن أعرف معنى الإخراج آنذاك. في الصف الثالث الابتدائي فقط، كنت أقول للولد: “قف هنا”، أو “تمثل هنا”، و”ارفع صوتك هنا”، وهكذا، فكانت شخصيتي تتبلور كأنني قائد العمل منذ الطفولة، وكان ذلك في إطار المسرح المدرسي.

وفي الغالب كنت أهرب إلى غرفة الموسيقى أثناء الدروس لأنني أحب الإيقاعات كثيرًا، وفي تلك المرحلة كانوا يبحثون عني فيجدونني دائمًا بغرفة الموسيقى. هنا شعر أساتذتي أن ميولي فنية جدًا، ولا علاقة لها بالعلم والدراسة. وبعدها، انتقلت إلى مرحلة اتحاد الشبيبة في تلك الفترة، حيث عملت كمخرج وشاركت في عدة مهرجانات مسرحية، وحصلت على مراكز أولى في الأعمال المسرحية.

وبعد ذلك بدأت مسيرتي الفنية، حيث عملت مع فرقة الإخوان قنوع، التي كانت فرقة قوية جدًا في البلاد. اشتغلت مع العديد من النجوم القدامى مثل فهد كاكاتي، وأنور البابا، ورفيق سبيعي، ومروان قنوع، وعدنان قنوع، والأستاذ عمر قنوع، وكان المخرج والكاتب أحمد قنوع هو من يدير الفرقة. كان يأتي معهم في كل عمل ضيوف ممثلون مهمون مثل آلاء حسني وسامية الجزائري.

أتذكر في تلك الفترة أن فرصي كانت ضعيفة جدًا مع الإخوان قنوع، حيث كانوا يمنحونني أدوارًا صغيرة جدًا لأنهم لم يثقوا بي في أداء أدوار أمام النجوم والعمالقة. وذات مرة، وبالصدفة، حدث أن أحد الممثلين تعرض لظرف صحي، فاقترحوا عليّ أن أؤدي دوره وقالوا لي: “مروان قنوع، بإمكانك أن تحل مكانه”. فوافقت وطلعت بدلًا منه على المسرح وحققت نجاحًا باهرًا في الكوميديا، مما فاجأ الجمهور والفرقة على حد سواء، إذ اكتشفوا أنني أتمتع بنفس روح الفكاهة والكوميديا.

منذ ذلك الحين بدأ المؤلف يكتب لي أدوارًا خاصة وشاركت في أعمال لفتت نظر المخرجين في تلك المرحلة، ومن بينهم الأستاذ هشام شربتجي الذي قال لي: “لقد أظهرت مواهبك ولا بد أن تعمل معي”.

وهكذا كانت بداية مشواري الفني في تلك المرحلة. كنت أكتب نصوصي الخاصة وأقدم أعمالي المسرحية، كما عملت مع عدة جهات مثل اتحاد العمال ومنظمة السكريات وفرقة النادي الفني. في ذات المرحلة، كنت أكتب وأقدم المسرحيات لجمعية المسرح الحر، التي لم أكن عضوًا فيها.

  • ما الذي أردت إيصاله عبر كتاباتك المسرحية، لا سيما أنك كتبت أكثر من مئتي مسرحية؟

بالطبع، صاحب القلم دائمًا يحب أن يكون حرًا في جميع دول العالم، فلا يجوز أن يُقيد قلمه، لأنه يحمل فكرًا يرغب في إيصال رسالته للناس، سواء من خلال القراءة أو المسرح أو التلفاز أو الرواية. ونحن خضعنا لرقابة صارمة قبل التحرير، حيث كانت الكلمة محسوبة في بعض الأحيان، فقد كنت أُلغِي مشاهد من مسرحيتي لأنني شعرت بأنها تؤثر أو تصل إلى حالة معينة تستدعي الحذف. وأحيانًا تُرفض نصوص كثيرة وأعمال عديدة بسبب الرقابة، وبالطبع لم تكن هناك حرية رأي وتعبير. والفنان بشكل عام بلا حرية رأي وتعبير ليس بفنان؛ إذ يجب أن يقول كلمته بكل صراحة، سواء كان كاتبًا أو ممثلًا أو مخرجًا، وهذا هو الشكل العام للحالة.

أما بعد التحرير، فقد اختفت هذه القيود إلى حد ما، وشعرت أن الرقابة لم تعد كما كانت في السابق، وهذا في رأيي أمرٌ صحيح، إذ يجب على الفنان أن يعبر عما بداخله كما يريد وبالطريقة التي يراها مناسبة، دون أن يتعدى على الحياة الاجتماعية، لأننا في النهاية شرقيون وعرب ونتبع معايير اجتماعية معينة بالشكل العام.

  • ما رأيك بالحركة المسرحية حاليًا؟

الحركة المسرحية بشكل عام في العالم تمر الآن بأزمة، إذ يتأثر المسرح دومًا بالتطورات الاجتماعية والتقنية. في البداية، كان تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والفيديوهات المنتشرة محدودًا، ولكنه بدأ يؤثر تدريجيًا في المسرح. ثم ظهرت القنوات الفضائية التي أثرت بدورها في المسرح، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي أصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا. ومع ذلك، يظل للمسرح متعة خاصة على الخشبة، حيث يحب الناس هذا الطقس الفني المباشر، خصوصًا في سوريا؛ فحين نقدم عملًا مسرحيًا يحضر الجمهور متشوقًا لرؤية العمل المسرحي كمسرح حقيقي دون شاشة صغيرة أو جوال، لأنه عرض مباشر مع الجمهور، يتفاعل معه بحماس من تصفيق وضحك وتعاطف مع الممثل. ولا شك أن لهذا التفاعل تأثيرًا كبيرًا على الجماهير.

بالطبع، تأثرت السينما والمسرح بهذه التطورات، ولكن كمسرحيين، واجبنا أن نستمر وبإذن الله سأواصل تقديم أعمال مسرحية أكثر وأفضل طالما لدي القدرة والعطاء، ولا أسمح لليأس أن يتسلط علي. دائمًا أحاول أن أقول إن المسرح بخير، ونحن نفتح الطريق أمام المسرح قدر الإمكان.

  • ماذا عن المعاهد الفنية في سوريا.. وهل تقدم الدعم الكافي للممثل الشاب؟ 

بالنسبة للمعاهد الفنية في بلادنا، أو في أي مكان، فالدراسة وحدها لا تصنع الممثل إذا لم تكن هناك موهبة. الدراسة تثقل الموهبة وتنميها، ولكن لو لم تكن هناك موهبة أصلًا، فلا يصير ممثلًا حتى لو حفظ الكتب كلها. هناك معاهد تساعد الموهوبين، تقوم بالعمل على تطويرهم، وهذا أمر جيد. أما المشكلة فتتمثل أحيانًا في الطموح عند الشاب الذي يشعر أنه موهوب ولديه القدرة على التمثيل وأنه قد بلغ مستوى جيد، لكنه يجد فرصًا قليلة، وهذا ما يضايق جيل الشباب الصاعد، مع حق كل شخص في ممارسة هوايته وموهبته في المكان المناسب له، لكنه لا يجد الفرصة الملائمة بسبب عوامل عدة من بينها الحظ والاجتهاد. فمثلًا، هناك خريجو معاهد قضوا سنوات في البيوت دون عمل، وهذا الأمر معقد وتشترك فيه عدة عوامل.

  • لقد خضت أيضًا تجارب مسرحية في مصر..  

أستطيع القول إنني تعلمت منهم الكثير، خصوصًا الانضباط المسرحي. فالفنانون هناك منضبطون جدًا، يحضرون مبكرًا إلى المسرح، يحبون المسرح والعمل على الكواليس، يحبون بعضهم جدًا، المزاح حالة والعمل حالة. هناك تنظيم عالي وكورسات عمل قائمة، وكل شخص مركز على نجاح العمل ويدقق عليه بشكل كبير ويطور نفسه. عند وجود عمل مسرحي يسأل الممثلون المخرج كثيرًا ويجيبهم، وهذه حالة فنية مسرحية جميلة جدًا في شقيقتنا مصر، التي أحببتها كثيرًا.

  • هل تفضل الكتابة لوحدك، أم التأليف الجماعي للمسرحية؟ 

أما بالنسبة للتأليف الجماعي، فهو أحد المدارس المسرحية الموجودة في العالم، حيث يكتب عدة كتاب العمل أو تكتب الفرقة المسرحية العمل معًا، أو يجمعون أفكارًا لتجربة مسرحية قد تنجح أو تفشل مثل أي تجربة أخرى. أنا لست ضد أي تجربة مسرحية مهما كانت، فالمهم أن هناك أشخاصًا يحملون لواء المسرح حتى الآن، ولذا فإن التأليف الجماعي أمر وارد ومألوف في المدارس المسرحية المختلفة.

  • ما أهم المحطات في مسيرتك؟

في الفترة الماضية انتقلت إلى التدريس، حيث درست مادة التمثيل والدراما والكوميديا في المعاهد. وقد ثقفت نفسي كثيرًا حتى وصلت إلى مرحلة أصبح لدي فيها معلومات أكثر من الأكاديميين، وانطلقت في هذا المشوار. كنا نقيم دورات ونعد كوادر لأعمال مسرحية، وكنت أعمل كثيرًا على الممثل في هذه الدورات، التي تهدف إلى إعداد الممثل.

أما على الصعيد الفني، فقد انطلقت إلى القاهرة وعملت في عدة أعمال، كما اشتغلت مع الأستاذ سعيد صالح -رحمه الله- في مسرحية “بحلو الكلام”. وكنت أجلس في قهوة الفشاوي حيث كانوا يأتون لي بنصوص لأقوم بتنقيحها للمسرحيين. درست في هذا المعهد وحصلت على الدكتوراه من المعهد السينمائي. كانت التجربة في القاهرة رائعة جدًا، إذ كنت في مهد الفن وأثبت وجودي هناك، والحمد لله.

بعد ذلك عدت إلى سوريا، وتوالت الأعمال المسرحية والتلفزيونية والإذاعية. في الإذاعة، عملت في عدة مسلسلات، من بينها مسلسل “البيت بيتك” حيث قدمت 17 شخصية بصوتي، مثل صوت البقال، والتكسي، والزوج، والزوجة، والأولاد. وحصلت على جائزة من اتحاد إذاعات العرب عن هذا الأداء.

هذا مشوار طويل، ولا أستطيع أن أذكر كل تفاصيله لأنه يتضمن عددًا كبيرًا من الأعمال؛ إذ أن رصيدي يقترب من 286 عملاً مسرحيًا من تأليفي وإخراجي.

بدأت ألفت أنظار الفرق المسرحية في مرحلة من حياتي، وكتبت للأخوين قنوع اللذين بدأت معهما، وأخرجت لهما أعمالًا. ثم الأستاذ ناجي جبر -أبو عنتر رحمه الله- طلب مني نصًا، فكتبت مسرحية “مواطن تحت الصفر” وأخرجتها قبيل وفاته، وحققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا والحمد لله.

قدمتُ أيضًا عملًا مسرحيًا بعنوان “حكايتنا السورية”، وهو عمل فنتازي مسرحي من خلالي، وتم عرضه ضمن فرقة المسرح الزراعي الجوال، وكان معنا مشاركة من الشباب الناشئ، حيث دمجتُ بعض الشباب ضمن الفرقة. عُرض العمل في المركز الثقافي بطرطوس ولاقى نجاحًا كبيرًا من الجماهير والنقاد، والحمد لله، وكان ذلك قبل خمسة عشر شهرًا.

  • ما مشاريعك المستقبلية؟

أما مشاريعي المستقبلية في المسرح، فأنا أكتب حاليًا عملاً جديدًا بعنوان “ريلز”، والذي أعده كوميديًا تمامًا. أهدف من خلاله إلى إدخال الفرحة والضحك إلى قلوب الناس، أكثر من خلق حالة من الألم أو الحزن. أحب أن أفرح الناس، فالضحك هو في حد ذاته إسعاد، وهذه الأيام يعاني الناس من الهموم والمشاكل والأزمات، لا سيما في ظل الوضع الراهن من ارتفاع الأسعار وتردي المعيشة. لذلك، أعتبر المسرح شكلًا من أشكال الترفيه، وأرغب في إسعاد الجمهور من خلال الضحك والكوميديا.

علي صقر. قاص ومسرحي سوري

مجلة أوراق/27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply