ترجمة عن الأردية: نوزاد جعدان
لقد كتب وقيل الكثير عن منتو حتى الآن أكثره ضده وأقله لصالحه، وإذا أخذنا هذه الكتابات بعين الاعتبار فلن يستطيع أي عاقل أن يكون رأيًا سليمًا عنه، ها أنا أجلس لأكتب هذا المقال وأدرك أن البوح بأفكاري عن منتو مهمة شاقة، لكنها من وجه آخر سهلة أيضًا، لأنني حظيت بشرف القرب منه وإن شئت الصدق فأنا توأمه الروحي، كل ما كتب عنه لا أعترض عليه لكنني أرى أن ما ورد في تلك المقالات بعيد عن الحقيقة، بعضهم يصفه بالشيطان وبعضهم بالملاك الأصلع.. لحظة.. دعني أتأكد أنه لا يسمعني الآن.. لا، لا بأس، تذكرت أن هذا وقت شرابه فهو معتاد على تناول شرابه المر بعد السادسة مساء.
ولدنا معًا وأظن أننا سنموت معًا، لكن قد يحدث أن يموت سعادت حسن ويبقى منتو حيًا، وهذا ما يؤرقني فقد بذلت كل ما في وسعي لأحافظ على صداقتنا، وإن بقي حيًا من بعدي فسيكون الأمر كما لو أن قشرة البيضة بقيت بينما اختفى الآح والمح. لن أطيل في المقدمة أقولها صراحة، لم أر في حياتي إنسانًا مثل منتو (“ون تو” رجل وإذا جمعته يصبح “ثري”..)، لديه معرفة جيدة بالمثلثات لكنه لم يصل بعد إلى الثالوث، هذه إشارات لا يفهمها إلا من له أذن واعية، أنا أعرف منتو منذ ولادته فقد ولدنا في اليوم نفسه في الحادي عشر من أيار عام 1912، لكنه دائمًا ما حاول أن يكون كالسلحفاة يخبئ رأسه وعنقه في قوقعته، فلا تستطيع أن تكتشفه مهما حاولت، لكنني توأمه وقد درست كل حركة له، والآن دعني أخبرك كيف أصبح هذا الخردة كاتب قصة، النقاد يكتبون مقالات طويلة يستعرضون فيها معرفتهم، ويستشهدون بشوبنهاور وفرويد وهيغل ونيتشه وماركس، لكنهم يبتعدون عن الحقيقة، قصة منتو تنبع من تصادم عنصرين متناقضين: أبوه رحمه الله كان صارمًا جدًا وأمه كانت رقيقة القلب، فما الشكل الذي خرجت به “حبة القمح” هذه بين حجري الرحى يمكنك أن تتخيله.
في المدرسة كان ذكيًا جدًا لكنه أيضًا شقي للغاية، طوله آنذاك لم يتجاوز ثلاثة أقدام والنصف قدم، كان آخر العنقود ونال حب والديه، لكن إخوته الثلاثة الكبار الذين درسوا في أوروبا لم يلتق بهم قط، لأنهم كانوا إخوة غير أشقاء كان يتمنى أن يعاملوه كأخ، ولم يتحقق له ذلك إلا بعد أن اعترف له عالم الأدب أنه كاتب قصة كبير.
أما عن قصصه فهو محتال من الدرجة الأولى، كتب أول قصة بعنوان “فرجة” عن مذبحة جليانوالا باغ، لكنه لم ينشرها باسمه ولهذا نجا من قبضة الشرطة ثم راودته رغبة في مواصلة الدراسة، ومن الطريف أنه رسب مرتين في امتحان الدخول ونجح في الثالثة بتقدير ضعيف، بل وفشل في مادة اللغة الأردية، الناس يقولون إنه أديب كبير في الأردية وأنا أضحك لذلك، لأنه حتى الآن لا يتقنها.. يطارد الكلمات كما يطارد الصياد الفراشات لكنها لا تقع في شباكه، ولهذا تفتقر كتاباته إلى الكلمات الجميلة، هو جلاد يحمل عصا لكنه تحمل كل الضربات على رقبته بسعادة، لكن ضرباته ليست من نوع ضربات الجات بل فيها خفة وظرف.. هو إنسان لا يسير على الصراط المستقيم بل يمشي على حبل مشدود، الناس يظنون أنه سيسقط لكنه لم يسقط قط.. وربما يسقط يومًا سقوطًا مدويًا لا يقوم بعده، لكنه سيقول حينها: “سقطت فقط لأزيل اليأس عن السقوط”، قلت سابقًا إنه محتال والدليل أنه يقول دائمًا: “أنا لا أفكر في القصة، القصة هي التي تفكر بي”، وهذا أيضا احتيال فأنا أعلم أنه حين يكتب قصة يكون كالدجاجة التي تبيض، لكنه لا يبيض في الخفاء بل أمام الجميع.. أصدقاؤه حوله وبناته الثلاث يصرخن وهو جالس على كرسيه يبيض القصص، التي تتحول لاحقًا إلى أفكار تنطق، زوجته مستاءة منه كثيرًا ما تقول له “اترك القصص، وافتح دكانًا”، لكن الدكان الذي في رأس منتو فيه أكثر من أدوات الزينة ويفكر أحيانًا “لو فتحت متجرًا قد يتحول إلى ثلاجة تتجمد فيها أفكاري.”
أخشى أن يغضب من هذا المقال وغضبه لا يحتمل، ففي غضبه يتحول إلى شيطان لكن فقط لبضع دقائق، وهذه الدقائق.. يا رب السلامة.. يتدلل كثيرًا في كتابة القصص لكنه في الحقيقة محتال، كتب مرة أنه يحمل في جيبه عشرات القصص لكن الحقيقة عكس ذلك، حين يريد أن يكتب يفكر ليلًا فلا يجد شيئًا، يستيقظ فجرًا يحاول أن يستلهم من الصحف يفشل، يدخل الحمام ليهدئ رأسه يفشل، يتشاجر مع زوجته يفشل، يخرج ليشتري أوراق البان يضعه على الطاولة ولا يأتيه الإلهام، في النهاية يأخذ قلما ويكتب “786”3، ثم يبدأ بأول جملة تخطر له وهكذا تولد القصص “توبه تيك سنج، مامي.. إلخ… كلها ولدت بهذه الطريقة الاحتيالية، والغريب أن الناس يرونه غير متدين وفاحش وأنا أوافق جزئيًا فهو يكتب في مواضيع عميقة، ويستخدم كلمات قد تعترض عليها.. لكنني أعلم أنه يبدأ كل مقال بـ “786”، أي “بسم الله”.. هذا الرجل الذي يبدو كمنكر لله يتحول على الورق إلى مؤمن، هذا هو منتو الورقي كالبندق لا يكسر إلا بالأصابع لا بالمطارق.
والآن إلى شخصيته، هو لص وكاذب ومخادع وجامع للناس، استغل غفلة زوجته وسرق منها مئات الروبيات، أعطاها ثمانمئة روبية ثم راقب أين وضعتها، وفي اليوم التالي اختفى أحد الأوراق، وحين اكتشفت ذلك بدأت تصرخ على الخدم، يقال إنه صادق لكنني لا أوافق، هو كاذب من الدرجة الأولى، في البداية كانت أكاذيبه تمر لأنها تحمل “لمسة منتو”، لكن زوجته اكتشفت لاحقًا أن كل ما قيل لها كان كذبًا، هو يكذب باعتدال لكن أهله باتوا يظنون أن كل ما يقوله كذب.. كالشامة التي ترسمها امرأة بالكحل على خدها.
هو غير مثقف لم يقرأ ماركس ولا فرويد ولا هيغل ولا يعرف إلا أسماءهم، لكن النقاد يقولون إنه تأثر بهم، وأنا أقول، منتو لا يتأثر بأحد، يرى أن كل من يحاول أن يشرح هو أحمق فالعالم لا يحتاج إلى من يشرح له، بل عليه أن يفهمه بنفسه، وقد فهم نفسه حتى صار فهمه فوق الفهم، أحيانًا يقول أشياء غريبة تضحكني، وأؤكد لك منتو الذي حوكم بتهمة الفحش هو في الحقيقة نظيف جدًا.. لكنه أيضًا ممسحة ينظف كل ما حوله لكنه يظل متسخًا.
سعادت حسن منتو . كاتب هندي ولد عام ومات 1912 عام 1955 تاركًا وراءه 22 مجموعة قصصية، وعددًا من المسرحيات والمقالات.
نوزاد جعدان. شاعر سوري

Leave a Reply