إسراء حمدي: لا أكتب لأرعب الأجساد.. بل لأقلق الطمأنينة الزائفة

حاورها: أحمد خضر أبو إسماعيل

يقولون: إنَّ الخوف هو أقدم المشاعر التي عرفها الإنسان، وضيفتنا في مجلة أوراق هي مَن تملك مفاتيح هذا الشعور، وتحوله من مجرد صرخة مكتومة إلى نصوص أدبية خالدة. نستضيف اليوم الكاتبة المصرية المبدعة إسراء حمدي، التي اختارت أن تفتح الأبواب الموصدة، وتسلط الضوء على الزوايا المظلمة في النفس البشرية، لتقدم لنا رعبًا لا يعتمد فقط على ما نراه، بل على ما نخشى تخيّله.

  • تَجنحُ الكاتبات العربيات بشكل عام نحو الرواية الرومانسية أو الواقعية الاجتماعية، لماذا اختارت إسراء حمدي أدب الرعب لتستهل مسيرتها الأدبية؟

تميل الكاتبات العربيات نحو الرواية الرومانسية أو الاجتماعية، أو ما يطلقن عليه (الأدب النسائي) بشكل عام، الذي يعبر في الغالب عن رؤيتهن الخاصة، أو تجاربهن الذاتية، أو من منطلق التوعية بحقوق المرأة…

ولأنني لا أعترف بهذا المصطلح، وأرى أن القلم القوي يفرض نفسه على الساحة، مهما كان تصنيفه (إذ لا يحكم العمل سوى جودته ومتانة نصه وقوة حبكته وطريقة سرده) لذا قررت أن أستهل مسيرتي من المنطقة المظلمة، إيمانًا مني بأن الرعب والحب وجهان لعملة واحدة، فهما المحركان الأقوى للإنسان في كل زمان ومكان، وبينما اختارت بعض الكاتبات المبدعات رصد الوقائع المقرونة بالعاطفة فقط، قررت أنا رصد النفس البشرية وتجريدها بشكل أعمق، ففي لحظات الخوف والرهبة تسقط الأقنعة، وتتبلور الحكايات، وتخرج من حيز الظلام والمباشرة المملة إلى بؤرة النور والمعرفة، ومواجهة الإنسان بعلاته وندوبه ومخاوفه، بمنتهى الشفافية والصدق.

وربما لهذا السبب تحديدًا شغفت بأدب الرعب منذ دخولي مجال القراءة والاطلاع، فأنا بطبعي، ومنذ طفولتي شخصية فضولية نحو الخوارق والماورائيات، وتشوهات النفس البشرية، وطالما وجدت عالم الجان مادة خصبة للبحث والتحري والحديث عنها، بل واستخدامها كإسقاط وربطها بالكثير من الأفعال البشرية الوحشية، التي لا تمت للإنسانية بصلة.

  • تتأرجح الرواية الفانتازية بين عوالم الخيال والواقع؛ فأحيانًا تعتمد روايات الرعب النفسي على تجارب حدثت فعلًا. فهل اعتمدت إسراء حمدي على تجارب واقعية لتعيد تشكيلها بين دفتي الرواية، أم أن مادة العمل الأدبي تميل إلى الخيال أكثر؟

أؤمن تمامًا أن جدارًا هشًا يفصل بين الواقع والخيال، وبرغم أن الواقع هو البذرة الخام للفكرة والحكاية والحبكة، فإن الخيال هو التربة الخصبة التي تروي تجاربنا الواقعية وتمنحها غصونًا وأوراقًا تنبت بين دفتي رواية أو كتاب. لذا، فقد بنيت سلسلة “سفراء الجان” على تجارب واقعية، لكنني فضلت مزجها بعوالم الخيال والفانتازيا، وبحسب رؤيتي الشخصية فإن هذا المزج أضاف كثيرًا للسلسلة في أثناء كتابتها، لكن هذا لا ينفي واقعية البنية الأساسية المتمثلة في عدة مواقف وتجارب حقيقية عاصرتها، إضافةً إلى تجربة مررت بها مع أقرب صديقاتي التي عانت لسنوات من حالة تلبس، وهي القصة المستوحى منها أول جزء من السلسلة، إذ شهدتُ تفاصيلها وعشت أحداثها ورأيت فيها أهوالًا لم أتوقع رؤيتها، أو ربما أنكرتها وكذبتها إن رواها لي شخص آخر، فقد اعتدت رؤية هذه المشاهد في الأفلام والمسلسلات فقط.

وهنا يجب تسجيل نقطة هامة جدًا: إن غالبية أفلام الرعب مستوحاة من قصص حقيقية وليست من وحي الخيال كما يدّعي البعض. ولعل أشهر هذه الأفلام، والأقرب إلى قلبي، هو الفيلم الأجنبي الذي يروي قصة حقيقية عن فتاة ملبوسة تُدعى إيملي روز، الذي يذكّرني في كل مرة بما رأيته في الجلسات العلاجية لصديقتي.

  • لا يمكننا إنكار أن الروائي المصري د. أحمد خالد توفيق هو الأديب العربي المؤسس لأدب الرعب في عالمنا العربي فهل تركت أعمال العراب أثر الفراشة في عوالم إسراء حمدي؟

لا يمكنني إنكار تأثير د. أحمد خالد توفيق طيب الله ثراه، وفضله عليَ في دخولي عوالم الماورائيات، وشغفي بأدب الرعب منذ الطفولة، فهو أستاذي الذي استقيت منه العلم والمعرفة، والكتابة الناضجة في قالب تشويقي مثير، وربما ساخر في بعض الأحيان، وأبحرت في عوالمه الخاصة التي طالما أشعرتني أنه قادم إلينا من فجوة زمنية أخرى. لذا، فلا شك أن أثر الفراشة كان حاضرًا بقوة في بداياتي، الأمر الذي أخبرني به كثيرون بعد قراءة أول أعمالي، وكذلك نصوصي ومقالاتي. لكنني حرصت على أن يختفي هذا الأثر تدريجيًا، فأنا ورغم حبي الشديد لأبي الروحي الراحل العظيم (أحمد خالد توفيق)، ورغم ما له من فضل في حبي للقراءة والكتابة، وتأثيره الإيجابي الملموس، ورغم سعادتي الغامرة بمجرد أن يخبرني شخص أنني أحيانًا أشبهه في طريقة السرد، فإنني أسعى لأن أكون (أنا) فقط. أكتب بنفسي، بأسلوبي، بقلمي، بأفكاري، بمعتقداتي، ولن أنسج من محبتي واعتزازي به حائلًا يمحو هويتي بمرور الوقت. وهنا إن سمحت لي أود تسجيل نقطة هامة جدًا كنصيحة للكتاب المبتدئين: «اعتَز بكُتابك المفضلين ومدارسهم وأفكارهم ولغتهم وطريقة سردهم، ولا بد أن تدين لهم بالفضل في مسيرتك الأدبية، لكن لا تطمس هويتك في رحلة تقليدهم ومجاراتهم ومحاولة أن تصبح نسخة ثانية منهم. كن أستاذ نفسك وتلميذها النجيب أيضًا».

  • “سلسلة سفراء الجان” لاقت رواجًا واسعًا بين القُراء العرب، فهل كانت فكرة السلسلة مُعدًا لها أم أن خيط السرد رفض أن ينقطع حتى يكمل الثلاثية؟

أغرمت بفكرة السلاسل منذ طفولتي، فهي مرتبطة لدي بسلسلة “ما وراء الطبيعة” للعرّاب الأب الروحي “أحمد خالد توفيق” رحمه الله، وطالما تمثل حلمي في كتابة سلسلة، لكن المفارقة الغريبة أنني لم أخطط لكتابة سلسلة “سفراء الجان” بل كتبت أول جزء كرواية منفصلة، ثم تركت النهاية مفتوحة، بعد أن ألحت على رأسي فكرة كتابة جزء ثان وثالث، إذ تمردت الشخصيات وحاصرتني وأصبحت كائنًا حيًا من لحم ودم، وكأنها اختارت بإرادتها أن تمد في أعمارها وتستكمل صراعاتها عبر أجزاء متتالية. ورغم أنها تعتبر مجازفة كبيرة لكاتبة مبتدئة، فإن السلسلة لاقت رواجًا بين القراء، كما حققت نجاحًا كبيرًا بفضل الله أولًا وأخيرًا، ثم لفكرتها التي جمعت بين الرعب، الإثارة، الغموض والجريمة، وعدة تصنيفات أخرى. وبإذن الله لن أتوقف، وسأستمر في نشر أجزاء أخرى من السلسلة، فلا يزال في جعبتي الكثير من القصص والحكايات التي لم تروَ بعد.

  • من مخاطر الكتابة في عوالم الرعب أحيانًا خوض تجربة تمس المعتقدات الدينية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص “السحر، الشعوذة، الجان…” فهل تجدين صعوبة في الكتابة ضمن هذه السياقات الشائكة؟

لا أواجه صعوبة في الكتابة ضمن السياقات المتعلقة بالسحر والشعوذة وعالم الجان بكل تفاصيله، ولا أرى هذه العوالم شائكة بقدر ما أراها مرآة تعكس النفس البشرية، ومدخلًا لفهم سيكولوجية البعض. لذا فإن الصعوبات التي أواجهها لا تتمثل فيما يمس المعتقدات الدينية والإسلامية بشكل خاص، بل الصعوبة الحقيقية تكمن في كيفية الحفاظ على هذه السياقات دون اصطدام النص بالأسس والركائز الدينية المتعلقة بعالم الجان ومفهوم السحر. أما الأفكار والمعتقدات الخاصة بالشعوذة (في جميع الأديان) فهي موروثات ثقافية وبيئية قابلة للنقاش والاختلاف، أو حتى التغيير. إضافة إلى أنني أحرص على الاطلاع والبحث المكثف قبل التخطيط لأي عمل، حتى لا أقع في فخ المعلومات المغلوطة، كما أحرص على إظهار عالم “الجان” في رواياتي كرمز للصراع الدائم بين الخير والشر، والظلمة والنور داخل النفس البشرية، وليست مجرد كائنات غيبية. تاركة بذلك مساحة شاسعة للتساؤل والتفكر والتدبر، وليس زعزعة اليقين وهدم أركان الإيمان.

  • في ظل موجة كبيرة لأدباء الرعب في العالم العربي عمومًا وفي جمهورية مصر العربية بصفة خاصة، كيف استطاعت إسراء أن تصنع مادة متفردة بعيدًا عن التَكرار؟ 

أومن أنه في زحام الأصوات، وبين ضجيج الكلمات، لا يبرز إلا الصوت الذي ينصت إلى الترددات والتغيرات من حوله، فيسعى لكسر الحواجز ويتمرد على القوالب التقليدية، لذا فأنا لا أكتب لأرعب الأجساد، مستندة إلى الأساطير ومشاهد الرهبة والفزع والدماء وصرخات الأبطال المجانية، بل لأقلق الطمأنينة -الزائفة- في الأرواح الغافلة والنفوس الضعيفة، التي ظنت يومًا أنها في معزل عن التشوهات وارتكاب الآثام، وربما أبشع الجرائم.

لقد بحثت عن الخوف الكامن في تفاصيلنا اليومية، ليس رغبة في توظيفه، بل لإعادة صياغته. طرقت أبواب الرعب الخاملة بين تصدعاتنا وهشاشتنا النفسية، الرعب الذي نتنفسه ونتمسك بخيطه العبثي، حتى بات ملازمًا لأرواحنا، نألفه ويداعبنا في كل وقت وحين. ربما لهذا السبب -ووفقًا لآراء الكثير من القراء- تفردت رواياتي، وتمكنتُ من صنع عوالمي الخاصة التي تحمل بصمتي، البعيدة عن التكرار والتطابق والاستنساخ (حتى وإن تشابهت الأفكار).

ودائمًا أكررها وأذكّر بها نفسي: مخطئٌ من ظنّ أن الرعب يتمثّل في الجثث والأشلاء والدماء؛ بل الرعب الحقيقي يكمن في الفكرة وما بين السطور. فجميعنا نكتب رعبًا، ولكن بلغاتٍ مختلفة؛ فمنّا من يعري المجتمع من فضيلته الزائفة ويزيح الستار عن رزائله، ومنّا من يسرد واقعًا مريرًا دون تجميله تحت أي ظرف أو مسمّيات، ومنّا من يرتاد عقول المرضى سابرًا أغوارهم ليجلي الحقيقة عن عادات وتقاليد بالية أودت بهم إلى مصائر مشؤومة، ومنّا من يتوغّل بين محاكم الأسرة ليظهر لنا جرائم إنسانية دفع الأبناء ثمنها وعاشوا ضحاياها إلى الأبد، ومنّا من يقطن في الأزقة والحارات يعيش مآسيها وشقاء ساكنيها ليخطّ لنا لوحة تقشعرّ لها الأبدان، فتُفتح أفواهنا حدّ السماء قائلين: هل حقًا هناك أناس يعيشون هكذا حياة؟

أما هذا فرعب نفسي، وذلك رعب واقعي، وذاك رعب اجتماعي نعيشه بكافة تفاصيله. ومن هذا المنطلق اتخذت قراري بألّا أكتب أبدًا ما يتوقّعه القارئ أو يتمنّى رؤيته، بل ما يخشى مواجهته في مرآته كل صباح.

  • برغم أن عوالم الرواية السحرية عادة ما تختار فضاءات بعيدة عن الواقع، فإن إسراء حمدي بقيت متمسكة بالقضية الفلسطينية، فكيف تم توظيف السردية الفلسطينية داخل العمل الفانتازي إن صح التعبير؟

طالما حملتُ على عاتقي عبءَ الضعفاء والمخذولين والمكلومين والمشرّدين والمضطهدين، والنماذج التائهة بين فكي الحياة، باحثةً عمّن يزيح عنهم ستار العتمة، متحدثًا بلسانهم، ماسحًا عبراتهم، شاعرًا بأوجاعهم وآلامهم وأحلامهم وآمالهم المبتورة. وطالما رأيتُ في الأدب رسالةً ساميةً يتكبّد الكاتب عناء إيصالها والحديث عنها، وإلا فلا قيمة لهذا الأدب؛ فالأمر لا يتعلّق بالحديث والتوجيه أو النصح المباشر، بل بتمرير الحكاية بين طيّات الصفحات، حتى وإن كانت في إطارٍ مرعبٍ أو فانتازي. لذا فقد حرصت على أن يكون قلمي سلاحًا للدفاع عن الحق وتوثيقًا للقضايا الإنسانية الهامة -وهو أضعف الإيمان- وعلى رأسها “القضية الفلسطينية”، وقد وظفت السردية الفلسطينية في الجزء الثالث “مساومة على رأس الدجال” من سلسلة “سفراء الجان”، ضمن إطار جريمة ورعب وتشويق، إذ افتتحت روايتي بجريمة قتل في “حي الشيخ جراح” مرورًا باستخدام الرمزية في شخصية “عبد الجبار”، وصولًا إلى سجن “عسقلان” والانتهاكات التي ترتكب بداخله في حق المعتقلين، ضاربًا بكل معايير المنظمات الدولية والحقوق الإنسانية عرض الحائط، وختامًا بالمساومة على رأس “الدجال”، وقد اتخذت من شخصية “الدجال” رمزًا للصراع الأزلي بين الحق المسلوب والقوة الباغية للكيان الغاشم، هكذا منحتني الفانتازيا القدرة على تجسيد هذا الصراع باستخدام عوالم الجان والكيانات المظلمة، وسلطتُ الضوء من خلالها على ما يحاول بعض الخانعين طمسه وتشويهه، فالقضية داخل عوالمي السحرية لم تكن مجرد إقحام سياسي، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، إيمانًا مني بأن الخيال في كثير من الأحيان أعمق وأصدق، بل وأكثر إنصافًا للتاريخ.

  • “حين يراقصني الموت” كان آخر عمل روائي صدر لكِ، فهل هناك مفاجأة قادمة للقراء؟ وهل هناك تجربة في نوع جديد من الكتابة؟ 

بفضل الله سبحانه وتعالى منذ صدور روايتي الأخيرة “حين يراقصني الموت” وأنا أتلقى الآراء الإيجابية وعبارات الانبهار والإشادة بتفاصيل العمل كافة، خاصة وأنها تجربة جديدة ونوع أدبي مختلف تمامًا عن كل ما قدمته، ما وضعني في مأزق حقيقي مع قرائي الذين ينتظرون أعمالي بشغف، إذ قالوا لي: “لن نقبل بأقل من هذا المستوى في العمل القادم”، لذا فقد حرصت في أثناء كتابة روايتي الجديدة على تقديم عمل أدبي يليق بقرائي الأعزاء، ولا يخيب ظنهم في قلمي، وهو عمل ينتمي لأدب الرعب، ممزوجًا بالفلسفة ومتناولًا بعض القضايا الاجتماعية والسياسية. أما عن موعد نشره فمن المرجح أن يتم الإعلان عنه في نهاية العام، على أن يتم نشره في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2027 بإذن الله. أيضًا هناك مفاجأة حصرية لقرائي، فقد وضعت الخطوط العريضة والفكرة الرئيسية للجزء الرابع من سلسلة “سفراء الجان”، وبإذن الله يتم صدوره فور الانتهاء من كتابته، سواء كان ذلك خلال معرض الكتاب أو بعد المعرض.

إسراء حمدي . كاتبة ومترجمة وروائية مصرية

أحمد خضر أبو إسماعيل. روائي سوري

مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply