ككلّ صباح، يفتح الباب ويخرج، فيجدها عند أوّل درجة، جاهزةً كما لو أنّها جزء من البناء. تتمسّح به سريعًا، يربّت على رأسها بلا كلامٍ، ويمضي إلى عمله. لا شيء إضافيّ، مُجرّد طقس يتكرّر بدقّة، يمشي إلى وظيفةٍ تستهلكه أكثر ممّا تُطعمه، ساعات طويلة وراتب بالكاد يسدّ ما عليه سَدَّهُ، بلغ الثلاثين ولم يتبدّل شيء.
لا تَرْقِية، لا وعد، ولا ما يُشبه بدايةً جديدةً. حين تلامسه، يُخَيَّل إليه أنّها تفهم هذا التعب، كأنّ احتكاكَها بساقه مُحاولةٌ صامتةٌ لتخفيف ما لا يُقال.
وفي المساء، تتكرّر الحكاية نفسها، القطّة في مكانها، الرجل في موعده، تقترب، تلامسه، وترافقه إلى أن يصل باب شقّته. يقف لحظة، يفتح، يدخل، وتبقى هي خلفه قليلًا ثمّ تعود أدراجها. كلّ شيء يحدث كأنّه سيناريو مُتّفَق عليه منذ زمن طويل. وَحْدَه يعود إلى غرفة ضيّقة لا ينتظره فيها سوى أشياؤه القليلة، بينما يمرّ العمر به بلا مشروع زواج أو أفق واضح، كأنّ الأيام تسير على الهامش. مواساته الوحيدة كانت كتلة الفراء تلك حين تتمسّح به وكأنّها تُنبئه بأنّه ليس وحيدًا.
جاءته فرصة سفرٍ بدت كنافذة ضيّقة في جدارٍ طويلٍ. قالوا له إنّ العمل هناك أوضح، والراتب يكفي، وربّما يبدأ من جديد بعيدًا من الدَّوَران نفسه. لم يكن الأمر حلمًا بقدر ما كان محاولة جديدة لالتقاط الأنفاس.
في صباح الرحيل، خرج كعادته، وجد القطّة عند الدرجة الأولى، تتمسّح به وهو يحمل حقيبته. ربّتَ على رأسها سريعًا ومضى كأنّه يخشى أن يثقل عليه الوداع إن أبطأ لحظة.
في المساء الأوّل، جاءت في الموعد ذاته، جلست عند أوّل الدرج تنتظر الأصوات الّتي اعتادتها، خطواته، احتكاك المفاتيح، ظلّه عند المدخل. لم يأتِ. ومع ذلك لم تتأخّر في اليوم التالي، ولا في الّذي يليه، كانت كلّ مساء تحتلّ المكان نفسه، تجلس مستقيمةً، تراقب الباب، تنهض عند كلّ وَقْع أقدام، ثمّ تعود إلى جلستها حين يمرّ شخصٌ آخر. صار انتظارها طقسًا لا ينكسر، عيون معلّقة بالمدإبراهيم عدنان ياسينخل، جسد صغير يثبت في البرد والحرّ، ومواء خافت كأنّه سؤال لا يملّ. لم تتعلّم الغياب قطّ. بَقِيَت تتصرّف كما لو أن تأخُّرَه مسألة وقت ليس إلّا. وحين تنتهي نوبتها المسائيّة، تصعد من تلقائها إلى مدخل الشقة، تخدش الخشب بكفّها الصغيرة كمن يطرق الباب مُنتظرًا كفًّا أخرى من الداخل، تنتظر لحظاتٍ قليلة، ثمّ تعود أدراجها بعينَيْن مُنكسرتَيْن مُمَنّيةً النفس بأنْ يسبقها صوته إلى الدرج في الغد.
عاد في مساءٍ باهت يحمل حقيبةً أخفّ ممّا خرج بها، ووجهه أثقل ممّا ينبغي، عند أوّل الدرج وجدَها في مكانها، كأنّها لم تتحرّك منذ غيابه، ما إن لمحَته حتّى نهضت دفعةً واحدةً، اقتربَت مسرعةً تتمسّح بساقَيْه بفرحٍ صامتٍ، ثمّ راحت تدور حوله وتلصق رأسها به كما كانت تفعل دائمًا، لم تسأله أين كان، ولم تحتَجْ إلى تفسيرٍ لملامحه المخذولة، بل اكتفت بأنْ تُرافقه صعودًا حتّى باب الشقّة، وتجلس عند العتبة بطمأنينةٍ واثقةٍ، كأنّ الطقس القديم لم ينقطع يومًا.
لم ينجح هناك. الأرض الغريبة لم تمنحه سوى تعبٍ جديدٍ، وأيّامٍ بلا ملامح، وقرارٍ أخير بأن يعود ويبدأ من الصفر ويمحو من ذاكرته كلّ ما يتّصل بها. حاول أن ينسى المدن، الوجوه، الطرقات، وحتّى نفسه في تلك الفترة. الشيء الوحيد الّذي بقي واضحًا، بلا جهد، كان مدّة الغياب: مِئَتا يوم. لم يتذكّرها من التقويم ولا من الأوراق، ولا من تواريخ أختام جواز السفر. بل من الباب… باب الشقّة الموشوم بمِئَتَي خدشٍ صغيرٍ بالتّمام والكمال.
إبراهيم عدنان ياسين. كاتب لبناني
اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply