ناصر فرغلي: سوريين يا أخي

“سوريين يا أخي .. سوريين”

بثلاثِ كِلماتٍ

وامرأتيْنِ على رصيفِ الأطلسيّ

يَسقطُ خمسونَ يوماً من الشمس

في ثقْبٍ أسوَد

تنسحِبُ ألوانُها

أبعدَ مما سافَرَت الجيادُ والقوافل

ولا يعودُ صهيلُها يُسمَعُ

إلا في كُسْوَةِ البرونزِ

على عَصَبٍ مشدودٍ كالطبْل

هكذا يستعيدُ بحرٌ ظُلُماتِه

كأنما لم يُعَـبِّئ ماجلاّنُ غُليونَه

ولم يُشعلْ كولومبس له الثقاب

يا لطيفَ اللطفِ يا رب

ولطيفٌ هو فعلاً

وظريفٌ ككل من يصنعُ أشياءَ

دونَ أن يعرفَ بالضبطِ

ما حاجتُه بها

فقد تكّفّلَ بما يلزمُ من التنوير

وأطَلَّ من مصباحٍ بحجمِ جبل

محفوفاً بصاحبيْنِ

يُمكنُ أن يدعوَهما قائلاً:

قِفَا نضحكْ

الله. الوطن. الملك

هكذا انتهى الترتيبُ

في مَوسمِ 2013/ 2014

لكنه يُمكنُ أن يتغيّر

كما كان يمكنُ لهذا الشلاّل

أن يُنيرَ قريةً لا يدخلُها الملوك

لكنّ الله اكتفى برسم منظرٍ طبيعيٍّ

وخَلْقِ نوعٍ جديدٍ مِن الجنادِب

برغم احتجاجاتِ درويش

جربناكَ جربناكَ

فاظْهَرْ كعنقاء الرماد

وبرغم برقيّاتِ أُنْسِي للمسيح الربّ

أنِ احضرْ حالاً

الألفا سنةٍ فاصلٌ طويل

معنا ضعفُ نظرٍ ولم نعدْ نراك

“سوريّين يا أخي”

أسمعُ

“سوريين يا أخي”

أسمعُ وأرى

السمَكَ أكثرَ من الجوْعَى

ومع ذلك لا يتناقصُ في المعادلةِ طرَف

البطّةَ تتمايلُ في ارتجاجِ الديسكو

تدورُ بقبضتِها في الهواءِ

كَمَنْ يلوِّحُ بأنشوطةٍ

لا أرى الأنشوطةَ

ربما لأنها فوقَ رأسي تماماً

هكذا أضعُ القبضةَ، مؤقّتاً

في لَقْطَةٍ مُقرَّبَةٍ لمُظاهرة

“سوريين يا أخي”

كلُّ قنّينةٍ تحتفلُ قبل فضِّها

بوضعِ شمروخٍ ناريٍّ في عجيزتِها

وأنا أرى النارَ احتفالاً يناسبُ الحال

ستةُ شماريخَ تخترقُ المَجَرّةَ

في طريقِها إلى طاوِلةِ سمير الجديدة

فسمير يُبدّلُ طاولتَه كل ساعة

ويشتري نصفَ البار كل ليلة

وسمير

– تقولُ لي خديجة –

يأتي وبَناتـُـ(ـه) معه

لأنّ سمير لن يقلّبَ مثلَنا في السوق

ويختبِرَ بيديْهِ بَطّاً نَما في الأَسْر

وهو أيضا لا يجلسُ أبداً

كأنه يقولُ:

أنا سمير! أنا لا أجلس!

لكنّ امرأتيْنِ في أسْوَدَيْنِ

كانتا تجلسانِ على رصيفِ أغادير

بكَفَّيْنِ ممدودَتيْن كأنما تَتَحسّبانِ مطرًا

وكفَّيْنِ يرفعانِ جوازاتِ سفَر

لإثباتِ صِحّةِ النَسَبِ إلى البَلْوى

“سوريين يا أخي”

لا مطرَ

والشمسُ تعملُ ورديةً مضاعفة

لإصلاحِ أكتافٍ بيضاءَ

وَرَتْقِ أرواحٍ مفتوقةٍ في الكِتّـانِ

الفتاةُ المنقوعةُ في صَفارِ بيْضةٍ

تحمي ما تركَهُ الليلُ من نهديْها

بعبُوّات المناديل

وأحياناً تمسحُ بها الغبارَ

عن صورةٍ التَقَطَتْها في المستقبل

لدجاجتيْنِ في كوخٍ بأعالي الريف

آيةُ بسنواتها الخَمْسِ

ووردةٍ وحيدةٍ

هي كل إسهامِها في السوقِ العالمي

تطلبُ رشفةً من قهوتي الإيرلندية

لكنني أقنعُها بأن تجلسَ أمامي

وتشاركَني العشاءَ والسخريَةَ

من قبّعاتِ مالكي اليخوت

العَسّاسُ يخرجُ من صلاتِه

ويسألني كلّ مرةٍ:

 هل تسكنُ هنا؟

البارمانُ يذكُر جيدًا نوعَ الويسكي

والكأسَ القصيرةَ

والثلجَ فقط

والورقةَ التي أطلبُها بعدَ كأسينِ قصيريْنِ

وأملؤها بكلامٍ غير مفهوم

ومع ذلك يُكرّر:

إنتَ مِيـصْـري؟!

“سوريين يا أخي”

عَـمَّ يبحثُ السوريون

في أقصى ما تيَسَّرَ من البَـرِّ؟

وهنا أيضا

أضاع الجميعُ شيئا ما

ولذا يقولونَ لكَ دائما:

“دَوَّرْ مْعانا”

قيلَ إنّ معناها: “أعطِني درهماً”

فأعطيتُ درهمًا

لكنه لم يوقفِ البحثَ

سمير نفسُه يبحث

وربما لهذا هو لا يجلسُ أبداً

والبطّةُ تبحثُ في سمير

وآيةُ تفتّشُ في الوردةِ

وخديجةُ في كَتِفي

والعَسّاسُ في التشَهُّدِ

والبارمانُ في كتابِ الكوكتيل

والفتاةُ في عُشّ الدجاجِ

أعرفُ هذا

لأنّ في جيبي دراهم

وفي كتفي خديجة

وفي الورقةِ كلاماً غير مفهوم

وفي الكأسِ شمساً وثلجاً

وزلّاجاتٍ تجرُّها غِزْلان

ولكنّني أيضا

أبحث

دَوَّرْ مْعاي

  • “سوريين يا أخي”
  • “وأنا أيضا”.          

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply