سماح هدايا: أثقل من البحر

كنت في رحلة عودة إلى كندا من الأردن عبر مصر. وكأيّ مسافر، تتوقع أن تقابلك أشياء ليست في الحسبان: أحداث، حوادث، حكايات، لقاءات… ربما تكون عابرة، وربما تغيّر حياتك، أو تأخذك إلى عالم آخر. كثيرا ما صادفت في سفري مثل هذا الأمر، في البر والجوّ والبحر، لكن أن يفتح مقعد في طائرة بابا على خزين من الحكايات والآلام بهذا الزخم، فلم يكن واردا، ولم يكن بالإمكان إغلاقه دون توجّع.

قابلته على متن الطائرة. استأذن بأدب ليجلس في مقعده الأوسط، ثم جلس بعد أن وضع حقيبته في الخزانة، بجوار صديقه الجالس عند النافذة. تبادلا الحديث بلهجة عربية لم أستطع تحديد هويتها بدقة، بدت لي، أوّلها، مزيجا من لهجات. تبادلنا بعض العبارات القصيرة ، ثم اتسع الحديث، فسألته من أيّ بلد هو. قال: أنا سوري… أعيش الآن في مصر مع أسرتي زوجتي وأولادي. ثم توقف لحظة، وكأنه يرتّب أفكاره، وتابع: كنت أعيش في السويد قبل ذلك بعد رحلة عذاب طويلة في البحر، نجوت منها بمعجزة. أنا الآن في مصر ، وقد تركت السويد، ذلك البلد الذي قبلني لاجئا، خوفا على أولادي وأسرتي في الغربة من ضياع الهوية.

عرّفته بنفسي، وأننا نتقاسم جزءا من الهوية، فلم يعد الحديث عابرا. وخرجنا من إطار الرسمية والمجاملة، وسألته عن رحلته إلى السويد وعن أسرته. لكنْ، رحلته لم تكن حكاية سفر، ولا قصة هجرة بمتاعب معقولة، بل كانت مخاض حياة… صراعا شرساً بين ضفتي موت. وأخذ يسرد أمامي قصة النجاة. كان يروي حكايته كأنه يعيشها الآن. وعلى الرغم من هدوء صوته ووجهه، بدت ملامحه تحمل ألما باطناً . كأنّه يستحضر التفاصيل من ذاكرة مثقلة بالتّعب..وكأنّي أحسست بنار تكويه تخرج من صوته… نار من رأى الموت ونجا منه بمعجزة، ومازال يخشى أن يتكرر.

هي رحلة قوارب الموت، وإجرام المجرمين المهرّبين الذين لا يبالون بمصير الناس، ويستسهلون قتلهم من أجل المال. يديرون عمليات التهريب ويتاجرون بأرواح الناس ويلقونهم في مهالك بحرٍ كان بريئا من الجريمة ثم تورّط فيها من دون أن يدري. يستغلون بشرا ضعفاء هربوا من المأساة بحثاً عن أمانٍ فوجدوا الفاجعة.

سافر وحده، ولم تذهب معه أخته التي كانت برفقته حتى وصل شاطيءالبحر، ولا زوجته التي تركها مع بناته هناك، على أن يحضرها لاحقا بعد أن يصل المنفى ويرتّب لها وللبنات اللجوء الآمن. . أرسلت أخته معه طفلها لينجو من مأساة الحرب، أعطته فلذة كبدها، لكي يحظى بالأمان هناك، ويجلب لهم فرصة للنجاة. ركب قوارب الموت مع ابن أخته الصغير، من مصر إلى إيطاليا… لم تكن رحلة ولا مغامرة، بل محاولة حياة… طريق بين الموت والموت…بتدبير المهربين الجشعين المجرمين. عاملوهم كالعبيد، وأجبروهم تحت تهديد السلاح على ركوب قارب صغير لا يتسع لكثيرين، وأمروهم بالصمت. وكانوا قد حبسوهم، قبل ذلك، كالحيوانات في أماكن بائسة كالزّرائب، بعيدًا عن عيون الشرطة. وسمعوا، وهم هناك، عن قارب آخر قد غرق وفيه المئات، وتداولت وسائل الإعلام أخباره. وبينما غرق ذلك القارب براكبيه الضعفاء، كانوا هم مجبرين على ركوب البحر والمقامرة بحياتهم. أرادوا أن يرجعوا عن السفر، لكنهم أجبروهم على ركوب البحر، ثم تركوهم وحدهم في وسط المياه العميقة البعيدة ولاذوا بالفرار، فتاه قاربهم في البحر أياما وأياما، بين العواصف والأنواء، يواجه، بضآلته وبساطته، مصيره الصعب في المياه الواسعة بين تونس وأيطاليا…

ندم، وهو في قلب الدّاهية والبلاء، لأنه وافق على اصطحاب ابن أخته معه. أخته أودعت قلبها كله معه، حين وضعت ابنها أمانة بين يديه، وقالت له: خذه معك وأنقذ ما تبقى منا. الآن، وهو يراه يقاسي ويتوجع، يخشى عليه الموت غرقا أو عطشا أو ضياعا بلا أهل. ماذا سيقول لها إن فقده؟ كانت دموعها تلاحقه وهو يبحر به بعيدًا. وقد أثاره وضعه السيّء وحالة الطفل المزرية، شفقة أحد الآباء من الجالسين قربه، وخاف على الطفل أن يغيب عن الوعي، فأعطاه قليلًا من الماء في قنينة طفله، فكان يبلل منديلًا ويضعه على شفاه ابن أخته، ويقطر في فمه الجاف قطرات قليلة، وهو يقول بصوت مكسور: أرجوك لا تمت…والطفل يتحسس بلسانه طعم الماء …الماء حولنا كثير ، يحيط بنا من كل مكان، لكنه ماء مالح يزيد العطش ويحرق الفم..الماء الحلو..آه ما أحلاه، لا يعرف قيمته إلا من يكاد يموت من العطش..

البحر غدّار ، هل يلعنه أم يلعن بلاده أم يلعن نفسه.. ..قال: رحت أصرخ بصوت مخنوق: هل سأنجو. هل سأحيا لأرى بناتي الصغيرات وزوجتي.. سألت نفسي بحرقة هل سأعود لهنّ؟ وناديت: يا الله تعبتُ..أمتني أو ساعدني على النجاة.

في عرض البحر، والأمواج تتلاطم، ولججُ وظلمة، ودويّ الريح مخيف، صار خبر غرق القارب الآخر الذي كان خرج قبلهم يقل مئات المهاجرين، يزيد خوفهم، ..وصاروا بين الحقيقة والخيال يرون في ظلمة الماء جثثا طافية فوق الماء، فيقتلهم الخوف من الغرق..بل تحوّل الخوف من إحساس إلى شبح يسير بينهم ويدب الذعر في قلوبهم … حتى صار كل واحد ينتظر بذعر دوره في الموت، الذي يبدو ألا نجاو منه الآن…لا يعرفون هل يبكون أم يغضبون..، هل يستسلمون ويرتاحون، أم يقاومون بأجسادهم التي أثقلها الجفاف وعناء التيه، هل يلقون بأنفسهم في البحر حتى يبتلع ألمهم وخوفهم، أم يعلقون أبصارهم على أمل بالنجاة وإيمان بمعجزة…

قال: في تلك الليلة وبعدها، وفي الليلة التي بعدها، كان البحر أسود حالكاً… أسود مرعباً. ليس لونه فحسب، بل صوته أيضاً. كأن الظلام نفسه قد تحوّل إلى أمواج سوادء ورياح سوداء وشياطين …وبالكاد كنا نشرب من ماء المطر المالح حتى لا نموت.. المطر يهطل مع الريح، وكل منا يحاول ان يشرب وأن يحتفظ بالمطر…لكنْ، في الليل حتى المطر أسود وبارد ، وقعه قاسٍ على الوجوه مثل الرصاص… حين لا ترى إلا السواد، يتحوّل البحر إلى كائن وحشيّ، مثل أفلام الكوارث، شيء آخر. ربما جهنم..عذاب لا نهاية له، جحيم بلا معالم واضحة سوى الرعب. أمواج ترتفع، أمواج تنخفض، ودوي لا يتوقّف؛ كأن العالم بأسره قد تحوّل إلى معركة ماء غاضب. ..كل شيء يوحي بالموت والنهاية..لكن ليس على الأرض، بل في الماء الأجاج، .ويالها من ميتة..فيها الخنق وفيها الاحتراق وفيها التجمّد من البرد. ولم أتوقف عن الصلاة طلبا لرحمة الله..

كان هناك امرأة مسنة، على رغم ضعفها، كانت أكثرنا ثباتا وصبرا وشجاعة. كلما اشتد الخوف، قالت بصوت هادئ: اصبروا… الفرج قريب. سننجو. كانت متمسكة بخشب القارب، حريصة ألا تفلت يدها وتقع في الماء ويسحبها الموج الذي يمور، تصلّي وتدعو الله…لا أعرف كيف جاءتها كل هذه العزيمة على الثبات..لكنها كانت نعمة..لأنها قوّننا وحضنت قلوبنا مثل أم، وجعلتنا نهدأ قليلا ونخشع في لحظات انهيارنا، لجبروت القدر، ونستعيد طقس الرّجاء…لكن هل من مجيب؟ هل سيأتي اليسر بعد هذا العسر؟

نعم استجاب الله لها ولنا، ولم يتلاش الدعاء ولم نضل طريق الصلاة… وجاء الخلاص… بعد صراع طويل ، حين رآنا مركب صيادين تونسيينن، ونحن في المياه بين تونس وإيطاليا .. حاولوا مساعدتنا، أرسلوا استغاثة للإيطاليين الأقرب لنا.. ثم اقتربت قوارب الصيادين وقوارب الإنقاذ ، وحجزت عنا الأمواج وسحبتنا نحو اليابسة، نحو شاطيء الأمان ..نحو الأرض الإيطالية التي أُنقِذنا إليها، وامتدت سواعد غريبة قوية، وسط الجلبة والصراخ وغياب الوعي، لتحمينا من بعد خوف شديد ، وتنشلنا لا حول لنا ولا قوّة من فم البحر الغاضب وتسحبنا من تيار عواصفه قبل الغرق أو قبل تيهٍ جديد.

فجأة، قطعتُ، أنا بلهفتي، حديثه، وقلبي مضطربٌ، محبوسةٌ أنفاسُه من التّوتر، وسريعة دقّاته..وسألته: يعني وصلتم أحياء من دون أن يغرق أحد منكم؟

أجاب: كان الوصول إلى الشاطئ معجزة بعد تيه طويل وأمل كاد يسحقه اليأس. لم أكن الوحيد المصدوم المضطرب غير المصدّق، كلّهم نزلوا مترنحين كالسكرى، لم تحملهم أرجلهم، فسقطوا على الرمل، وتدحرج بعضهم من التعب، ثم انفجروا بالبكاء والصراخ كالأطفال… تشبثوا بالرمل، ناموا على الأرض كأنها أمانهم الذي يكتشفونه لأول مرة. منظر أبكى الواقفين والمنقذين..أطفال، نساء، عجائز، شباب..وجلود شوّهها برد الليل الشديد وحرقة الشمس الحارة ..والكل عطشان وممنوع عليه أن يشرب إلا رشفات من الماء…..لكنني شربت وكادت معدتي أن تتمزّقمن الألم، مثلما كاد أنين الدم يتفجّر من أعماق جلدي وجلودهم الجافة التي التصقت بملحها وبردها وحريقها تحت الثياب الممزقة. قال أنّه حاول إنكار الحقيقة الجديدة، خوفا من صدمة الوهم، ولم يصدق، في بداية الأمر ّأنّه نجا، أنّه حيّ، وأن ابن أخته هادي حيّ…هل هي الهلوسة بفعل العطش والجوع أم الحقيقة؟… كأنها معجزة…استقبلتهم سيارات الإسعاف والمنظمات الإنسانيّة والشرطة…وانتهى الكابوس الذي جثم على الصدور أياما طويلة.

وفي مكان بعيد، كانت أمه تعيش قلقًا مرعبًا. حين سمعت خبر غرق قارب للاجئين، ثمّ انقطعت أخباره عنها؛ فلم تكن تعرف إن كان ميتا، ومن بين الضحايا أم، حيّاً من الناجين. لم تنم أياما، تنتظر خبرا. تقطع الغرفة من نافذة لنافذة..كأن في الطريق الخبر اليقين. وحين سمعت صوته على الهاتف، انصدمت ثم صرخت كمن أصابه مس من الجنون، وبكت من صدمتها وبهجتها، امتزج الفرح بالغضب بالألم بالشكر…كانت أسرته كلها على سطح نار ..زوجته بناته، أخته…عالمه الصغير كلّه..وهو كل شيء له…

استعاد أنفاسه على اليابسة، مستعدا لرحلة أخرى، لا تقلّ مشقة، لكنها أسهل وأقل اضطرابا وخطراً من عبور البحر وركوب أمواجه المظلمة. مكث في إيطاليا فترة، وسط مخيمات الانتظار ثم بدأ رحلة لجوء جديدة.صعبة، لكنْ، بلا أمواج ومياه غاضبة، وصولاً حتى السويد، واستقرّ هناك.. ثمّ عادت إليه أسرته، إلى منفاه الغريب الآمن، من وطن محروق حرّاق، واستقّروا معاً، ليبدأوا رحلة جديدة وفصل حياة جديد.صراعا من من أجل الوجود.

فسألتُه، وقد شعرتُ براحةٍ كبيرة ، كمن تخفّف من حملٍ ثقيل أرهقه، أحاول تهدئة النفس وتسكينها وتفريغ الشحنة العاطفيّة القادمة من بحر بعيد: هل تخاف البحر الآن؟ نعم… ظل يخاف البحر ويخاف الماء…ويخشى ركوب البحر…فالصدمة حفرت عميقاً في ذاكرته وقلبه وأحاسيسه. حاول أن يقاوم ويقاوم، لكنّه اضطر مرة ثانية، كنزهة، لركوب الماء سريعا..ولم يكن سهلا عليه…

وقبل أن ينتهي من سرد حكايته..بدأت الطائرة تستعد للهبوط…وراحت النهاية المفرحة لتلك المحنة تلملم خيوط الفرح وتختم الحزن. ووصلت الحكاية إلى برّ الأمان.

حين أعلنوا الوصول، خفَتَت الأضواء قليلًا، وعاد الهدوء وساد الصمت إلا من المحركات…لكنّ صوت حكايته ظل في يدور في سمعي وعقلي .. السرد لم يتوقف..بل استمر … حتى وصلنا….وتوقفت الطائرة ..وعاد الضجيج والصخب…انفتح باب الطائرة لكي يخرج الناس إلى حياتهم.. جمعنا أغراضنا ..وأنزلنا الحقائب بهدوء..فالرحلة انتهت هنا… نعم انتهت ، لكنها لم تنته كلها، فقد حملت معها قلبي بعيدا، إلى ذلك البحر وتلك الرحلة الحقيقيّة، التي تركت في نفسي أثرا قويا عميقا، لا تنساه في المطارات ولا على المقاعد، بل تأخذه معك في قلب ذاكرتك…

ابتسم مراد..نعم اسمه مراد، وهو الذي نال مراده بالوصول ناجيا إلى شاطيء أمانه… ابتسامة خافتة، تخفي تعبا طويلا، وقال: “الحمد لله… وصلنا.” ابتسمت من قلبي… وقلت له، “قصتك غالية جدا..وهي معي أمانة..سلّمت عليه، ووعدته أن أكتب حكايته وأرسلها له. أصرّ أن يدعوني للغداء مع أسرته في القاهرة.. شكرته على كرمه، واعتذرت لأنّ لديّ مشوار يوم طويل أعددت له مسبقا، قبل المجيء.. التفت إليّ، وببساطةٍ خالية من أي تكلّف قال: “إذا احتجت أي شيء في القاهرة هذا رقم هاتفي، أنا أخوك.. كانت دعوة رجل خرج من البحر حيا وكريما.. شكرته جدا على شيءٍ أكبر من الضيافة، على ثقته.

ثمّ ذهب مراد في طريق، وذهبت في طريق آخر، كما يفعل الغرباء، حتى لو صاروا شركاء في حكاية الذاكرة. ونزلتُ من الطائرة، أحمل حقيبتي… وأحمل فيها شيئا أثقل منها. قصة لم تعد تخص رحلة ومقعدين في طائرة، ولا تخص إنسانا واحدا، أو عقلا واحدا، ولا تخصّ شعبا واحدا، بل تخصّ هذا العالم كله، الذي أصبح بحرا للألم .. قصة تحفر ذاكرة لاتنسى، وتوقظ ضميرا لا يموت.

مضيتُ إلى يومي في القاهرة، لكنْ بذهنٍ آخر. فبعض اللقاءات لا يمكن نسيانها، ولا تحدث صدفة.. بل هناك من وضعها في طريقك لتحمل وعيا جديدا ومسؤولية كبيرة. كنت أسير في المدينة، بين أمواج بشر …ووجوهٍ كثيرة، وضجيج، لا أصغي إلا لصوت حكايته يهدر في داخلي..وصورة الناس الخائفة التي تصارع من اجل الحياة لا تغيب عن خيالي..وصورة ابن أخته هادي الخائف العطشان توجع قلبي..حتما هادي أصبح شابا الآن. للأسف نسيت أن أسأله عنه، ونسيت أن أسأله عن المرأة العجوز…ماذا فعلت بعد أن نجت ونجا رفاقها في محنة التيه من الهلاك… أظن انها بدأت حياة جديدة. ثم عدت، بعد يومٍ حافلٍ بالحياة، إلى كندا ومعي الأمانة.

الوعد كان حملا أثقل من البحر… وها أنا أكتب قصته كما فهمتها. فمنذ أن حكاها لي، لم تعد له وحده، بل صارت جزءا من وجداني… وأكتبها لغيري ولوجدان الآخرين…لأنّ الحكايات مكانها الذاكرة لا النسيان… ظلم لها أن تغرق في الغفلة…

لم يعد البحر ، كما كان، …عندي وعند الناجين..ومازلت افكر وأتساءل، ترى من سيكتب قصص الذين غرقوا ولم يستطيعوا ان يحكوا قصتهم؟ كيف شعروا؟ كيف ماتوا؟ وكيف كان ألمهم قبل أن يرتاحوا؟

“الشكر الجزيل لصاحب الحكاية مراد المقيم مع أسرته في القاهرة…شكرا له أنه روى لي حكايته وأنه سمح لي نشرها”

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply