منذ أن صار الكتاب بين أيدينا، بدءًا من ثورة الطباعة ووصولًا إلى الكتب الإلكترونية، ونحن ننتقل من دهشة إلى أخرى، لنقف أخيرًا عند أعتاب ثورة جديدة تخص شرعية الكتابة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
هذا الانعطاف الحاد في مسار الكتابة يتحول يومًا بعد يوم إلى جدل عالمي متصاعد، إذ تتناقل المنصات الثقافية والفكرية والإعلامية المخاوف في أن تتحول الكتابة الآلية من مجرد أداة مساعدة إلى قوة تهدد جوهر الإبداع الإنساني، وربما تسيطر على مصيره.
في كتابه “شات جي بي تي ومسألة خلود الإنسان” يميز الطبيب والمفكر الفرنسي لوران ألكسندر بين الإبداع كإنتاج، حيث تستطيع الآلة توليد نصوص وقصائد وروايات وفق أنماط جمالية، وبين الإبداع كمعنى، ذاك الذي يظل حكرًا على الإنسان لأنه ينبع من الألم والمعاناة والوعي بالحياة والموت، وهي مشاعر لا يملكها الذكاء الاصطناعي حتى الآن على الأقل.
ولو تأملنا قليلًا في تاريخ علاقتنا بالتقنية، سنجد أن قلقنا اليوم أمام الذكاء الاصطناعي ليس جديدًا، فإثر ظهور الطباعة برز قلق مشابه من فقدان قيمة المخطوطات اليدوية، كما شككت الآلة الكاتبة ثم الحاسوب الشخصي يقيننا بجدوى القلم، وجاءت محركات البحث لتختصر طريقًا كان يمر عبر عشرات وربما مئات المراجع، فأثارت جميعها جدالات مشابهة، لكنها في النهاية لم تُلغِ حضور الكاتب، بل وسّعت إمكاناته.

تبقى الأسئلة الأخلاقية والفلسفية والاقتصادية والقانونية تطرح نفسها بقوة: من هو المؤلف في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو الكاتب الذي يوجه النص، ويبدع الفكرة حتى لو استعان بالآلة، أم أن مفهوم المؤلف سيتغير جذريًا أو تدريجيًا ليصبح مشتركًا بين الانسان والآلة، ما يعيدنا إلى التفكير بالهوية الأدبية نفسها!
إلى جانب ذلك يثير الذكاء الاصطناعي مفارقة واضحة فيما يخص تقليص فرص مجالات التحرير والمراجعة والترجمة لنقف أمام معادلة صعبة بين الجدوى وحماية الإبداع… هكذا ما زالت القضية بحاجة إلى تشريعات واضحة تضمن حقوق جميع الأطراف، وتمنع إساءة استخدام التقنية أو تهميش دور الكاتب البشري.
إن غياب التشريعات الواضحة يجعل هذه الأسئلة معلقة، ويترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات إساءة الاستخدام أو تهميش دور الكاتب البشري. وإلى جانب ذلك، يظل البعد المستقبلي مثيرًا للتأمل: هل يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعي يومًا إلى مرحلة الإبداع كمعنى عبر محاكاة المشاعر الإنسانية أو تطوير وعي اصطناعي؟ وإذا حدث ذلك، فهل سنظل نبحث عن النصوص التي تحمل بصمة إنسانية، أم سنقبل نصوصًا آلية باعتبارها جزءًا من تطور التجربة الإنسانية؟
رغم ميلي الشخصي لأن الكتابة بالذكاء الاصطناعي مهما بلغت قوتها، تظل بحاجة إلى لمسة إنسانية لتكتمل، فالنص الذي يثير مشاعري لا يفعل ذلك إلا حين أربطه بتجربتي الخاصة، مما يثبت أن الإبداع لا ينفصل عن السياق الإنساني.
لعل قبولنا لهذه الحقيقة سيجعلنا أكثر قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، لا كبديل عن الإنسان، بل كشريك يفتح أمامنا أبوابًا جديدة من الخيال والابتكار؛ شريك يشبه صديقًا نطلعه على المسودة فيساعدنا بعينه اليقظة، دون أن يلغي مساحة بصمتنا الخاصة، تلك التي لا يمكن أن تستنسخ، فالنص الإنساني يحمل مزيجًا من الذاكرة والخوف والرجاء والسؤال والتوقع، ما يجعله حيًا وليس مجرد عبارات وتراكيب لغوية، ومع ما نحمله من ذاكرة وتجربة ووعي يمكننا أن نضمن بقاء الكتابة كفعل إنساني في جوهرها، حتى ونحن نفتح أبواب المستقبل على مصراعيه.
سوزان خواتمي. قاصة وروائية سورية
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply