فيما يشهده العالم من حروب عصيبة رهيبة، تكوي حممها سطح هذه الأرض، وتُخاض معاركها عليها ومن أعالي السماء بالطائرات والصواريخ والأسلحة الأشد فتكًا، والأكثر تطورًا مما توصل إليه العلم. وفوق ذلك، يتم تطويع وسائل الإعلام لتخدم آلة الحرب، وتتحول بدورها إلى سلاح يفتك بالعقل وبالنفس، ليكون الفتك أوسع بكثير من مداه الطبيعي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الفن، بقصد إعادة التوازن للكائن الإنساني، الواقف دائمًا في مواجهة الخوف والرعب، يتنقّل بين الشر والخير، وبين حالات الجنون والعقل. وبوصف الفن أداة عقل قبل أي شيء، يمكن أن يكون أداة لمحاصرة جنون الحرب، ويمكن للوحة التشكيلية، والرواية، والمسرح، والعزف، والغناء أن تقول “لا” للآلة العسكرية، و”لا” للشر وللحرب.
فالمعركة لم تعد بين ملوك وملوك، ولا بين جيوش وجيوش، ولا حكومات وحكومات، إنما هي حروب الكل ضد الكل؛ حروب بين الفرد وذاته، وبين نظيره، وبين الجماعات والجماعات، والقوميات والقوميات، والأحزاب والأحزاب، والمعتقدات والمعتقدات، وبين السرديات المتنازع على سحر ما تحمله من تبريرات ومزاعم، توحي لصاحبها أنه الأحق.

إنه صراع بين من يريد أن يمحو هوية الإنسانية من الإنسان لأجل نفسه، ومن يريد الاحتفاظ بهذه الهوية، على الأقل لنفسه، ويشتهيها أيضًا لدى غيره. ومن هنا يغدو سحر الفن وسره التواق دائمًا إلى الحياة، كأدة في معركة وجودية، يخوضها من يحلمون بالسلام والأمان، في وجه من يخططون للقتل والموت. الفريق الثاني يبقى ضئيلًا في تعداده، ولا يكاد يتجاوز نقطة في البحر البشري، البالغ تعداد أفراده نحو تسعة مليارات. وجل هؤلاء قد سئموا من الحرب والقتل والجوع والتشرد والموت، ويريدون العيش بكرامة وسلام، أما جماعة “النقطة في البحر” فلا يبدو أنهم يحسبون حساب ذلك إلا لأنفسهم. صحيح أنهم يمتلكون عصب الاقتصاد العالمي ويتحكمون به. وتأثيرهم يبقى حتى الآن هو الأقوى في تغيير مسار الإنسان، لكن تبقى الآلة الموسيقية بيد الناس أكثر تأثيرًا من آلة الرشاش؛ فالأخيرة تعدم وتقتل وتمحو الذكريات، بينما الآلة الموسيقية تبني وتحيي وتغرد بالأحلام والمشاعر والذكريات. هناك فناء، وهنا استمرار وحياة. وكم يحتاج شرقنا المثقل بالحروب والجراح إلى دفقات من الحياة، وها هو لبنان الحبيب يُقصف الآن، وفلسطين، وإيران، والعراق، ودول الخليج، وسورية قصفت وعانت مرات ومرات. والعالم بأثره يكاد يقف على كفّ عفريت، ولا شك أن عين الإنسانية ترى الآن بشكل أوضح كما لم ترى من قبل، كيف تطحنها الحروب، ولا تحقق أي نصر، بل تكاد تدمر كل ما أنجزته من علوم واكتشافات واختراعات ورفاه وسعادة، ولا تبقي على شيء. ولا يسلم منها حتى من أعدها للبطش بالخصم؛ فالجميع يخاف الأسلحة ويرهبها، ويرهب تجربة استخدامها على ذاته، ودائمًا ما تُجرّب على الغير. ورغم هذا الحذر والخوف منها، تظل تفتك بالجميع.
وأمام حقيقة البشرية التي تتوق إلى المضي نحو عالم أرحب وأكثر أمنًا وجمالًا وبقاءً. وفي ظل الحروب والخراب والأهوال والمجاعات، يصبح السؤال عن الفنون، في لحظة افتقار الناس إليها، حاجةً ضرورية لا مفر منها، حتى أن الإنسان، ودون أن يعي ذلك، يحتاج أحيانًا للفن كاحتياجه لرغيف الخبز والماء.
إذ يكمن سرّ الفنون في أن الإنسان يتفاعل معها إلى حد أبعد بكثير مما نتخيل، فهي تفتح له نوافذ على آفاق أوسع مما تتيحه نوافذ الحياة. تفعل ذلك دون أن تمارس معه أي خصام؛ فاللوحة التشكيلية على سبيل المثال، تدفعنا للحديث معها ومع أنفسنا في آن واحد، بينما تبقى هي صامتة، لا تعارض ولا تحارب ولا تصادر، وفي صمتها وسلمها تقول وتفعل بنا الكثير. هي ماهرة في سردها؛ تتركنا نتأملها، وهي تصغي إلينا، تاركةً لنا حرية أن نقول ما رأينا فيها، والمضي إلى ما تسوقنا إليه أفكارنا. ويستحيل أن تخالفنا أو تعارضنا في شيء، بل تسلم علينا بصمت حين نمضي ونتركها، وكأنها مدركة لطبيعة العقل الإنساني الذي لا يستقر على شيء.
وفي هذه اللحظة المشتعلة بالحروب، وما يتعرض له لبنان الشقيق من أحداث عاصفة وتشريد ونزوج وقتل، أجدني أتأمل لوحة “الأم والطفلة” للفنان التشكيلي اللبناني مصطفى فروخ (1901–1957)، الذي عاش في زمنٍ انتقل فيه لبنان من الإمبراطورية العثمانية إلى الانتداب الفرنسي ثم إلى الاستقلال، في وضع معقد ومليء بالتحولات السياسية والاجتماعية.
وهذا التحول يفسر لماذا حمل فنه دائمًا توترًا بين الواقع القاسي والحلم، بين الذاكرة والهوية، وهو ما يظهر بوضوح في لوحة “الأم والطفلة”. ورغم أنه لا يوجد تاريخ دقيق وموثق يحدد سنة رسمها، فإن أسلوبها الفني يرجح أنها رسمت في خمسينيات القرن العشرين، أي في الفترة التي بلغ فيها فروخ ذروة تجربته الفنية، بعد عودته من أوروبا واستقراره في لبنان، فراح يرسم في لوحاته حلمًا تلو الحلم… وهل يكذب رسم الحلم؟ لا، بالطبع. فرغم كل ما مر على لبنان من مآسٍ وحروب، ظل الحلم يرافق أعماله، وظهر ذلك واضحًا في هذه اللوحة، حيث تنشغل الأم وابنتها بحياكة صورة الوطن، وإعادة تشكيله عبر حياكتهما للعلم…
وكأن اللوحة مرسومة داخل اللوحة، والحلم داخل الحلم، يتراءى للناظر في العمق نافذة مغطاة بستارة، تميل الرؤية فيها إلى عتمة لا نعرف: أهي عند مفارقة ليل أم قدومه؟ وكأننا لسنا أمام نافذة انتظار، بل أمام جدار مسدود بأطر من الحديد، لكن وجه الأم المتفائل يخفف من وطأة هذا الإغلاق، ويفتح أفقًا مغايرًا، وكذلك ملامح الطفلة المرحة. وانسياب خارطة الوطن بين يديها ويدي الأم يشير إلى رؤية جديدة توشك أن تضيء الظل، وتفتح الستارة عن النافذة، والنافذة على الصبح، مبشّرة بأن هناك دائمًا من يرث الحلم.
وإذا ما ذهبنا أبعد قليلًا في قراءة اللوحة، نجد أنفسنا أمام كائنين أنثويين طالما رمزا للحنان والحب، وغابا عن ماكينة القتل والحرب، ليُعاد من خلالهما تشكيل الوطن. وإذا ما حدقنا أكثر في المكان الذي يجري فيه المشهد، نجده السرير؛ مكان السكينة والراحة والولادة. تبدو الأم مرتاحة في جلستها، تبسط قدميها بعفوية واسترخاء، وتعانق يداها إبرة وخيوطًا ناعمة، لكنها من تلك الخيوط تحيك شيئًا كبيرًا وعظيمًا: الوطن.
والطفلة تجلس قبالتها، وكأنها امتداد لها، تشاركها في حياكة العلم اللبناني. وهذا العلم لا يظهر على قماشة مبسوطة، بل على نسيج متعرج يبدو كأنه يحمل في رحمه حملًا ينبئ بولادة جديدة. والألوان الترابية والبرتقالية للوسائد والفراش تعيدنا إلى دفء الأرض ومعجزة التراب.
وإن كان وجه الأم أكثر وضوحًا في ملامحه، ويحمل السكينة والسرور، فإن وجه الطفلة، وإن لم يكن بمثل ذلك الوضوح، يسافر مع الناظر إليه في رحلة واسعة، ملؤها الفرح والأمل والمتخيل. ولون ثوب الأم البنفسجي، وثوب الطفلة الأزرق الفاتح، يتناغمان مع ألوان الأزهار، فاتحين بابًا أوسع على الحلم، ذلك الحلم الذي يورث للأجيال المتعاقبة. وها هو شكسبير قد مثّل في مسرحياته «ماكبث» و«ريتشارد» و«هاملت» و«الملك لير»، وغيرها، ما كان يرتكب من مجازر وحروب في دهاليز الحياة وخلف جدران القصور. ورغم كل الجرائم التي أقدم عليها ريتشارد، ورغم عنف وقسوة ما تم تمثيله، لم ترتكب أي جريمة في الواقع؛ إنما وقف المشاهد أمام تلك الشخصيات ليرى ذاته أكثر، ويتعرف إلى جوانب شروره، وما يمكن أن تفعله بالنفس وبالغير.
فكما جسد مصطفى فروخ في لوحته الحلم، وإلى أي جمال يمضي، جسد شكسبير في مسرحه العنف والغدر والحروب، وإلى أي شقاء وقبح تمضي بالإنسان. ليعيد تمثيل ما فعلته الحروب، وكيف أهلكت مصير الإنسان، يعيد تقديمها في المسرح كما في اللوحة التشكيلية، عند بابلو بيكاسو أيضًا، ولا سيما في لوحته الشهيرة “غيرنيكا”، التي صور فيها رعب القصف والدمار خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ليظهر مدى فداح الحرب.
لقد باتت حاجة الإنسان إلى الفن في هذا العصر كحاجة من يتعرف إلى ذاته للمرة الأولى، ولكن ليس كما حدث مع نرسيس في الأسطورة، حين رأى انعكاس صورته في الماء فافتتن بجماله إلى حد النرجسية، إلى أن حل به الهلاك، فإن الإنسانية اليوم تحتاج إلى أن تنظر إلى ذاتها في المرآة لترى ما أضحت عليه من بشاعة وتخرج من تلك النرجسية والعماء.
وربما لهذا، أكثر ما تتوق إليه المسارح ودور السينما واللوحات والفنون، في الحروب، أن تنفتح أبوابها على مصراعيها لتحتضن جميع الناس، والبحث معهم عمن يحررهم من البشاعة التي وصلوا إليها، وعن الأدوات والوسائل والإمكانيات لبناء وعي جديد عساه يحمل معه السلام والأمان والجمال لهذه الحياة.
أمان وسلام على لبنان الحبيب، وعلى سوريا المثخنة بالجراح، وعلى فلسطين، والخليج، وإيران، وأمريكا، وعموم أرجاء هذه الأرض.
ضاهر عيطة. روائي سوري
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply