أحمد سليم عوض: فنّ الاستدارة في الأدب العربي.. قراءة بلاغية في مفهوم جمالي مهمل

ليست البلاغة العربية زينةً لفظية ولا صنعةً شكلية، وإنما هي وعي دقيق ببنية الخطاب، وكيفية تشكل المعنى، ومسار انتقاله من ذهن المبدع إلى وجدان المتلقي. ومن بين الفنون البلاغية التي تكشف عن هذا الوعي العميق ما يُعرف بفن الاستدارة، ذلك النسق التعبيري الذي يقوم على إحكام الدائرة المعنوية، وربط أول الكلام بآخره، بحيث تبدأ الفكرة من مدخل محدد، ثم تنبسط في مسارها، قبل أن تعود لتغلق على معناها في خاتمة محكمة، وقد ظل هذا الفن حاضرًا في النصوص العربية، شعرًا ونثرًا، منذ أقدم العصور، غير أن الدرس النقدي لم يمنحه ما يستحقه من تقعيد وتحليل مستقل، الأمر الذي جعله من المفاهيم البلاغية التي تجمع بين القِدم في الممارسة، والحداثة في الاصطلاح.

مفهوم الاستدارة بين اللغة والاصطلاح

يدل لفظ «الاستدارة» في معناه اللغوي على الالتفاف والاكتمال والعودة إلى نقطة البدء، وهو معنى ينسجم انسجامًا تامًا مع طبيعة هذا الفن في استعماله الأدبي، والاستدارة من الجذر اللغوي (دور) ومعناها ”من الطواف حول الشيء، إذا عاد إلى الموضع الذي بدأ منه” وقد وردت في خطبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: “إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض“، بمعنى عودة الزمان إلى نقطة البداية التي بدأ منها الخلق، أما في الاصطلاح البلاغي الحديث، فيمكن تعريف الاستدارة بأنها: بنية تعبيرية تتألف من جملة كبرى، تحتوي بين ركنيها جُمَلًا وسطى، بحيث يرتبط صدر الكلام بعجزه، وتغدو الخاتمة امتدادًا دلاليًا للمقدمة، أو جوابًا لها، أو توكيدًا لمعناها.

وقد نبّه عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الاعجاز إلى أهمية إحكام الصلة بين أجزاء الكلام، وعدّ ذلك شرطًا في تمام الدلالة وبلاغة الأسلوب، إذ يقول إن المعنى لا يُستوفى إلا إذا “وقع آخر الكلام موقعه من أوله” وهذا التصور يقترب كثيرًا من جوهر الاستدارة بوصفها بناءً دائريًا للمعنى.

جذور الاستدارة في التراث البلاغي العربي

على الرغم من حداثة مصطلح الاستدارة، فإن جذوره ضاربة في عمق التراث البلاغي العربي. فقد عرف البلاغيون القدامى أنماطًا أسلوبية تقوم على هذا النسق، وإن لم يطلقوا عليها الاسم ذاته، ومن ذلك ما أشار إليه أسامة بن منقذ في كتابه البديع في نقد الشعر في حديثه عن أسلوب النفي والجحود، حيث يبدأ الكلام بصيغة، ثم يمتد في تفصيل المعنى، قبل أن يعود في نهايته ليغلق الدائرة الدلالية، كما تناول ابن أبي الإصبع في كتابه “تحرير التحبير أسلوب التفريع” الجزء الثاني فن الاستدارة الذي يبدأ بـ «ما» واسمها، ثم يُبسط المعنى عبر صفات وجمل متوسطة، قبل أن يُختَم بخبرها منفيًا بـ«ما»، وهو بناء استداري واضح. أما في النقد الحديث، فيُعد الأستاذ أحمد حسن الزيات من أوائل من نبهوا إلى القيمة الجمالية لهذا النسق، حين تحدث في كتابه “دفاع عن البلاغة” عن جمال إحكام الدائرة التعبيرية وربط أطراف الكلام بما يحقق الاكتمال الفني.

الاستدارة بين الشعر والنثر

لم يكن فن الاستدارة حكرًا على جنس أدبي واحد، بل حضر في الشعر والنثر، بل وفي النص القرآني الكريم، الذي يمثل الذروة العليا للبيان العربي. ففي الشعر، أتاحت الاستدارة للشاعر أن يبسط صورته، ويستغرق في تفصيل عناصرها، ثم يعود ليغلق الدائرة على معنى مكثف بالغ الأثر. أما في النثر، فقد أسهمت في إحكام الفقرة وربط عناصرها الفكرية والوجدانية ربطًا عضويًا متماسكًا، وقد شاع هذا الفن في الشعر الجاهلي والمخضرم، فنجده عند الأعشى، والنابغة الذبياني، وأوس بن حجر، وعنترة بن شداد، والخنساء، وغيرهم من كبار شعراء العربية، وهو ما يدل على رسوخ هذا النسق في الذائقة الفنية العربية منذ وقت مبكر، كما أشار شوقي ضيف في حديثه عن تطور البناء الفني في الشعر العربي في كتابه البلاغة تطور وتاريخ.

أنماط الاستدارة في الأدب العربي

يمكن رد صور الاستدارة في الأدب العربي إلى أربعة أنماط رئيسة: الاستدارة في معرض المساواة، الاستدارة في معرض التوكيد، الاستدارة بحدَّي المبتدأ والخبر، الاستدارة بحدَّي الشرط والجواب، وتختلف هذه الأنماط في صيغها، غير أنها تشترك جميعًا في تحقيق وحدة بنائية محكمة، تجعل النص يبدو كائنًا حيًا، يبدأ وينمو ثم يكتمل. 

تُعد الاستدارة في معرض المساواة من أرقى صور هذا الفن، إذ تقوم على تشبيه غير مباشر، يُعرض في قالب استداري، يُفصِّل فيه الشاعر صفات المشبَّه به، ثم يدّعي المساواة بينه وبين المشبَّه. ومن أبرز أمثلتها قول الأعشى الكبير في مدح قيس بن معدٍّ بالتقوى والزهد، وهو مدح نادر في الشعر الجاهلي:

وما آبلى على هيكلٍ بناه وصلَّب فيه وصارا

يراوح من صلواتِ المليــكِ طورًا سجودًا وطورًا جوارا

بأعظمَ منه تقى في الحساب إذا النسماتُ نفضن الغبارا

والأبيات من البحر الطويل، ووزنها سليم، وروايتها ثابتة في ديوان الأعشى الكبير (شرح محمد حسين)، ويبدأ الشاعر الاستدارة بـ«ما»، ثم ينسج صورة الراهب المنقطع للعبادة، قبل أن يُغلق الدائرة في البيت الأخير بادعاء أن ممدوحه أعظم تقوى من هذا الراهب، وقد أتاح له هذا النسق أن يحقق أثرًا أبلغ مما لو لجأ إلى تشبيه مباشر، إذ جعل المتلقي يعيش الصورة ويتفاعل مع تفاصيلها، قبل أن يصل إلى ذروة المعنى، كما أشار عبد القادر حسين في تحليله للبنية التصويرية في البلاغة العربية  في كتابه “البلاغة العربية: أصولها ووظائفها”.

القيمة الفنية والجمالية للاستدارة

تكمن أهمية فن الاستدارة في قدرته على ترسيخ المعنى في الذهن، وتيسير الفهم، لما يتيحه من تدرج وتقسيم، كما يثير شوق المتلقي، ويمتع وجدانه، لارتباط النفس البشرية باكتمال الصورة وانغلاق الدائرة. وهو يسمح بطول النفس وبسط الفكرة دون ترهل، فيمنح الأديب مساحة لتفصيل المعنى وإثرائه، وربط عناصر قد تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تلتقي في النهاية عند غاية واحدة، ولهذا ارتبطت الاستدارة غالبًا بانبساط الفكرة في الذهن، أو بتكوّن صورة شعورية تستدعي زمنًا للتشكّل، قبل أن تستقر في خاتمة جامعة، وهو ما يجعلها فنًا ملائمًا للتجارب الشعورية المركبة.

دواعي استخدام الاستدارة

تتعدد الدواعي التي تحفّز الأديب على اختيار فن الاستدارة، من أبرزها: الرغبة في الإحاطة بالمعنى من جميع جوانبه، الاستجابة لموقف شعوري ممتد يحتاج إلى بسط وتدرج، السعي إلى تحقيق تأثير نفسي أعمق لدى المتلقي، الحاجة إلى إحكام البناء النصي وربط أجزائه ربطًا عضويًا، ومن ثمّ، لا تُعد الاستدارة مجرد حيلة أسلوبية، بل تعبيرًا عن وعي فني بطبيعة التجربة، وكيفية تمثيلها لغويًا.

يمكن القول إن فن الاستدارة يمثل أحد المفاهيم البلاغية التي تكشف عن عبقرية البيان العربي، وقدرته على ابتكار أنساق تعبيرية تجمع بين الجمال والوظيفة، ورغم رسوخ هذا الفن في النصوص القديمة، فإن النقد الحديث لم يمنحه ما يستحقه من عناية، الأمر الذي يفتح المجال أمام إعادة قراءته، والكشف عن طاقاته الجمالية، وإدماجه في الدرس البلاغي المعاصر بوصفه فنًا أصيلًا لا غنى عنه في فهم بنية الخطاب العربي.

د. أحمد سليم عوض. باحث مصري
مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply