(لا يُربكنّكِ التقسيم أدناه، هو صوتٌ واحد، صوتُكِ!)
من أنتِ؟
هنا، لا يهمّ مَن أنا. وحدكِ هنا؟ معي أنتِ.
والظلام؟ ما بهِ؟ لا ينتهي؟ إلاّ إذا انتهينا نحنُ.
أينَ أنا؟ هنا. ما هو هذا “الهُنا”؟ ستكتشفينهُ بنفسكِ.
كيف ومع هذا الظلام؟ الظلام لا يُعيق الإدراك. لا أتذكر كيف وصلتُ إلى هنا. مثلما وصلنا جميعًا. أنا لا أعرف كيفَ وصلتُ إلى هنا. ستعرفين قريبًا عندما تتذكرين.
ولكنّي أريدُ أن أعود إلى بيتي. يجب أن تتذكّري كي تعودي إلى هنا.
لا أفهم، كيف أعود إلى هنا قبل أن أكون حيث كُنت؟ ما دمتِ وصلتِ إلى هنا فلن يكون “هناك”.
إذن لماذا تقولين أعود إلى هنا؟ أنتِ الآن لستِ هنا تمامًا، أنتِ في الطريق إلى هنا.
تقصدين أنّ الطريق إلى هنا هي هنا تقريبًا؟ نعم تقريبًا.
لكنّي لم أخرج من مكاني هناك! بل خرجتِ ولكنّكِ وافدة جديدة.
أنا وافدة جديدة؟ نعم.
أريد أن أفهم. تفهمين ماذا؟ لماذا أنا هنا؟
تسألين عن أسباب؟ ليست عندنا بل عندهم. مَن هم؟ مَن أرسلونا إلى هنا.
إذن هم يعرفون هنا؟ سمعوا عنه فقط.
تقصدين هم مَن سيعيدنا إلى حيثُ كُنّا؟ أرجو ألاّ تكوني جديّة في افتراضكِ هذا.
ألم تقولي إنّ هناك مَن أرسلنا إلى هنا؟ نعم، لم أقُل إنه أرسلكِ في مهمّة ثمّ حين تنتهي سيسحبكِ من هنا.
مَن منكنّ تعرف طريق العودة؟ لا طريق لنعرفه.
من يُدير المكان؟ أيّ مكان؟ هذا الذي نحن فيه. إنكِ تتظاهرين بعدم المعرفة.
أنا صدقًا لا أعرف الكثير عن هذا المكان. بل تعرفين. ماذا ترى عيناكِ؟
قلتُ حينما وصلتُ إنّ المكان مظلم، مظلمٌ كثيرًا. وماذا يقول لكِ هذا الظلام؟ الظلام الكثير؟
لقد كان أخي معي، الآن تذكرت. جيّد، هذه بداية الإدراك.
كان غاضبًا مني. مؤكد. غاضبًا جدًا. كلّهم كذلك.
قال كلامًا غريبًا عني. جيّد أنه قال، بعضهم لا يقولون شيئًا.
مَن تقصدين؟ مَن نراهم قبل أن نصل إلى هنا. لم أفهم. ستفهمين.
متى وصلتِ هنا؟ قبلكِ. لهذا تملكين الصبر على أسئلتي؟
ستنتهي بعد زمن. صبركِ؟ وأسئلتكِ.
وماذا بعد؟ بعد ماذا؟ أن تنتهي الأسئلة والصبر. تصل واحدة جديدة.
كل يوم؟ لم يتوقف المجيء، هذا ما أعرفه.
والزيارات؟ أقصد مَن يزوركنّ هنا؟ مَن يفتقدنا.
هل الجميع صديقات هنا؟ لا أعرف ما تقصدينه. يعني أنكِ تفضلين واحدة عن الأخرى.
لا فرق بين الواحدة والأخرى. هل أشبه الأخريات؟
هنا لا قيمة للشبه أو الاختلاف. ولكنّي وصلتُ قبل قليل.
هذا القليل لم يعد قليلًا. كيف يمضي الوقت هنا؟
يمضي كما تقولين. ماذا تقصدين؟ لا يشغلنا الوقت، وهو غير منشغل بنا.
ماذا يشغلكنّ؟ ليس ما كان يشغلنا قبل أن نصل إلى هنا.
لماذا وحدي مَن أسألكِ؟ لم تسأليني عن شيء.
وماذا سأفعل بالإجابة؟ أليس السؤال محرّكًا وجوديًا؟ لهذا لا نحتاج أن نسأل هنا.
أظنّ أنني قتلتُ أخي. تقصدين قتلكِ.
لم أمُت، هو مَن مات. تخرّفين.
بل هو مَن مات، ما زال دمه على ملابسي. هذا دمكِ.
لا لم أمُت، جُرحتُ وأنا أدافع عن عنقي. سبقكِ إليه.
إلى عنقي؟ نعم، إلى نحركِ.
لم أمتْ، أنا حيّة، هذه يدي وهذا رأسي. بعد قليل ستترككِ.
لا، صدّقيني أنا أشعر بألم جرحي، هل يشعر الموتى بالألم؟ في الأيام الأولى، نعم.
لستُ ميّتة! هنا مكان “الذبيحات”، هل يجب أن أقولها كي تفهمي؟
تقصدين أنه ذبحني؟ وصوتي، أسمعه وتسمعينه!
لا يسمعه غيرنا، هل فهمتِ؟ حتى وإن صرختِ؟
لا أنصحكِ بذلك، ستخيفين الوافدة الجديدة.
أين هي؟ ستأتي قريبًا حتمًا. مَن سيستقبلها؟
حان دوركِ لاستقبالها. ماذا عليّ أن أفعل؟
لا شيء، ستسأل وستجيبين. لماذا لا تفعلين أنتِ ذلك؟
أنا سأذهب. إلى أين أنتِ ذاهبة؟
لقد انتهوا من غسلي وتكفيني وهم في طريقهم إلى المقبرة.
ستنتظرينهم هناك؟ لا، بل سأمشي معهم في جنازتي حتى يدلّوني على قبري.
سأمشي معهم في جنازتي حتى أعرف أين قبري.
شيخة حليوى. كاتبة فلسطينية
اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply