أحمد ظاهر: جنيَّة البئر

البئر التي حفرها جدي في الزاوية الشرقية الجنوبية من البيت العربي الشاسع الذي تحول لاحقًا إلى ستة بيوت من الكتل الاسمنتية، بعد أن كان عالمًا من البراحة كما كل بيوت المدينة في ذلك الزمن، أحاط جدي البئر بكتلة اسمنتية ترتفع على جانبيها عضادتان، تحملان عمودًا من خشب السنديان يتدلى منه حبل على بكرة حديدية يحمل في نهايته دلوًا أسود من البلاستيك. 

كانت البئر ضرورية لسقاية المواشي التي تحتل حظائرها القسم الجنوبي الشرقي مقابل دور السكن، بينما تحتل غرفة تخزين العلف مكانًا قريبًا من البئر، وأما باقي المساحة التي تضاهي نصف ملعب كرة قدم فكانت أرضًا ترابية ينبت العشب في أجزاء منها كل ربيع، إن لم يضرب الجفاف موعدًا مع الأرض حين تُحْبَسُ الأمطار. 

كان بيتنا ملاصقًا لبيت جدي لكنه مفتوح عليه من خلال فتحة في جدار بيتنا الذي يفصله عن بيت جدي، تركها والدي دون باب حتى ننتقل للبيت الكبير دون أن نلتف إليه من خلال الشارع. 

مع مرور الزمن، اختفت حظائر الأغنام، وانصرف فيها رجال البيت الكبير إلى أعمال أخرى غير تربية الماشية، أصبحت البئر مهجورة، لكن القصص القديمة التي كانت تُروى لنا عن خطر الاقتراب من البئر في الليل لوجود جنية تخطف الصغار إلى باطن الأرض، ولم نكن نعلم أن هذه القصص لم تكن إلا مناورة من جدتي فاطم كي لا نقترب منها. 

عصر ذلك اليوم جاء ابن عمي الذي يكبرني، وأترابي ببضع سنين بينما كنت قد تجاوزت الثانية عشرة من العمر زيارته المعتادة التي يقيم فيها معنا. 

يومان أو ثلاثة أيام قبل أن يعود لأهله، وكنا مجتمعين حوله كجنودٍ حول قائد عسكري وهو يروي لنا آخر قصصه البطولية، فابن عمي كان شجاعًا لا يغلبه أحدٌ في المشاجرات، وكان يقفز من فوق أسطح الحظائر على الأرض دون أن يصاب بأذىً، في ذلك اليوم كان والدي يتفيأ تحت دالية العنب، وأمامه كأس الشاي الأسود، وهو يستمع لنشرة اخبار الظهيرة من إذاعة لندن عبر مذياعه الياباني الأسود، والدي الذي كان يدمن الاستماع للراديو الذي لا يمنعه من إجادة السمع لما يدور حوله. 

والدي رجلٌ صامتٌ، وكان صمته مناسبًا لوجهه الصارم الذي يضفي عليه هيبةً تجعلنا نمتنع عن الصخب والضحك في حضرته بمن فينا ابن عمي الشجاع، ومع ذلك لم يكن أبًا قاسيًا، بل كنت التمس داخله حنانًا مخفيًا يظهر عندما أتشاجرُ مع أحد أولاد الحارة، فحين ضربت يومًا ابن الجيران وجاءت والدته تشكو فعلتي لوالدي، وعدها أنه سيؤدبني كما يجب، وحين اختلا بي سألني عمن بدأ أولًا فأخبرته أنه شتمني وأني بادرته بالضرب، فقال والدي وهو يبتعد في حديثه عن اللوم والعقاب قائلًا: انتبه لدروسك، ثم صمت وفي عينيه رضىً عني  لم يبح به. 

في ذلك العصر طرح علينا ابن العم تحديًا، سوف نقوم به حين تعتم العين، ويسقط الظلام قائلاً: إنه سيضع في أول طاقة للبئر المهجورة قطعة حديد أخرجها من جيبه، وكنا نسمي الحفر المصنوعة في جدران البئر بالطاقات والتي تساعد من ينزل لتنظيف البئر على النزول السلس، ومن يستطع جلب قطعة الحديد سوف يعترف به الجميع أنه الأشجع وسينال خمسون (گلة) والگلة كرة صغيرة من الزجاج الملون وهي اللعبة الأشهر في الربيع والصيف حينها، المكافأة كانت سخية ولكن الاقتراب في الليل من البئر فيه مخاطرة بالحياة فجنية البئر قد تخطف من يقترب لتعود به إلى باطن الأرض. 

كنا حوالي خمسة من الأطفال بعمر واحد وقد وافقنا على التحدي قبل حلول الظلام، وبعد أن غابت الشمس لم يتبقَ منا إلا أنا وأحد أبناء الحارة. 

حان موعد التحدي وكان البادئ الأول شريكي في المغامرة، كنا نقف تحت القسم المضاء بالمصابيح أقصى غرب البيت الواسع بينما كانت البئر في القسم الشرقي وقد التفَّت بعباءة الظلمة التي ترتجف منها السيقان والقلوب. 

كنا نراقب شريكي وهو يتجه للظلام، ولم تكد خطواته البطيئة تقتحم الخط الأول للظلمة حتى عاد راكضًا وهو يحلف انه رأى جنية تطل برأسها من فتحة البئر، ووصف عينيها بأنهما عكس عيوننا، حمراوان، وتتوضعان طوليًا في وجهها.. 

قال ابن عمي لي ساخرًا: هيا يا عنتر الزمان.. اذهب، واجلب الحديدة أم إنك كصاحبك سوف تهرب. 

في تلك اللحظة اصطنعت الشجاعة، ذهبتُ باتجاه البئر، مشيت مفتعلًا خطوات سريعة ثابتة لكنها كانت تتباطأ كلما اقتربت من السواد، أنا أمام لُجة الظلام، توقفت، تذكرت عمي الأكبر وهو يروي لي قصصًا عن شجاعة والدي أيام صباه قائلًا: 

كل أعمامك كانوا يحتمون بوالدك، لقد كان سبعًا، دوّاس ظلمة، ثم يروي لي قصصًا أصغي لها بفخر، وحين أسأل والدي عن تلك القصص يقول كلمة واحدة: عليك بالانتباه لدروسك… يغير مجرى الحديث بوصيته لي بالانتباه لدروسي ثم أتْبَعها هذه المرة بوعد بشراء كرة قدم جلدية طالما حلمت بها في حال تفوقي في المدرسة لهذه السنة. 

تقدمت بأول خطوة؛ عمي لا يكذب، حين يناديني بابن السبع، عمي محق وأنا ابن دوّاس الظلمة، مشيت وأنا أتنفس بعمق أملأ فيه رئتي بأنقاس سوف أحتاج إليها، وأملأُ عقلي ببطولات والدي التي لا يعترف بها، لكنني أقنعتُ نفسي أنني من سلالة ذاك الرجل الذي وصفه عمي. 

اقتربت من حافة البئر العريضة، رفعت جسمي واستندت بصدري على الحافة، ومددت يدي بحذر كي أصل لأول طاقة، كنت متأهبًا لسحبها حين أشعر بكف الجنية، كدت أصل، يدي تلامس حواف القرميد، القطعة الحديدية، وشيء ورقي بجانبها، تراءى لي عيون حمراء مائلة في أقصى الظلام تحاول صاحبتها الصعود، التقطت الحديدة والشيء الورقي بسرعة فائقة، وسحبتُ صدري عن حافة البئر، مشيت خطوتين وأنا التفت ورائي، أردت الركض لكن لا.. لن أهرب، أنا أيضًا دوّاس ظلمة، فتحت يدي وشهقت، كانت قطعة نقود ورقية من فئة الخمس ليرات، مبلغ كبير في تلك السنين، دسستها في جيبي وعدت إلى الغرب المضاء بالمصابيح حيث الرفاق هناك، حصلت على لقب الأشجع، وخمسين /گلة/ زجاجية ملونة. 

صار لدي ما يروى مثل قصص والدي التي لا يعترف بها، أخبرته بالتحدي وأنني نجحت، وسألته عن سر الخمس ليرات فقال: ربما لم تخبرك جدتك أن الجنية تخطف الجبناء، وتكافئ الشجعان. 

احتفظت بالخمسة الورقية، فهي مصداق شجاعتي وقصتي، لكنني ضحيت بها وأنا اشتري بها كرة جلدية طالما حلمت بها. 

رحل والدي منذ سنوات وسنوات، تقدم بي العمر، تناسيت مكافأة الجنية غير المنسجمة مع تفكيري المنطقي، ولم تعد تلك المغامرة مادة للرواية. 

حين سألني ولدي الكبير مرةً عن تلك القصة قلت له: خواريف قديمة… لا عليك، وانتبه لدروسك، لم يعرف ولدي تفاصيل مغامرة البئر ولم يعرف أن جده همس بأذني مداعبًا، وهو على فراش الموت: تصدّق عن روحي بقيمة تلك الخمسة الورقية التي دسستها لك في طاقة البئر.

أحمد ظاهر. شاعر وفنان تشكيلي سوري

اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة

مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply