باسل أيمن الفاعور: وَجه آخَرَ لِلوَردَة..

الآن، بَعْد كُلِّ تِلْك السَّنوات، أُمسِك اللَّوْحةَ بَيْن يَدِيَّ مُحَاولَةً أن أَتذَكرَ متى بدأَ كل ذلك.. 

لَقَدْ أَنكَر كُلُّ مَن فِي البيْتِ عَلَاقتَه بِالْأَمْر، فِي صَبِيحَة ذَلِكَ اليوْم البعِيد، الذِي مَا كانَ لِشَيء أن يُمَيّزَه إلّا حُضُور الجَّدة، حِينمَا استيقظتُ من النوم، لأجدَ ثقْباً فِي وَجْه وِسادَتي.

كان نُكْران الجّميع، هيِّنًا ومُحكمًا، إِذ لَم يَكُن فِي حوزتي مَا يُسْنِد اتِّهامي أحدًا ممّن في البيت، بِثَقب وجه وِسادَة. لَم يَكُن الثُّقْب كبيرًا، إِنَّما وقحًا، قُلْت إِنَّه “شَوَّه مَظهَر الوسادة” وَقلت بِالطَّبْع أَشيَاء أُخرَى، كَانَت جميعَهَا أَكاذِيب، لَفَّقتُهَا لِأبرِّر الذُّعْر المبالغ والمُسْتغْرَب الذِي أبْديْته، وبالطَّبْع لِئَلا أُفْصِح عن سَببِي الحقيقيِّ، ذَلِك لِأَني لَم أَعرِف كَيْف أقوله. بدَا أَلَّا أحد غَيْر الجدَّة، قد أَدرَك أنَّ الأمْر أَعمَق مِن مُجرَّد ثُقْب فِي وَجْه وَسادَة، وأنَّ مِن ذَلِك الثُّقْب كان يُنفِّذ إِليَّ، بِصورة عَصيَّة على التَّفاسير، خَوْف مُبهَم، يَهُز نُقطَة عَمِيقَة وَهائِمة دَاخلِي، صِرْتَ فِيمَا بُعْد أُسَميهَا رُوحي. لَم تَقُل شيْئًا، بدا أنها استبدلت ذلك السكون الشعائري الذي يلفها بنزعةٍ حياتيّة شابّة، اقْترَبتْ بِهدوء وهمّة، نَزعَت بِحركَات خَفِيفَة وَجه الوسادة، ثُمَّ طَلبَت إِبْرَة ومَا يُمْكِن أن يُوجَد فِي البيْتِ مِن خُيُوط مُلَونَة، أحْضرتُهم لَهَا بِانْضباط عَسكَرِي، دُون سُؤَال. بدَا أنَّ ضرْبًا مِن السِّحْر يُحرِّك يديْهَا، وقد رَتقَت الثُّقْب بِورْدة لَونَت بتْلاتْهَا بِطيفٍ من أَلوَان الخُيوط التِي جَلَبتهَا، قَالَت غَامِزة إِلي بِابْتسامة وَدِيعَة وبنبْرة كلمات تُحَاوِل أن تَكُون نُبُوءَة “هَذِه الورْدة لِئَلا تَتَسرَّب الكوابيس إِلى مَنامِك”.

فِي القرْية حَيْث عَاشَت الجدَّة مُعظَم عُمْرِها، وحيْث سَتمُوت أيْضًا، كَانَت الفتيات يتباهيْن بِالْأقْمشة المطرَّزة: وِسادَات وشَراشِفَ وَأغطِية لِلزِّينة، وقد كَانَت جَدتِي أَحسَن المطرِّزاتِ، لَيْس فِي قَريتِها فقط بل فِي كُلِّ القُرى المحيطة، وَسأعْرِف فِيمَا بَعْد أن السَّبب وَرَاء ذَلِك لَم يَكُن دِقَّتهَا فحسْب، إِنَّما وَلَاءٌ مِن نَوْع خاصٍّ كان يَظْهَر عَبْر سَخَاءٍ سأشْهَدُهُ، فضْلًا عن المطَرَّزات، فِي أَشيَاء أُخرَى كَثِيرَة. وَمِن بَيْن الثَّناءاتِ الكثيرة التِي كُنْت أسْمعُهَا، أنَّ جَدتِي تُطرِّز على القُماش وُرودًا لَا يَنقُصها إِلَّا الأُصُص وعصافيرَ يخشى المرْء أن تطير هَارِبة.. فِيمَا بَعْد صَارَت الجدّةُ تَرسُم عَبْر التَّطْريز، لَوْحات مِن قُمَاش، تَشدهَا على إِطارَات مِن خشب لِتعلَّقَ على جِدَارٍ أو تُوضَع فَوْق طَاوِلة أو تَنزِع مِن إِطارِهَا لتتحَوَّل إِلى تَميمَة وتُخفَى إِلى الأبد. فَبيْنَ الحينِ والْآخر، كان يُحيط إِحْدى اللَّوْحات، سِرِّية غَيْر مَفهُومة، تَتَبدَّى فِي حَظْر جَدتِي النَّظر إِليْهَا أَثنَاء تطْريزهَا، وإخفائها عند اكتمالها، قَائِلة، بينما تختم الغرزتين الأخيرَتَين التي كانت تتركهما وسط اللوحة وتنتهي عادَةً بهما: “هذا قُمَاش يُلَوِّثُهُ النَّظر”. 

مرّ على الورْدة شِتاءَات كَثِيرَة ولم تزل يَانِعة على وِسادَتي، صَارَت الجدَّة الآن، أقلَّ وزْنًا، تَراجَع بَصرُها كَذلِك، وباتتْ أقلّ كلامًا، الأمْر الذِي كان مِن شَأنِه إِضفَاء المزِيد مِن المهابة على سُكونِهَا، بدتْ غَائِبة عن زمننَا، وَسأدْرِك مُتَأخرَة أنَّ زمنًا آخر، لَم نَسأَل عَنْه، كان يسْتغْرقهَا، وَتمضِي إِلَيه لِتشْفي جراحًا لَمٍّ تَبرَأ بَعْد.

خِلَال أُمسِية مِن آخر أُمْسيات الجدَّة، حِين بات الموْتُ أمْرًا مُحتمَلًا، وَنعرِف جميعًا أَنَّه فِي إِحْدى الزَّوايَا، يَتَأهَّب مِن أَجْل غَارَتِه الأخيرة. وَكُنَّا، من أجْل ذَلِك، فِي زِيارة لِلْجدَّة.. نَظَرْت إِليْهَا وأدْرَكْتُ أنَّ حُزْنًا عميقًا، بدأ يَتَسرَّب إِلى قَلبِي، لَم يَكُن سَببُه احتِمال موْتهَا، إِنَّما إِحْساسي بِأنَّ السَّنوات بَيْن الورْدة والْمَوْتِ قد سُرقَت، مضت على نحوٍ يُخيَّل إِليَّ أَن الجدّة قد طَرزَت الورْدة، قَالَت نُبوءتهَا، وماتتْ بَعْد ذَلِك. ولعلِّي حِينهَا كُنْت أَبحَث عَمَّا يُخفِّف النَّدامة المقْبلة، عَبْر حَشْد أَكبَر قَدْر مِن الذِّكْريات مَعهَا فِي ذَلِك الزَّمن الحَرِج. صورتُهَا صُوَرًا كَثِيرَة بِهاتِفي المحْمول، ولكنَّهَا كَانَت مِن النَّوْع الذِي يَتَجنَّب الإنْسان النَّظر إِلى أَحبتِه فِيه، مَلفُوفة بِبرود الذَّنْب والْعجلة.. وقد دَفعَنِي حَدْسٌ دَاخلِي إِلى التَّخَلُّص مِنهَا فِي الْحال، إِذ نَبّهَنِي بأنهَا، بدلًا مِن أن تَكُون أنيسة أيام الأسى، سَتكُون الجرح نفسه. هَكذَا قَررت أنْ احتفَظ بِصورة لِلْجدَّة، مِن صُنْع يديْهَا، وبالطَّريقة التِي تُحِب: أن تُطرِّز وجْههَا على منْديل لِأحْتَفظ بِه. وافقتْ الجدَّة، وسارتْ الأُمور بِترْتِيب سَلِس، وبذات الانْضباط الغابر، كمَا لَو أَننَا، رغْماً عن الزَّمن، حَفِظنَا مواثيقنَا القديمة. أَحضَرتُ قُمَاشًا مِن أحد الدُّروج، وَالإِبر مِن مَكَان آخر فَوْق رفِّ الخِزانة، وإطار مُهمَل لِأصْنع لَوحَة مِن وَجْه الجدَّة. كان واضحًا أنَّ العُمر قد نال مِن يديْهَا، وأنَّهَا فِي الحقيقة لَم تَكُن ترى بِوضوح، لَكِن أمْرًا عجيبًا، أخاله الحُب، كان لَه فَضِيلَة صَوْن المشْهد السحْرِي الذِي تخلقه يديها وهي تطرّز. وبذات الوُضوح بدَا أَنهَا لَم تَكُن مُضْطرَّة لِلنَّظر حَتَّى، ذَلِك أنَّ أصابعهَا كانت تَذكُر مَا عليْهَا فِعْله. هَكذَا عَبْر حَرَكات دَقِيقَة التَّناوب، رَاحَت تَتَشكَّل على القُماش الخُطوط الأُولى لِمَا سَيكُون وَجْه الجدَّة، ثُمَّ فِي لَحظَة لَن أَعرِف بِالتَّحْديد موْقعَهَا من طيف تلك الليلة، غفوْتُ. 

صَحَونا فِي صباحِ اليوْم التَّالي، على صخب، شَوَّش أَحدَاث اللَّيْلة الفائتة، جمَّعنَا أغْراضنَا على عجل، كَانَت الجدَّة نَائِمة، إِلى جَانبِها كَانَت اللَّوْحة شِبْه مُكتملَة ومشْدودة على الإطَار. مَدفُوعة بِإلْحَاح أُمِّي الصَّاخب، إِذ إِنَّ الحافلة الوحيدة التِي تَكسِر عُزلَة القرْية، كَانَت على وَشْك المُرور، وَضعَت اللَّوْحة فِي كِيس وكانتْ الإبر مَا تَزَال مُعَلقَة بِهَا، إِذ إِنَّ الجدَّة، بِصورة لَم أفْهمْهَا، تَمكنَت مِن شدِّ اللَّوْحة على الإطَار، تَارِكة كعادتهَا، بِضْعَة غُرَزٍ غَيْر مُكتملَة فِي الوسط، لتُنْهيهَا في الصَّبَاح.

حدث مَا حدث بِترْتِيب يَبدُو الآن مُدَبرًا، إِذ انتهَت اللَّوْحة، بَعْد عودتنا، إِلى أحد درُوج بُيُوت المدينة، ذَلِك المكَان الذِي لَه القُدرة العجيبة على أن يُفقِد الإنْسان صوابه.

أُمسك الآن اللَّوْحة بَيْن يَدِي، مَاتَت الجدَّة مُنْذ أَيَّام، لَم تُخْطِئ فِي رَسْم وجَّههَا، كَانَت كَدأبِها، شَدِيدَة الدِّقَّة والْأمانة، فقد شَدَّت اللَّوْحة على الإطَار بِصورة مَعكُوسة، ليصير الوجه الخلْفِي مِن اللَّوْحة، تلك الخُيُوط المُتشابكة والملامح المُشَوهَة.. هو وَجهُها، مع ثَقْب خلَّفتْه الغرْزتان غَير المكْتملتيْنِ فِي الوسط.

كَانَت تِلْك الطَّريقة التِي أخْبرتْني بِهَا، عن ذَلِك الزَّمن البعِيد الذِي كَانَت تُسَافِر إِلَيه فِي شُرودهَا، وعن ذَلِك الجُرح الذِي تَسربَت مِنْه الكوابيس إِلى صحْوهَا، ومَا مِن أحد طَرَّز فَوقَه وَردَة.

باسل أيمن الفاعور. كاتب سوري

اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة

مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply