- ناوشني الباسْطون، يا ولد، ناولنياه بسرعة!
- أي باسْطون؟
- عمى يعميك، ما تشوف، هذي العصا اللي قدَّامك!
لذا لا تستغربْ حين ترانا نخفي أفواهنا بأيدينا الصَّغيرة، ونحن نكتم ضحكاتنا البريئة، وهذا ما يزيد من غضب والدي، وربَّما دفعنا ثمن هذه الضَّحكات دموعًا كثيرة. قلتُ للمعلِّم في مدرسة القرية إن والدي رجل مُسلَّح، وإنه غاضب دائمًا، وأضاف هو بأنَّه خطير. اكتفيتُ بهزِّ رأسي بالموافقة على ما أضافه على مسؤوليته. وفي الحقيقة لم يغضبني هذا الوصف، بل أثار فيَّ شعورًا بالقوَّة، وعددتُهُ سَدًا أمام المتنمِّرين من الأولاد، وربما من المعلِّمين أيضًا، مَنْ يدري!
كانت ضحكاتنا تطير كالفراشات في غيمة بخور الشَّرق وأساطيره، لكنَّها تعود كسيرة محترقة الأجنحة في حروبه، ودمائه المسفوحة على الطُّرقات، وبوَّابات المدن العتيقة، حينها تتحول ضحكاتنا لنشيج يشبه البكاء، يحتضنها نهر الفُرات، يروي شيئًا من ظمئها، تترنَّح قليلًا، تبحث عن حياة، أو ما يشبه الحياة!
بعد كلِّ هذه السَّنين يمكنني أن أكتب دراسة عن مراحل التَّسلح التي مرَّ بها أبي، من مرحلة الخنجر، الذي كان يخفيه في حزام الجلد الذي يتمنْطقُ به عندما يخرج للسُّوق أو السَّهرة أو لأمور لا نعرفها. أضاف للخنجر دبُّوسًا من خشب السِّنديان، وقد غمس رأسه بالإسفلت؛ حتى أصبح كُرةً من السَّواد والصَّلابة، وأحيانًا يُدْخلها في الحزام يمينًا، أو يسارًا، ويغطِّيها بالبِشت الشَّتوي أو الصَّيفي أو الفرْوَة المصنوعة من جلود الخراف الصَّغيرة، وفقًا لفصول السنة. تلك الجلود التي كانتْ تثير قشعريرتي، بل دموعي حين أمرِّرُ أصابعي فوقها. كنتُ أقول لنفسي، كيف لهم أن يسلخوا جلد أطفال الشِّياه المسكينة؟ كي يصنعوا منه فرْوة تقِيهم البرد –هذه الملاحظة جعلت والدي يرمي بنبوءته لي بأنَّني سأعيش على هامش الحياة ضعيفًا مسلوب الحقوق- وهناك الأسلحة الخطرة، وهي البندقية الفرنساوية القصيرة، وهي بندقية قديمة، لكنَّه يحرص على صيانتها، ووضع الحِنَّاء على الأخمص الخشبيِّ فتغدو شقراء لامعة، وأظنُّ أنَّ مخزنها يتسع لثلاث طلقات. هذه البندقيَّة مخبَّأة بعناية، ونادرًا ما نراها خارج أوقات الصِّيانة المعتادة، أمّا الباسْطون فهو السِّلاح اليوميُّ الذي يرافقه طوال اليوم، حتى ونحن نتحلَّقُ حول سُفْرة الغداء.
لا بدَّ أن يكون قريبًا من يده، ولا أكتمكم سرًا أنَّني كنتُ أسرِّبُ هذه المعلومات لزملائي أعداء وأصدقاء! وعليَّ أنْ أعترف بأنَّ هذه التَّسريبات لم تكن بريئة، وقد يكون لها الفضل في ذلك الشُّعور بالقوَّة الذي لا يفارقني، ويمنحني حرية اختيار الموقع الذي أرغب به في كلِّ مباريات كرة القدم، مرَّة أكون حارسًا للمرمى، وأخرى رأس حربة، وعندما أكون مُرهقًا ربَّما أكون الحَكَمَ الذي يفرض قانونه الخاص على مجريات اللعبة. ففي قريتنا قوانين كرة القدم لا علاقة لها بقوانين الفيفا والمدن والأندية.
في حروبنا الصَّغيرة بين الأقارب وأبناء العمومة، والمشاجرات التي نتسبَّب بها نحن العِجْيان كما يصفوننا، يكتفي أبي بالباسْطون يلوّح به أمام خصومه، ونادرًا ما يستعمله حقًا، غالبًا ما يتراجعون، ويكون نصيبنا نحن الصِّغار بضع خيزرانات على أكتافنا، أو مُؤخراتنا، نندفع راكضين ونحن نفرك مكان العصا، ننظر إلى بعضنا، فتنهمر دموعنا وسط ضحكاتنا، وندَّعي بعد ذلك أنَّها لا تؤلمنا، حتى إنَّنا لا نشعر بها. وفي كلِّ ذلك نحن نبيع الكذب لبعضنا بعضًا، ونكتم آلامنا، نغطِّي عليها بالضَّحكات المفتعلة التي تتحول إلى حقيقية عندما تصبح ضحكات جماعية، وعندما تفرك أمهاتنا ظهورنا باللِّيفة وصابون الغار، بينما نقف وسط طشت الغسيل الكبير، يكتشفن الخطوط الزَّرقاء والصَّفراء بين أكتافنا ومؤخراتنا، ونسمعهن يقلْنَ بصوت خافت، يغطي عليه صوتُ انصباب الماء على رؤوسنا الصَّغيرة، الله يكسر إيد من فعل هذا بكم يا روحي! فأقول إنَّه أبي، يا أمي، فتضع يدها على فمي، قائلة، استرْ علينا ياعَجِي!
المرَّة الوحيدة التي رأيت أبي يتوشح بندقيته الفرنساوية القصيرة هي في تلك المشاجرة الكبيرة بين قبيلتنا وقبيلة الظَّواهرة في المنطقة المحايدة بين القبيلتين، حيث أطلق منها طلقتين تحذيريتين فوق رؤوس الأعداء. كان صوتها قويًا، سمعناه بوضوح رغم بعدنا نحن الصِّغار والنِّساء عن أرض المعركة، وقد سمعتُ أمِّي تزغرد عند سماعها صوت الطَّلقات، وأكَّدتْ أنَّ هذه ” ادْفنْكة” أبوك! لم يطلِ الوقت حتى حضر رجال الدَّرَك، واعتقلوا معظم المشاركين من الطَّرفين. غاب والدي وبقية الرِّجال عدَّة أيام، وعندما عاد كان حزينًا على مصادرة بندقيته، ودفع رشوة كبيرة لإخلاء سبيله، وفي مداهمة مفاجئة للدَّرَك بعد حوالي الشَّهر، صادروا الخنجر، وكانوا يسمُّونه السَّلاح الأبيض، وجعلوه يبصم على تعهُّد بعدم حمل أيِّ نوع من الأسلحة، وهددوه بالسَّجن المركزي في مدينة الرَّقة، إذا لم يلتزم بذلك، فالحكومة ما عندها لحية مُسَرَّحة. وأسرَّ لأصدقائه بأنَّه أعطى المساعد أبو عبدو عشر ليرات حتى لا يشدُّه على الفَلَقَة، ويكتفي بالتَّهديد والصُّراخ بصوت مرتفع؛ ليسمعَ رئيس المخفر، ويطمئنَّ إلى إخلاص شرطته!
لا أدري لِمَ أفشي أسرار أسرتي لكم، وأخبركم بتفاصيل ليست من شأنكم، ربَّما أعيد النَّظر في هذا الجزء من القصَّة، مَن يدري، ربَّما! وقد أقولُ هذا ليس أبي، بل رجلٌ من عامَّة القبيلة، ولستُ الوحيد الذي يغيِّر أسماء أبطال حكاياته، ويختبئ خلفها؛ ليقولَ ما يريد دون أن يتحمَّل العواقب! أو ينقلها لأماكن غير حقيقيَّة، ويدَّعي أنَّها جرتْ في أرض بعيدة، يحكمها حاكمٌ ظالمٌ. أظنُّ هذا أفضل من خيانة العائلة!
في زيارتنا الأخيرة لقرية الشَّيخ أبو دِرْباشة قَبِلَ أبي أن يأخذني معه، توسلتُ لذلك بالكثير من الدُّموع. دخلنا إلى مضافة الشَّيخ الذي يحمل شيئًا يشبه الرُّمح، وبرأسه سلاسل صغيرة تصدر صليلًا مُنغَّمًا حين يحركها للأعلى أو الأسفل، وهذه هي الدِّرْباشة. منظره يثير الرُّعب، لِحيته الكثَّة المسترسلة، وعمامته الكبيرة، وثيابه الواسعة التي تكاد تخفي كرشه النَّاتئة، وقلَّة كلامه، جعلتني أحاول التَّمسك بيدي أبي لألوذ به. مرَّتْ دقائق حملت لي الهدوء بعد شرب الشَّاي الثَّقيل، وقطعة الحلوى الكبيرة التي رمى بها نحوي دون أنْ يكلمني. اقتربَ منه أبي، وتحدَّثا هَمْسًا بعد أن وضع الباسْطون بين يديه، ودسَّ في جيب جُبَّته الواسعة مبلغًا من النقود، لا أعرف كم عدَّته. فحمل أبو دِرْباشة الباسْطون وصبَّ عليه الماء من إبريق وضوءٍ نحاسيٍّ، وبخَّره بإمراره عدة مرات فوق المِبْخرة التي تطلق غيمة من الدُّخان العطري، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، لكنها منغمَّة، ربَّما تكون آيات من القرآن، لستُ متأكِّدًا. بعدها ألقاه بين يدي أبي بطريقة خاطفة جعلتني أقفزُ خوفًا، ودسَّ له شيئًا مثلثًا مصنوعًا من الجلد، وبه حبل من الجلد على شكل قلادة، خبَّأه أبي بين ثيابه بحرص شديد.
في موسم حصاد القمح اختلف أبناء عمومتي حول مكان البيادر، هزَّ أبي الباسْطون مرَّتين، جعلتهم هذه الحركة يركضون كالأرانب أمامه؛ فاختار المكان الذي يريده، دون اعتراض من أحد منهم.
وفي المشاجرة الثانية مع الظواهرة، لم يحمل أبي سوى الباسْطون، وهزَّه مرَّتين، ثم انطلق نحو مقدمة المهاجمين، سالت الدِّماء من جِباهٍ، وشُجَّتْ رؤوسٌ، وتكسَّرتْ أسنانٌ. وكلَّما اتَّجه إلى مجموعة منهم تفرَّقوا والرُّعب يملأ قلوبهم، زغردت النِّساء، وقال شاعر القبيلة قصيدة تُمَجِّدُ باسْطون أبي، ووضعه مع عنتر بن شدَّاد وبقية الأبطال في تاريخ بطولاتنا الطويل، تحوَّلتِ القصيدة إلى أغنية حربٍ ينشدها منشدو الأعراس، وتقولها القوَّالات في رثاء الرِّجال:
الفِشكْ ما يسَوِّي الأبطالْ بالبسْطون نشِيلْ جبالْ
وينكْ يَلِّي اتْعادِي، تَعــــــــــــالْ تَعالْ انْشَوْفَكْ الأهــــوالْ
يدبُّ الحماس في صدور الرِّجال، يشمخون برؤوسهم عاليًا، ويصرخون، وينكْ يلِّي اتْعادِي تعالْ! ليتردَّد صداها في جبال مَسْكنة وسهول الرُّصافة: وينكْ يَلِّي اتْعادِي، تَعالْ!
صار الباسْطون وأبي أسطورة شجاعة، قالوا لقد قُدَّ من شجرة مباركة، وغمره ماءٌ طَهورٌ، ولوَّحت به كفُّ شُجاعٍ. احتمتِ القبيلة به زمنًا، وفي مجالس الرِّجال والمضافات يُفْسَحُ له مكانٌ كما يفسح لأبي مكانٌ آخر إلى جواره، ولا يجرؤ أحدٌ على زحزحته، حتى الدَّرَك لم يصادروه؛ فهو لا يُعدُّ سلاحًا أبيضَ، والقانون لا يُجَرِّم من يحمل عصًا يُتَوكَّأ عليها.
آلَ إليَّ الباسْطون بعد وفاة أبي، وتقسيم الميراث بيننا نحن الإخوة، قطعة أرض لكلٍّ مِنَّا، وخمسون رأسًا من الغنم، وبقي البيت الكبير لي. فأنا الأخ الأكبر في العائلة الذي يحرص على بقائه مفتوحًا لضيوفه، ومن حقِّي البقاء فيه، كنتُ أخرجه من تحت الفراش كلَّ يوم، أمسحه بالسَّمن حتى يعود له لمعانه وبريقه، ألفُّه بقطعة جُوخٍ سوداء نظيفة، ثمَّ أعيده إلى مكانه بوصفه كنزًا ثمينًا وإرثًا عريقًا، حتى ذلك اليوم الذي غزتنا فيه مجموعة من اللُّصوص الذين نهبوا قطيع الغنم الكبير الذي يعود لمعظم أبناء القبيلة، وضربوا الرُّعاة ليعودوا خالي الوفاض من القطيع – حتى حمار الرَّاعي لم يسلمْ منهم. كانت عيون القوم تشخص نحوي، لا وقت نضيِّعه، أخرجتُ الباسْطون، وتقدمتُ المهاجمين، نطلب أثر الغزاة في صحراء الجزيرة المترامية الأطراف. كان الجو باردًا، والمطر الخفيف يكاد يمنع الرُّؤية عنَّا، بعضنا على ظهر فرسه، أو حصانه، والآخرون يتبعوننا راجلين. أدركنا الغُزاة اللُّصوص، تقدَّمتُ الجميع، هززتُ الباسْطون مرَّتين، انزلق من يدي، وسقط على الأرض، اشرأبَّتِ العيون نحوي، تجمَّدتْ ملامحي، أصبح الوقت دبقًا، الدَّقيقة دهرًا. قطيعنا بيد اللُّصوص، حتى إنَّهم لم يهتموا لوجودنا، حاولتُ تناوله من الأرض، كان الرَّصاص يمزِّق الغيوم من فوق رؤوسنا. هؤلاء الغزاة مسلَّحون، رشقونا عدة رشقات، مرَّتِ الرَّصاصات تصفرُ من فوق رؤوسنا، وصرخ كبيرهم: الرَّشقة التالية ستقتلع هذه الرُّؤوس الجبانة، عودوا من حيثُ أتيتم، نريد القطيع، لا تدفعونا لحمل أوزاركم! وأشار بيده، وكأنَّه يرشدنا إلى طريق العودة. كنَّا ننظر إلى عيون بعضنا صامتين، الباسْطون مجرَّد عصا تغوص في الوحل، ونحن كتلة من الخائفين الجبناء، عيوننا ترصد الطَّريق خلفنا، بينما قطيعنا مع حمار الرَّاعي وكلابه يبتعد إلى الشَّرق، وصوت أجراس المراييع يضيع في الجَلَبة، يكاد لا يسمع.
عندما صرنا على مشارف القبيلة، تقدم إلينا كبار السِّن والأطفال والنِّساء، وهم يلهجون بالأسئلة عن أغنامهم وحلالهم المنهوب، عيونهم شاخصة نحوي، فأنا وارث المجد، وحامل نوط الشَّجاعة، لم أستطع أن أقول لهم سوى أنَّنا لم نُدْرِكْهُم، استطاعوا تضليلنا في هذا اللَّيل البهيم، ولا نعرف الجهة التي توجهوا إليها، كأنَّ الأرض قد انشقَّت، وابتلعتهم. ولم أنسَ أنْ أعِدَهم بأنَّنا لن نسكتَ عن حقِّنا، وستكون لنا جولاتٌ أخرى معهم، في الزمان والمكان المناسبين، وأغفلتُ تمامًا ذِكْرَ الباسْطون! ولم تغبْ عنِّي نبوءة أبي!
1– باسطون: كلمة تركية، ومعناها عصا المشي، انتقلت للعامية العربية وبخاصة في المناطق الحدودية السورية ، وربما وصلت للفرنسية والإسبانية مع تعديلات يسيرة في اللفظ.
موسى رحوم عبَّاس. قاص وروائي سوري
اللوحة للفنانة التشكيلية المصرية إيناس عمارة
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply