القراءة فعلٌ مكتمل الوعي يراد منه التحليق بأجنحة الخيال والفكر إلى عوالم غير محسوسة، وإذا أردنا تحديد غاية القراءة فإن كلمة “المعرفة” تبدو مناسبة تمامًا للإلمام بغاية القارئ مهما كانت نوعية ما يقرأ وجودته الفكرية.
المعرفة مصطلح يبدو شديد النمطية والكلاسيكية والتقريرية، ولكنه من جانب فلسفي هو الغاية الحقيقية من تكبد أي شخص عناء حبس نفسه مع كتاب أو مقال مدة من الوقت، مجبرًا نفسه على التركيز والخروج عن جو نفسه إلى جو النص.
يندرج تحت المعرفة كل ما يحصل لعقل القارئ ووجدانه من تفاعل مع المقروء وينفتح هذا واسعًا على نظرية التلقي التي تناقش العلاقة المتشابكة بين القراء والنصوص وما يفعله كل منهما في الآخر.
في فعل القراءة الأول في القرآن الكريم كانت “اقرأ” دليلًا لوعي جديد يسير بالإنسان نحو اكتشاف ذاته والكون من حوله معتمدًا على إثبات كفي المعادلة: الخلق والخالق في علاقة تفسر حركة الحياة وفكرة الأنسنة التي تصب كلها في مفهوم المعرفة.
ومن هذا المفهوم ننطلق إلى العمق الذي يتعدى مجرد العلم بالأشياء وسبر كنهها وأغوارها وكشف مستوراتها واستخراج مخبوءاتها، هناك في العمق يحصل القارئ الحقيقي على جائزة مثابرته ومعايير جودته لما يقرأ، يحصل على الوعي.
والسؤال الذي يطرحه المقال: هل يتأثر وعي القراءة في عصر القراءة الرقمية؟ وهل يمكننا الخروج بحكم على أن قراءة الكتاب الورقي تقدم ذات القيمة للقارئ دون اختلال في مستوى تواصله مع النص وأفكاره؟
يرى كثير من القراء الجدد أن العالم الذي يتجه نحو الرقمنة يفرض عليهم مواكبته وأن فكرة قراءة الكتب (المبدأفة) أصبحت سمة بارزة ومقبولة في عصر تتسارع وتيرته على غير اتساق. فهل يمكننا الجزم أن الوعي الذي يتلقاه القارئ من الكتاب مهما كان مجاله وتخصصه، هو المقدار ذاته والمستوى ذاته، سواء كانت القراءة عملية تواصل حسي كامل مع الأوراق بحبرها ورائحتها وملمسها أو تمت القراءة عن طريق الأجهزة التي تتيح تصفح الكتاب كما يتصفح الإنسان العصري أي وسيلة من وسائل التواصل الحديث؟
إن هذه السهولة في اقتناء مكتبة كاملة في جهاز صغير تشكل ميزة كبيرة تجعل للكتاب الرقمي حضورًا كبيرًا بين مجاميع القراء، فكرة أن تحصل على أي كتاب تريده بثمن زهيد دون أن يضيف إليك عبء إيجاد مساحة مكانية له في البيوت والمكاتب والشركات هي فكرة براقة وعنصر جذب كبير.
الكثير من القراء الآن يعتمدون القراءة الإلكترونية لسهولتها وتوفرها في أي مكان، فعبر تطبيقات الهاتف مثلًا يستطيع الإنسان أن يشرع بالقراءة في أي وقت ومكان دون الحاجة إلى الطقوس المنزلية المعتادة من فنجان القهوة والاسترخاء والهدوء. فهل يمكننا أن نعول على مقدار الوعي الذي يجنيه القراء الجدد الذي أدرجوا القراءة الرقمية ضمن متطلبات العصر الحديث؟ وهذا يحيلنا إلى سؤال عميق: هل القراءة فقط عملية تمرير العين على الكلمات أم هي بناء خريطة ذهنية للنص؟ وهل يمكن للقراء الجدد أن يبنوا هذه الخرائط بوعي تام من خلال الاعتماد الكلي على الشاشات؟

من المعروف أن البعد المكاني للمعلومة الذي تتيحه الكتب الورقية -والذي يساعد على ترسيخها- لا يتوفر في القراءة الشاشاتية بسبب التمرير المستمر الذي يجعل من النص مادة كلماتية سيالة ومتدفقة بلا حدود واضحة. قد تبدو القراءة الرقمية حلًا يسهل مشاكل الحصول على الكتاب لأي سبب كان، ولكن علينا ألا ننظر إلى الأمر من زاوية المقارنة بين القراءة العميقة مقابل القراءة المسحية التي تضعف ملكة القراءة الواعية. فالورق يفرض بطئًا اختياريًا يسمح للعقل وضع ما يقرأه من أفكار في مختبرات التمحيص والقبول والرفض وصولًا لإصدار الحكم وهو ما يسمى بالقراءة الناقدة.
إن هذا المقال لا يهدف إلى رفض عطايا التكنولوجيا ولكنه يدير مناقشة للوصول إلى أفضل نسخة من القراء الجدد المولعين بالقراءة عن الشاشات، وأطرح هنا فكرة القارئ المتكامل الذي لا يهجر الكتاب الورقي ويدير ظهره لمتعة احتضانه بين كفيه وملامسة أوراقه ولا لشعوره بملكيته الشخصية له، وأن تكون القراءة الرقمية قراءة الضرورة في الأوقات التي يتعذر عليه الجلوس مع الكتاب الورقي، فما تقدمه التكنولوجيا اليوم ثورة في كل شيء ومن شأن الثورات المتسارعة أن تقضي على أشياء جميلة يمكننا اصطحابها معنا في المستقبل، والكتاب الورقي من تلك الأشياء التي لا يمكن للتكنولوجيا والرقمنة مسح قيمتها وتقديم بديل نهائي عنها.
إضافة إلى ذلك، لم تعد القراءة فعلًا نخبويًا خالصًا تقوم به فئة الباحثين أو المثقفين أو هواة المطالعة، بل ظهرت فئة تتخذ من القراءة واجهة اجتماعية مكملة لظهورها العام أو ما يسمى «البريستيج الاجتماعي» فصارت القراءة عن الأجهزة اللوحية المتطورة من مظاهر رفاهية الشخصية ومستواها المادي، وربما تشير مبيعات معارض الكتب حاليًا إلى انحسار في اقتناء الكتاب الورقي ولكن هذا يعزى غالبًا إلى الحالة الاقتصادية التي تجعل من الصعب على القارئ اكتراء ما يريده فيلجأ مرغمًا إلى الخيار الرقمي.
القراء الجدد يفرضون نوعًا جديدًا من القراءة ولكن علينا أن نحافظ على مستوى الوعي وجودة المعرفة وكمال المتعة التي يجنيها القارئ سواء كان قارئًا ورقيًا أو رقميًا، فالمقياس هو حالة الوعي التي تضعنا فيها القراءة.
زينب السعود. كاتبة أردنية
مجلة أوراق/27

Leave a Reply