قراءة في كتاب “المرأة المخصية”
ما من مقدمة توضح أهمية الاطلاع على كتاب “المرأة المخصّية” أكثر مما جاء في مقدمته: “كتاب المرأة المخصّية ليس من النوع الذي تقرأه ثم تضعه جانبًا، إنه كتاب يحرض ويقلق ويثير الأسئلة، كتابٌ يدفعك إلى إعادة اكتشاف نفسك، ولا يمكن أن تقرأه دون أن يترك أثرًا فيك.”
تصدر كتاب “المرأة المخصّية” للكاتبة والأكاديمية والإعلامية وأستاذة الأدب الإنجليزي الحديث جيرمين غرير* في طبعته الأولى عام 1970 قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في العالم، مؤسسًا في محتواه لآراء متطورة تُعتبر إضافة إلى الفكر النسوي، إذ لم يقتصر الكتاب على انتقاد جملة من الأفكار السائدة، بل تقدّم باقتراح مسارات ثورية بديلًا للمطالبات العقيمة بالإصلاح، وتوقيع العرائض، والمناداة بالمساواة مع الرجل، إذ يرد في الكتاب أن القوالب المعدّة سلفًا للنساء لا تكتفي بتأطير المرأة فحسب، بل تُفرغها من كينونتها وتجعلها أسيرة التنميط، وقد ساهم النظام الاستهلاكي في تدعيم ذلك حتى صارت النساء أنفسهن أسيرات تلك التصورات.
فصل الروح
“كلّما زدنا من عدد الناس الذين نثير غضبهم، ازددنا ثقة بأننا نقوم بما هو صائب”.
تدعو جيرمين غرير إلى ثورة جذرية تشمل الحرية التامة، وتنتقد سجن النساء داخل صور نمطية تكرّسها كإلهة مقدسة في الأدب والفن، فتفرغها من إنسانيتها وتحولها إلى موضوع ومادة وسلعة. تقدم الكاتبة نماذج من استغلال المرأة لأجل منافع الرجل وصفقاته التجارية والسياسية، إذ تُلغى كإنسانة ذات إرادة وتُقدَّم كدمية تسويقية وفق معايير المستهلك لزيادة المبيعات، كما يكرّس المجتمع الذكوري المرأة كواجهة يُستعرض من خلالها ثراء زوجها أو والدها لتصبح مثالًا يُحتذى به، ما يحوّل شريحة من النساء إلى مستهلكات ومقلّدات أقصى طموحهن الحصول على تلك الحياة.
ترى غرير أن الطاقة الإبداعية الحرة حين تُكبَت وتُسجَن ضمن الممنوعات الاجتماعية تتحول إلى طاقة هدامة، فالإبداع يطلق الشخصية خارج القيود، بينما الكبت يولّد الغضب الذي يتجلى في سلوكيات انتقامية، لذلك نجد أن النساء المكبوتات يفرغن طاقتهن المهدورة ويُوصَفن بالمكر والخداع والخبث الاجتماعي. وتؤكد الكاتبة أن اختصار المرأة في كونها الأم الحاضنة والمطيعة للذكر يعني تحويلها من إنسان كامل الأهلية إلى آلة تؤدي مهام روتينية بلا معنى، مما ينعكس سلبًا على الأبناء، إذ يعززن فكرة الذكر المتفوق ويُخضعن البنات لمقاييس مجتمعية تكرّس الإذعان، فيصبحن حالمات ساذجات بحاجة دائمة إلى الحماية، فعادة ما تكون المرأة لينة العريكة جاذبة للذكر وفق حاجاته المهيمنة، أما من لا تتحلى بتلك الصفات فتوصف بالنشوز والاسترجال.

وتقارن غرير بين اختيار الفتيات والفتيان لمجالات التعليم، فتقول إن الطالبات يسعين غالبًا لإرضاء الأساتذة على حساب البحث الشخصي، نتيجةً للتربية وصعوبة الخروج من دائرة الإرضاء التي تضمن لهن الرعاية الذكورية والرضا الأبوي. يكرّس هذا توجه الفتيات نحو مجالات الآداب، ليصبحن معلمات ينقلن ثقافة الخضوع وعدم القدرة على النقد، بينما يتجه الفتيان إلى مجالات البحث العلمي التي تشعل التحدي والإبداع، فيتفوق الذكور في العلوم. وترى أن الطاقة هي قوة الحياة الخلّاقة المرتبطة بالجنسانية الحرة، وهي المساحة التي ينمو فيها الفرد متحليًا بالقدرات الإبداعية والمواقف المخالفة للمجتمع، رافضًا المسلّمات دون قناعة.
يفرض المجتمع على الطفلات أن يكنّ مطيعات هادئات ضعيفات، فيقمعن أنفسهن ليتوافقن مع المطلوب، فينجزن أعمالًا لا تحتوي على نشاط عقلي، فينفصل الحسّي عن الفكري أكثر مما يحدث عند الذكور الذين ينغمسون في مغامرات الحياة ويُعدّون ليكونوا قادة متهورين وناجحين. وبشكل غير واعٍ، قد تتخذ الفتاة في المدرسة سلوكيات صبيانية فتصبح خشنة وتنضم إلى مجموعات ذكورية لتثبت جدارتها، فيُطلق عليها المجتمع لقب “غلامية”. لكن عند البلوغ تُفرض عليها قيود جديدة، فتفرغ عاطفتها ورغباتها المكبوتة في رسائل عاطفية متقدة لزميلات أو مدرسات محبوبات، وهو تعبير غير مباشر عن الكبت الاجتماعي.
تتسم مرحلة البلوغ بالخجل من الحيض، الذي يفرض نوعًا جديدًا من التكيف مع التغيرات الجسدية والنفسية، خاصة حين لا تجرؤ الفتيات على الإفصاح عن مشاعر القلق والتوتر والرغبة غير المفهومة. ينشأ صراع داخلي يتنافى مع الصورة النمطية المفروضة عليهن كهادئات مطيعات، ويترافق مع شعور بالذنب في مجتمعات تعتبر الطمث دنسًا. هكذا تُوصَف المرأة الحائض بعدم التوازن وفقدان التركيز، ما يرسّخ لديها شعور النقص ويدفعها إلى إنكار جنسانيتها واللجوء إلى السلبية الأنثوية، وهو ما يكرّس لديها شعور “الخصيّة” بدوره الإنكاري.
فصل الكراهية
تستشف الكاتبة جيرمين غرير في فصل الكراهية الطرق التي استوعبت بها النساء كراهية أنفسهن نتيجةً للقمع الأبوي، وتتجلى هذه الكراهية في جوانب مختلفة من حياة النساء، بما في ذلك أجسادهن وعلاقاتهن وهوياتهن. تناقش غرير الكيفية التي يتم فيها تكييف النساء لكراهية أجسادهن بسبب توقعات المجتمع ومعايير الجمال، مما ينتج عنه هوس بالمظهر وانخراط في ممارسات ضارة للتوافق مع المثل العليا التي حددها الذكور. كما تشير إلى أن تعليم النساء قمع رغباتهن وطموحاتهن يؤدي إلى التخريب الذاتي لحياتهن الشخصية والمهنية، وهو ما ينبع من الاعتقاد بأن النساء أدنى من الرجال بطبيعتهن، ومن ثم لا يستحققن النجاح أو السعادة.
أيضًا يتطرق فصل الكراهية من الكتاب إلى الغضب والاستياء باعتبارهما مشاعر مكبوتة تجاه الرجال والمجتمع وحتى النساء الأخريات، حيث ترى غرير أن هذا الغضب غالبًا ما يكون موجهًا داخليًا وبشكل خاطئ، ليساهم في دورة كراهية الذات. وتسلط الضوء على العواقب النفسية لهذه الكراهية الداخلية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وقضايا الصحة العقلية الأخرى، مؤكدة أن النساء يجب أن يواجهن ويتغلبن على كراهية الذات لتحقيق التحرر الحقيقي.
يُعد فصل “الكراهية” بالغ الأهمية في حجة غرير الشاملة، إذ يتعمق في الأبعاد العاطفية والنفسية لقمع الإناث، كما يتحدى النساء للاعتراف بالطرق التي تم تكييفهن بها لكراهية أنفسهن ورفضها، ويدعو إلى شكل أكثر أصالة وتطرفًا من قبول الذات. ويتردد صدى هذا الفصل مع النقد النسوي الأوسع لكيفية تلاعب المجتمعات الأبوية بتصور المرأة لذاتها والتحكم فيه، ما يحث على استكشاف أعمق للحواجز الداخلية التي تحول دون تحرير المرأة.
إن نهج غرير يتسم بالمواجهة ويهدف إلى إثارة استجابة عاطفية قوية لدى القارئ، ومن خلال معالجة “الكراهية” بشكل مباشر تجبر القراء على التعامل مع الحقائق غير المريحة للتأثير الشامل للبطريركية وعلى احترام المرأة لذاتها وصحتها العقلية.
فصل الثورة
يوضح الكتاب في فصله الأخير مفهوم “الثورة” لتلمّس الخطى المنشودة نحو المستقبل، فتضع غرير تصوّراتها عن المرأة المتصفة بالثورية بأنها:
- تعرف أعداءها من المتسلطين والناصحين والمحذرين والمتعسفين.
- تجد رفاقها في الرحلة.
- تبتكر أسلوبها الثوري.
كما تؤكد أنه لا بديل عن الوعي السياسي كأسلوب للمواجهة. وتعترف بأن ما تقدمه من طروحات لا يسلم من مخاطرة الخطأ، فالنساء اللواتي انطلقن لتحرير ذواتهن لسن سعيدات بالضرورة، ولكنهن يتميزن بالتحدي والإصرار والاستمرار.
وتنتقد غرير في هذا الفصل الممارسات المغلوطة التي تقع فيها النساء، مثل التمسك بالأنوثة، أو المنافسة لإثبات التفوق، أو تبني مواقف الحرب، أو عدم مناصرة نساء السلطة لبنات جنسهن. وتوضح فكرتها عن المرأة الثورية الرافضة للصورة النمطية التي أوجدها المجتمع الأبوي، بأنها مختلفة عن النساء اللواتي يقبلن بهوية مخصّية مزيفة، مؤكدة أن الأمور يمكن أن تكون على خلاف ذلك بالتحرر من كل ما يكبلهن على المستوى الشخصي والجنساني والسياسي. كما تدعو إلى الكف عن حب المنتصرين والميل نحو الرجل القوي، وتحرض على المشاركة لتحدي ملكية الرجل لوسائل الإنتاج وزعزعة هيمنة متطلبات الحياة الاستهلاكية، خاصة وأن الكثير منها يستهدف النساء، فتقول: “لم أكافح من أجل إخراج النساء من خلف المكانس الكهربائية لإدخالهن إلى مجلس إدارة شركة هوفر.”
يأخذ مبحث المؤسسة الزوجية جزءًا واضحًا من فصل الثورة، حيث ترفض غرير الزواج وتعتبره نظامًا غير عادل بسبب تفاوت مستويات الأخذ والعطاء، حتى عندما يكون الحب هو الدافع. وتفسر ذلك بأن الحب متاح وموجود ولا يحتاج إلى تأطيره بارتباط الزواج، أما دافع الأمان الذي تنشده النساء فهو إشكالي وغير واقعي، لأن الحياة قائمة على التغير وعدم الثبات سواء للأشخاص أو الظروف، فالزواج ليس ضامنًا لاستمرارية أي علاقة، أما المرأة التي تتزوج كي تجد من يعيلها فهي، على حد تعبيرها: “تستحق ما تحصل عليه.” وتطرح حلولًا لمساندة الأمهات المستقلات، الأمر الذي يقودها إلى انتقاد المجتمع الاستهلاكي، وتقدّم بديلًا عنه مبدأ التشاركية ورفض المعايير الحالية بما تقدمه من نماذج لمستلزمات البيت ومتطلبات تنشئة الأطفال.
كما تنتقد ما يسمى بالنخب النسوية وتعتبرها نمطًا ذكوريًا، إذ تصفها بأنها الطبقة الوسطى اللطيفة التي توقع العرائض وتعقد الاجتماعات، وترى أنها تحتاج إلى إعادة نظر، فالأمور تخطت مسألة مساواة الأجور ووصلت إلى ضرورة تثوير شروط العمل بما يتلاءم مع النساء. وترفض أيضًا اللجوء إلى البحث التاريخي عن المجتمعات الأمومية والانطلاق منها لتأكيد حقوق النساء، فتقول: “لسنا بحاجة لشرح أنفسنا” فتشير إلى أن شكل الحياة المطلوب قد يكون جديدًا تمامًا ولا علاقة له بتاريخ مكانة المرأة في المجتمعات القديمة، إذ إن ثورة النساء هي ثورة على الوضع برمته، وليست مساومة، بل تحديًا وامتناعًا عن التعاون مع نظم قامعة.
وتخاطب غرير النساء في ختام كتابها فتقول: “حان الوقت لتحكي النساء ويسمع العالم“. ما يعني تحطيم المسارات القديمة لا إصلاحها ولا مجرد التمرد عليها، وتشرح مفهوم الثورية بأنه ما يحقق طموح النساء في التغيير الجذري المبني على الراديكالية، في حين أن التمرد جهد غير منظم، أما الإصلاح فمفهوم يبني على الموجود القائم. وتنهي كتابها بشيء من التحدي قائلة: “هناك الكثير مما يجب أن تقومي به.”
خاتمة لا بد منها:
زخر كتاب المرأة المخصّية بالكثير من النقاط الجدلية التي تستدعي النظر إليها، بدءًا من رفض التنميط، ومقاطعة النظم الاستهلاكية، وتكوين مجموعات نسائية داعمة، وتحقيق الرضا النفسي الذاتي، والعمل على تطوير الوعي السياسي، وانتهاءً بتثوير النضال النسوي.
قد نتفق أو نتحفّظ على ما جاء في الكتاب من أفكار، غير أننا نعلم تمام العلم أن الحراك النسوي نضال مستمر، وإن لم نرَ نتائجه في القريب العاجل، فسيكون تمهيدًا لبناتنا وحفيداتنا في المستقبل.
*جيرمين غرير من مواليد 1939 تعتبر أحد أبرز الأصوات النسوية في أواخر القرن العشرين، يصنفها البعض باعتبارها المرأة الثانية بعد الفرنسية “سيمون دي بوفوار” والتي تتقاطع معها في كثير من تفاصيل حياتهما، إلى أن صارتا من أبرز الأصوات النسوية.
نضال جوجك/ خولة برغوث. كاتبتان من سوريا
مجلة أوراق/27

Leave a Reply