فراس المحيثاوي: إيقاع الأساطير والدهشة.. رواية “الأسلاف” للنيوزيلندية كيري هولم

عام 1985، حصلت الروائية النيوزيلندية “كيري هولم” على جائزة “بوكر” عن روايتها الشهيرة الأسلاف. بهذا الإنجاز أصبحت “هولم” أول كاتبة نيوزيلندية تفوز بهذه الجائزة الأدبية المرموقة، وهو إنجاز استحقّته بكل جدارة. كما فازت بجائزة الكتاب النيوزيلندي للرواية عام 1984، وجائزة بيغاسوس للأدب عام 1985. 

تحظى رواية “الأسلاف” (منشورات رامينا، لندن عام 2024، بترجمة فادي الطويل)، بفرادة في الأدب، كونَها من أنضج الروايات التي تغوص في تراث “الماوري” والكلمة التي تقابل في جذرها كلمة “المألوف”؛ تطلق على السكان الأصليين لنيوزيلندا، تغوص الرواية في تراثهم عبر مزج الأسطورة والتاريخ والثقافة المحلية. 

“كيري هولم” في روايتها تأخذ القارئ في رحلة عبر الزمن إلى أصول الثقافة الماورية، تلك التي تنسج خيوطها مع الأسلاف والموروث الشعبي.

الماوريون، الذين استوطنوا نيوزيلندا قبل نحو ألف عام، يحملون تراثًا غنيًا بالأساطير والرموز التي تمثل علاقتهم بالأرض والطبيعة والقوى الخارقة. هذه العناصر تتسلّل إلى الرواية عبر الشخصيات التي تجد نفسها متشظّية بين هويّتها الماوريّة والجوانب الحديثة من الحياة، وهو ما يُبرز الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات بين قيم أسلافها ونمط الحياة المعاصر.

تُبرز الرواية أهمية الأسلاف في تشكيل الحاضر والمستقبل، إذ إن التراث الماوري المتجذّر في الأهازيج، الطقوس الروحية، والمفاهيم الكونية يشكّل عمقًا ثقافيًا ينساب في ثنايا السرد، ما يضيف لأسلوب هولم الأدبي نكهة أصيلة تراها -إضافةً إلى سردها حكاية معاصرة- تُعيد الحياة لأساطير ماوريّة قديمة. 

تتميّز الرواية بالتجريب والحداثة، ورغم هذا الأسلوب المبتكر، فإن التجريب لم يُضعف من قوة الحكاية أو من جاذبية أسلوبها السردي المليء بالشعرية والرمزية.

تتناول الرواية مصائر ثلاث شخصيات رئيسة، من خلالها تسرد الكاتبة هواجسهم الداخلية وأحلامهم وآلامهم عبر سرد إيقاعي مشحون بالمشاعر:

كيروين هولمز “كيري”: التي يتضح من تشابه اسمها مع اسم الكاتبة أنها حمّلتها الكثير من ذاكرتها وحضورها. كيروين فتاة في الثالثة والثلاثين من العمر، تتمتع بحضور قوي وشخصية مستقلة، يجري فيها الدم الماوري الذي ورثته عن أسلافها. تعيش في عزلة اختارتها بنفسها بعد أن هجرت عائلتها إثر خلاف نشب بينها وبينهم. تحاول التمسك بجذورها الماورية، لكنها تواجه تحديات الحداثة والعزلة ما يضعها في مواجهة مع ذاتها ومع أسلافها الذين يهمسون في أذنها باستمرار.

جوزيف جيلايلي “جو”: أرمل من أصول ماوريّة، يعيش مع سايمون، ابنه بالتبنّي، ويرعاه بعد وفاة زوجته هانا وابنه البيولوجي تيموتي.

سايمون بي جيلايلي “هيمي” أو هيمونا بلغة الماوري: طفل أبكم في حدود السابعة من العمر، يتمتّع بشخصية غير مألوفة تجعل سلوكه غريبًا للآخرين. هو الشخصية المحورية التي يبدأ الحدث الروائي من خلال لقائه بكيروين بعد أن فاجأها بتسلّقه خلسة إلى نافذتها.

أسلاف الماضي والحاضر

توظف كيري هولم بحنكة الموروث الثقافي في “الأسلاف”، فتتداخل طقوسهم وأغانيهم مع الأحداث اليومية لشخصياتها، بحيث تجعل من الرواية ساحة لمواجهة خفية بين الماضي والحاضر، حيث يظهر تأثير الأسلاف على سلوك الشخصيات وحياتهم. 

استطاعت هولم أن تمزج بين أدوات سردية مختلفة، من توظيف الرمزية إلى إبداع أساليب جديدة. على سبيل المثال، نجد أنها تحاكي الأصوات، كصوت “كليك” عند إغلاق الهاتف، أو حين تصف الزمن بلغة مشهدية قريبة من السينما: “18.55.25 تلاحظ، توقف الساعة، وتدخل الوقت”، حيث تجمّد الزمن للحظات ثم تحرّكه بأسلوبها الخاص.

الرواية تحكي قصة فنانة تشكيلية تميل إلى العزلة، تعشق العزف على الجيتار والقراءة وأعمال البستنة. تعيش في عزلة مطلقة حتى يتسلّل طفل غريب إلى عالمها، وهو سايمون، الذي تلتقي به عندما تجده مصابًا خلف نافذتها. بمرور الوقت، تتعرف على والده بالتبني، جو، وتبدأ بينهم علاقة متشابكة تجمعهم فيها العزلة والتأملات الداخلية.

كيروين تشعر أن فهم حقيقة الطفل يتطلب العودة إلى ماضيه، ومن هنا جاء عنوان الرواية “الأسلاف”. يبدو أن الكاتبة أرادت من خلال هذه الشخصية توجيه نظرة فاحصة إلى جذور الشخصيات وأصولها. حتى اسم البطلة “كيروين هولمز” يذكرنا بشخصية المحقق الشهير “شارلوك هولمز”، مما يوحي بأن كيروين هي المحققة التي تسعى لاستكشاف ماضي سايمون.

في أحد المشاهد، تقول كيروين للصبي: “آه يا قنفذ، لا يهمّ، لا يمكنك معرفة من هم أسلافك”. وهذه الجملة، رغم أنها موجهة إلى سايمون، فإنها تبدو كأنها توجّهها إلى نفسها، وكأنها تحاول استكشاف جذورها الخاصة.

استطاعت هولم أن تمزج بين السرد الشعري والمشاهد البصرية بطريقة مذهلة. تصف وقوف سايمون خلف نافذة كيروين بعبارة: “في النافذة، يقف متيبّسًا ومستقيمًا مثل قدّيس غريب في نافذة ذهبيّة ملطّخة”. كما تصف لحظة استيقاظ كيروين بكلمات تمتزج فيها الشكوك بالأحلام: “بين الاستيقاظ واليقظة الكاملة، ثمّة لحظة مليئة بالشكّ والحلم، عندما تكافح لتتذكّر المكان والزمان”.

الفنانة التشكيلية كيروين تعكس رغبة هولم في المزج بين الألوان والكلمات، فنرى مشهَدًا شِعريًا عندما ترسم لوحة تعرضها لجو، وتصفها كلمات تحمل جمالية بصرية وشعرية في آنٍ واحد “قوس عاصفة رقيق محفور يواجه سماء ببقع بيضاء بعيدة اكتسبت لونًا ذهبيًا بفعل الشمس المنسحبة والخطوط الرماديّة والسحب المغسولة…”

العلاقة مع الطبيعة والموسيقى

سايمون، رغم صغر سنّه، يبدو في كثير من الأحيان كشاعر متأمّل مهووس بالطبيعة. في أحد الفصول، يعزف الموسيقى أمام جحر الأرانب كأنه يحاول إحياءها من جديد. تصف الكاتبة هذا المشهد بأسلوب مشهدي يضجّ بالحياة: “ترنّ الموسيقى وتدور الآن، وترتفع كموجة عالية، ويتحوّل الضوء من ضوء الشمس العاديّ إلى اللون الأخضر المزرقّ العميق، الملمّع بالذهب”.

المدّ والجزر لا يظهر في الرواية كظاهرة طبيعيّة فقط، بل يمتدّ ليعبر عن العلاقات الإنسانيّة بين الشخصيات. علاقة “كيروين” و”جو” و”سايمون” تتأرجح مثل أمواج البحر، هادئة أحيانًا ومتوتّرة في أحيان أخرى. يصف السرد هذه الحالة: “البحر في حالة مدّ وجزر، في طريقه إلى الخارج، لكنه مسطّح وهادئ، يتجعّد الماء بهدوء على الشاطئ”.

تُسرَد الرواية من خلال ثلاثة رواة في معظم فصولها، ولكن يبقى صوت “سايمون” الأبكم هو الأكثر تميّزاً. على الرغم من صغر سنه، فإن سرده مليء بالحكمة والتأمّلات العميقة. علاقته بكلّ من “جو” و”كيروين” تحمل في طياتها مشاعر مختلطة تجمع بين الحنان والغموض. ورغم كل العنف الذي يعيشه، يجد فيهما الأمان والمحبّة. “المنزل هو جو… المنزل أيضًا هو كيروين”. هذه الشخصيات تشكّل عالم سايمون الخاص الذي يعبر عنه بسرد ممتلئ بالحكمة والفتنة.

تجسّد الرواية الصراع الدائم بين الماضي والحاضر، وتستعرض بمهارة كيف يمكن للأسلاف أن يؤثروا بشكل عميق على أجيال المستقبل. من خلال تجسيد هذا الصراع، تُسلط “كيري” هولم الضوء على التوتّرات الداخلية التي تعيشها الشخصيات، حيث يمثل الماضي تراثًا ثقافيًا غنيًا يحمل القيم والمعتقدات، بينما يتجلّى الحاضر في تحدّيات الهوية والحداثة.

تستخدم “هولم” أسلوبها الشعري والسردي المتميز لخلق عوالم غنية تنبض بالحياة، حيث يتداخل الجمال الأدبي مع العمق الفلسفي. من خلال وصفها للمشاعر والأحاسيس، تجعل القارئ يشعر بوطأة الذكريات والأحلام المعلقة. تثرى الرواية بتأملات فلسفية في كيفية تأثير التاريخ على الحاضر، وكيف يمكن للذكريات أن تشكل مسارات جديدة للعيش.

تنجح الكاتبة في خلق شخصيات متجذّرة في واقعها، تجسّد عواطف متناقضة بين التعلّق بالماضي والرغبة في التحرر منه. ولا تنظر إلى “الأسلاف” على أنهم أشباح تعود من الماضي، بل ككيانات حية تواصل التأثير في الحاضر، مما يُبرز أهمية فهم الجذور والتاريخ في سياق حياة الشخصيات، وتعيد طرح أسئلة حول الهوية والانتماء وكيف يمكن للإنسان أن يجد مكانه في عالم متغير.

تقدّم الرواية راويًا رابعًا في بعض المقاطع يستخدم ضمير المتكلم غالبًا، ثم يتحول في أجزاء معينة إلى راوٍ عليم، ما يعزّز التنوّع السردي في النص.

تترك رواية “الأسلاف” لدى القارئ أثرًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، وتفتح أبواب الأسئلة حول معنى الهوية، والانتماء، وكيف يترنّح الإنسان بين إرثه القديم وتحدّيات الحياة الحديثة. وهي بذلك ليست حكاية شخصيّات تعيش في عزلة أو تحاول البحث عن ماضيها فحسب، بل هي تأمّل عميق في جذور الإنسان المتشابكة مع الزمان والمكان. ومثلما يقف “سايمون” خلف النافذة كتجسيد للغموض والبحث عن الذات، كذلك تبقى الرواية مفتوحة على احتمالات متعدّدة للتفسير والفهم. إنها رواية عن الحياة التي تنبض في صمت “الأسلاف” وعن المستقبل الذي يصنعه الإنسان على ضوء ما ورثه من حكايات وتراث، في تمازج خلاق بين الأسطورة والواقع.

فراس المحيثاوي. شاعر وروائي سوري
مجلة أوراق/ 27

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply