على الرغم من ما يوحيه ظاهر العنوان من رومانسية متعالية ومغرقة في ذاتها، إذا انطلقنا من أن لفظة المطر هي لفظة حميميمة في المعجم الشعري المعاصر تقترن بأسيقة الحب وتلقي بظلالها الجميلة على القصيدة، ولا يقتصر ذلك على الشعر العربي المعاصر بل ينطبق على كثير من الشعر في بلدان العالم المتعددة والمتنوعة، وهنا يحضرني نص مترجم يقارب هذه الدلالة للشاعرة الإيرانية فرشته ساري يحمل عنوانًا مقاربًا عنوانه «المطر يطرق الباب» تقول فيه:
همس مبتلّ
ما يتقاطر من کلام السحابة
ربما استيقظتَ علی حديث الغيوم المخيل
تذهب إلی جانب النافذة
وتنفض عن نفسك الخوف
ربما قد اضطربت لصوت نضوج الکرز الأحمر
تفتح عينيك وتتطاير من جفنيك دائرتان حمراوتان
هو المطر يهطل.
إننا أمام رومانسية غنائية عالية يبعثها المطر في النفس العاشقة للطبيعة بشفافية عالية، لكننا لو نظرنا إلى عنوان مجموعة الشاعر حمزة رستناوي من هذه الزاوية الظاهرية فسنشعر بتناقض وربما تنابذ بين العنوان المغرق في رومانسيته في القراءة السطحية الأولى وبين مضمون المجموعة الذي يخلع ذاك اللباس في كثير من نصوصه، وهنا لا بد من النظر إلى لفظة المطر من زاوية الثقافية الإسلامية التي تسعفنا بدلالات متناقضة لكل ما عرف عن حضور هذه اللفظة في المعجم الشعري المعاصر بكل دلالاتها المرجعية والانزياحية، فالمطر في القرآن الكريم في مجمل الأسيقة التي ورد فيها أتى دالًا على العذاب ومقترنًا به، وتخلى عن دلالته الوظيفية في سقاية الأرض وري الزرع، كما نلحظ في قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) الأعراف/84، وقوله تعالى: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الحجر/74، وقوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) النمل/58، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) الأنفال/32، دلت لفظة «الماء» على الماء الدال على السقية. ولو انطلقنا من هذه الدلالات ومن الدلالات المتعددة التي يطرحها ابن سيرين في تفسيره لحضورات المطر في المنامات، لوجدنا أنها الأقرب إلى القراءة السيميائية لدلالات العنوان عند الشاعر رستناوي، فكثير من القصائد لديه قد تحولت عن المعنى الحلمي الجميل إلى المعنى الكابوسي الذي يؤرق الذات وربما يجلدها بقسوة في مواضع كثيرة، مما يجعل الحلم بمعناه الشفاف والممتع أمرًا غير وارد في المجموعة، وإذا كانت السين في لفظة «سيطرق» توحي بدلالة استشرافية مستقبلية مأمولة، فإن ما في النص لا يشفع لهذه الدلالة ولا يؤكدها لا سيما إذا انطلقنا من قراءة سيميائية تنطلق من أنّ العنوان هو اختزال دلالي للمجموعة، أو هو مؤشر على بنيتها الدلالية، ولا ينفصل في عضويته ودلالاته عنها.
قصيدة ما الجدوى؟
رغم اعتماد الشاعر تقنية السؤال، والأسئلة بطبيعتها اللغوية تقتضي البحث عن جواب، فإن العنوان يضمر دلالتين على الأقل فهو بطبيعته يستفز القارئ للتساؤل عن ماهية السؤال من ناحية وعن أي شيء يتساءل الشاعر، فهو ذو طبيعة عامة يمكن أن يتوجه به الإنسان إلى شيء يتعلق بحياته أو متعلقاتها، من أفعال وأفكار، وهو من ناحية ثانية، بعد قراءة النص يكشف عن سؤال وجودي عن جدوى الزمن/ العمر/ الحياة، وهو السؤال الفلسفي الذي شغل العلماء والباحثين والفلاسفة والأديان وكان المنطلق الأساسي في تبرير وجود الحياة التي سيعقبها الموت، إنه السؤال المؤرق، الذي انشغل الإنسان في البحث عن أجوبة شافية له، والشاعر رستناوي بطرحه له في عنوان قصيدته لا يخرج عما اعترى غيره من الفنانين والمبدعين عند طرحه ومعالجة فكرة الزمن/ الحياة في تضادها مع الحياة، بل في صراع هذه الثنائية الأزلي، من هنا فالسؤال في العنوان لا يضمر إجابة، وهنا تبرز دلالته الثانية، وإنما يبرز سؤالًا تقريريًا دالًا على استكانة واستسلام، فلا جدوى من هذا البحث، وفي ذلك إشارة إلى سمة بشرية تصدم أمام صخر التساؤل وتفقد كل أمل يروي سكينتها.
والشاعر في سياق تبرير هذا الاستسلام يقدم جملة من الدلالات، فالسؤال العام تمعن في الإجابة عنه تفاصيل صغيرة في سردياتها، كبرى في التعبير عن معاناة الإنسان وقمع بشريته، وهذه كله يعزز دلالة اللاجدوى لذات منكسرة مقموعة، تفاجئك منذ الجمل الأولى بالقول:
يبقونك أيامًا وليالي
جيفة وحشٍ ينغل فيك الدود
أبصار رفاقك تنكر
تستسلم
دربك وجه الموءودة
قبرك مفقود!
إذا كانت الكاف في الفعل «يبقونك» تشير إلى فاعلين مجهولين، يقمعون الجسد ويجردونه من سكينة الاستقرار في القبر، فإنها تقدم صورة وحشية للجسد المفتت يستحيل قبره مفقودًا إمعانًا في تجريده من قيمته الإنسانية، وهذه الدلالة ستتعزز في جملة من العبارات المفتاحية: «سيسأل مقصلة الموت/ حبك في جبك/ ما الجدوى أن تعشق في الجيفة ضدين».
الغربة:
تبرز في قصيدة «على أعمدة الغربة» الذات الشاعرة معلقة على سؤال الغربة عن الذات والروح والمكان فتشرئب الذات متقمصة ومتخيلة بين منزعين، منزع الاغتراب بكل من يوقده من حنين، ومنزع الذكريات بكل ما تحمله من جمال وقبح ليكون المنزع الجمالي هو طموح القصيدة:
يا رب الدار أغثني
وأعدني ما دون الأهل إلى نافذة الروح
جنبني وسواس الآلهة الخناس
ألقمني ثدي حفيف الجن إلى الأجداث
عبر لغة دُعَائية تستلهم اللغة الدينية وتحرفها عن سياقها الدلالي المألوف إلى مسارات وتشظيات تقطع عليها درب الدلالة المباشرة، وتقض مضجعها اللغوي، فالوسواس بات موجهًا للآلهة، والحفيف ترك الشجر وغرد من الجن إلى الأجداث.
اللغة التناصية الدينية:
تبرز سمة أسلوبية مميزة على صعيد اللغة الشعرية يتمثل في الحضور الطاغي لمعجم المفردات الدينية في لغة الشاعر، ولعل من الأمثلة الأبرز على ذلك قصيدة «ضلالة المعراج» التي تقف في حضرة الموت بلغة مثقلة باستعارة المعجم اللغوي الديني/ القرآني وقصصه من خلال مفردات: الضلالة، المعراج، إرم العماد، أسجد، المعاد، مئذنتي، استهدي، اللؤلؤ المكنون، الجدث، محراب، ذنبي، حاول الشاعر سبكها في سياق جنائزي مغرق في موته:
قيدتني شهوة الدفن
ونادتني غصون من تراب.
ويحضر التناص عبر القناع كما نلحظ في قصيدة «سين» وهو إله القمر في بلاد الرافدين، ورغم اعتماد الشاعر أسلوب المخاطب الذي يوحي بطرف آخر للسرد الشعري، فإن الدلالة العميقة تشير إلى حوارية ذاتية هي أقرب إلى النجوى، لعل ما يؤكد ذلك تحول الضمير إلى ضمير المتكلم في المقطعين الأخيرين من النص، دون أن يمنع ذلك من دلالة التداخل بين الدلالتين الشاعر والإله سين، لتوليد دلالة درامية تتحول القصيدة فيها إلى قراءة لمصير بشري يحفه الموت وانتظار السراب:
سأزف قبعة الأميرة للهباء
أقدم الجمل القديم ذبيحة
تقتاتها الأزمان في قداسها
ستمر أقنية إلى أرض السكينة
وترابك الماشي على صخر الخلود الوهم
تجرفه المدينة
ولن تغيب هذه الدلالة السرابية العدمية عن قصيدة «إلى فرفريوس المكسو بالأرجوان» وتبرز في مفتتح النص الذي يماهي بين الأنا والآخر بعدمية المصير:
وأنا وأنتَ
سوى العدم
صفر يصيد الواحدات
يخون جوهرة القدم
مقولة الألم:
ربما يصح أن ننعت القصيدة في المجموعة بأنها تقيم في بيت الموت والألم والحزن الملفوف بتشاؤمية ذات مؤرقة لا تركن إلى سكينة، وعلى ذلك تتواشج هذه المقولات وتتضافر في تقديم مقولات النص، وهذا ما يجعل الفصل بينها متعذرًا، وإذا ما توقفنا عند مقولة الألم في تماهيها مع الموت، فستبرز قصيدة «قيصر الآلام»، وفي لفظة «قيصر» تصعيد لدلالة الألم ورفع لها إلى مستوى عال ومبالغ فيه، تنطلق دلالة الألم من وحدة ذات وغربتها:
يا تاركًا روحي تأنّ على جروح النوم
أوقد مئذنة
وأنا المُسجَّى فوق مائدة الحياة
أبارك الآلام
كي ترخي عليّ سدولها
أنا لم أكن تيهًا
لترشدني المآذن
حبك القمري ينمو
في الهيام أبدد الثالوث
تنبئي ليالي الصلب
توقد في رواقي مدخنه.
الذكريات والمكان (الطفولة):
وربما يكون النص المثقل بالرومانسية هو ذاك النص الذي يحتفي بالماضي وبالذكريات، إنها نوستالجيا الحنين إلى الماضي بكل تفاصيله وذكرياته، بما تخلفه من جروح وقروح في القلب، من خلال البحث عن سكينة باتت مفتقدة، فيكون الماضي المثالي شعريًا عبر رسم كون حافل بالذكريات، وما تستجره من حنين موجع أحيانًا وصادم للواقع في أحيان أخرى، وهو ما يبرز في قصيدة «قامة الطفل البعيد» التي تعد من أكثر قصائد المجموعة رومانسية وملامسة لجدران الروح، عبر انكسارها بين لحظتين، لحظة الماضي بكل ما تثيره من حنين ولحظة الحاضر بكل ما حمله من انكسارات للروح:
هذا الحنين هرول
عاريًا أستأجر اللحظات أن تبدي لباقتها
وأسرج في سماء العمر ممتلئ الحروف
أجرجر الحيوات من خلف إلى هذا المساء
هذي جسور محبتي
عبرت تجاربها
وقرت في المحابر قاب قوس من خواء
بين التاريخي والشعري:
لعل من أبرز التقنيات الفنية في تشكيل كثير من القصائد، هي تقنية توظيف التاريخي في تشكيل الشعري، ويتجلى ذلك في طريقتين المزج بين التاريخي والواقعي من خلال المفارقة والأسطرة كما نلحظ في قصيدة «جلجامش والرؤية الصادقة – فصول من تاريخ الربابة» إنها استثمار في لحظتين تأريخية أسطورية «جلجامش» ولحظة ممعنة في راهنتيها ومفارقتها «الربابة»، من خلال إحالة رمزية لا تنجد القصيدة في فك الاشتباك بين العنوان والمتن النصي إلا من خلال قراءة تحاول فك الرمز العلائقي بين الطرفين، وتنتصر لرحلة الذات الشاعرة الجلجامشية التي تندغم بأنوثة القصيدة في خاتمتها.
والتقنية الأخرى في التعامل مع التاريخي تتضح من خلال استثمار التاريخ في تشكيل شعرية القصيدة، وهنا يطغى فكر القصيدة على جمالياتها، دون أن يحرمها لذة القراءة المغايرة التي تبتهج بالتاريخ لتعيد صناعة القصيدة التي تقول مقولتها مجردة عن عمل المؤرخ، فيغيب المؤرخ ليحضر الشاعر، وهذا ما يمكن ملاحظته في قصيدتين على الأقل هما: «نوافذ في جسد يثرب» و«موشور بغداد».
هايل الطالب. باحث سوري
مجلة أوراق/ 27

Leave a Reply