حسين جرود: الحرب الأخيرة

طوال هذه السنوات لم تكن الحرب في سوريا بين نظام ومعارضة، أو بين قوى خارجية هي أذرع لقوى خارجية وأيضًا لها أذرع داخلية وللأذرع أذرع… كانت الحرب بين الإبداع والسطور الثلاثة.

من البديهيات أن متصفح الإنترنت لا يحب قراءة ما يتجاوز الثلاثة أسطر، ومن يومها اشتدت الحرب على طريقة ملء تلك الأسطر الثلاثة، وحصد المعجبين على شبكات التواصل الاجتماعي.

هناك من يملأ الأسطر بآية قرآنية أو حديث نبوي وهذا سهل التصنيف، فهو منافق مسالم يختار أسلم الطرق للنجاة في هذه المعركة التي لن ترحم أحدًا.

وهناك جحافل المحللين السياسيين الذين يرمونَ تلك الأسطر لأسباب مختلفة لا تنحصر بطموح الظفر بعبارة: “شوفوني”، أو “ما قلنالكم”، يومًا ما… ولكنهم يشكلون خطرًا حقيقيًا عندما يتحقق شيء مما كتبوه في السطر الثاني أو الأول من منشورهم. مما يسمح بتكريس نظرياتهم.

الشعراء طبعًا هم المكروهون في كل زمان ومكان، ولكن ما الذي يدفع الشخص لكتابة الشعر سوى كرهه لهذا المكان والزمان والأشخاص، لذا تراهم يعيشون على توازن “الشعور المتبادل” و”رعبة بتفك رعبة”، وقد يقوّي أحدهم قلبه فيكتب: “لو بدنا نخاف من الحمير ما كنا زرعنا شعير”. لا سيما أن لسوريا تاريخًا عريقًا بالشعر منذ ديك الجن الحمصي وحتى كاتب هذه السطور. مرورًا بمحمد الماغوط والمعري والبقايا…

تأخر السوريون بالريلزات كثيرًا وكان يوتيوبهم فقيرًا جدًا حتى سنوات قليلة، ولكن الآن الوضع تغير، وبات للإنستا مكانته الاجتماعية، والتيكتوك فقد فورته الأولى المستفزة، لينعم اليوتيوب ببعض السلام، فيما تتراكم طبقات النسيان على تويتر الذي نسيَ اسمه. لكن هذه التعددية التي أتت أخيرًا رفعت شيئًا من الحمل عن كاهل الأسطر الثلاثة.

هناك من يتهمك بأقذع الصفات إن كتبت منشورًا طويلًا يتجاوز تلك الأسطر، وهناك من ينكر أي قيمة لشيء له علاقة بتلك الوسائل المتعلقة بتلك الأسطر. وطبعًا، يحدث ذلك الاحتجاج عبر الأسطر الثلاثة نفسها.

هناك من لجأ للذكاء الصناعي لنفخ أسطره الثلاثة كي تغدو مقالًا طويلًا ممطوطًا، وهناك من بات ينشر ثلاثة أسطر شهريًا على مبدأ “الندرة تزيد القيمة”. أو “حب البنت تسيبك.. سيب البنت تحبك”.

بعض المثقفين يكتبون الأسطر في الليل ويهاجمون كل شيء، ثم يمحونها في النهار ويطلبون من العالم مسامحتهم. أو يكتبونها مدة ساعات ويحذفونها مع عبارة “للحذف” أو دونها.

النوع الشائع في زمن التمويل هو المرتزق الذي يتهم غيره بالارتزاق، والنوع الشائع جدًا في زمن انحسار المد هو المهزوم الذي يتهم الآخرين بأنهم أكثر هزيمة منه أو أقل هزيمة أو حتى “خونة”! والنوع الأكثر شيوعًا، جماعة “الله يطفيها بنورو” الذين تطوروا وتوسعوا بطاقات شابة إلى جماعة “خرا ع الاتنين” أو “إن شا الله ي…كوا بعضهم”…

هناك من يتهم الآخرين بأنهم يتنفسون بنحو طبيعي مع أن هناك قطًا يعرج في غواتيمالا… وهناك من يغريه تغير المناخ كثيرًا أكثر من القط الذي يعرج في غواتيمالا والقتل في سوريا.

هناك من يرى الكلام اللطيف انتهازية، ويرى الكلام الثقيل مزاودة، ويرى الصمت خيانة، ويراكَ “جحشًا” في جميع الأحوال.

في زمن زوال أشياء كثيرة لها قيمة فعلًا، لا يهم كثيرًا زوال أحد الكوابيس المتعلقة بثقافتنا البوليسية؛ “الأسطر الثلاثة” هذا العالم الذي بدأ كمقاومة لنظام دكتاتوري عسكري مافيوي… ثم تشعّب ونما وينحسر تدريجيًا، في زمن تعدد المافيات وانتشارها التي جعلتنا ننعم أخيرًا بالتعددية الثقافية. هل تصدقون أن السوري كان يستنكر أن غيره قام بكتابة ثلاثة أسطر زيادة عنه في أحد الأيام؟

لقطة بعد شارة الفيلم:

وهناك من يرى أن أسطره الثلاثة تحمل علاج السرطان والتفكك الأسري وغلاء البندورة (أو الكوسا) و…

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply