ثمة كتب نقرأها بوصفها نصوصاً أدبية فحسب، وثمة كتب أخرى نقترب منها بوصفها جزءاً من ذاكرة شخصية ومدينة كاملة. هكذا تبدو رواية سفر الخروج للروائي الحلبي محمد دالاتي. وبالنسبة لي، لا تأتي هذه القراءة من موقع القارئ البعيد فقط بل أيضاً من موقع الصديق الذي عرف الكاتب عن قرب لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً عشنا معاً سنوات طويلة في شوارع حلب ومقاهيها القديمة التي كانت تضج بالحوار الثقافي والجدل الأدبي.
كان محمد دالاتي دائماً واحداً من أولئك الذين يصعب فصلهم عن مدينتهم من الناس الذين يملكون قلوباً صغيرة لكنها تمنح حباً أكبر من حجمها. كان جزءاً من الحراك الثقافي في حلب، يعيش تفاصيل المدينة اليومية ويصغي إلى نبضها الإنساني، وكانت الكتابة عنده ليست سوى محاولة لالتقاط تلك الحياة المتدفقة في الأزقة والمقاهي والذاكرة.
هذه العلاقة العميقة بالمكان تظهر بوضوح في عالمه الروائي فمحمد دالاتي، الذي ولد وتربى ودرس في حلب، لم يغادر مدينته حتى في سنوات الحرب القاسية التي مرت بها البلاد. ظل وفياً لشوارعها ومقاهيها القديمة، وكأنه كان يخشى أن تغادره رائحة حلب إن ابتعد عنها. لذلك بقي قريباً من روح المدينة، ينام في ظلها ويتنفس هواءها، وهو ما ينعكس بوضوح في حساسية المكان في كتاباته وقدرته على استحضار البيئة المحلية بصدق ودفء إنساني واضح.
تقدم رواية «سفر الخروج» عالماً سردياً يتقاطع فيه الواقعي بالرمزي، حيث يحاول الكاتب بناء حكاية إنسانية تنطلق من فضاء محلي بسيط لتلامس أسئلة أوسع تتعلق بالفقد والمنفى والهوية والبحث عن المعنى. ومنذ الصفحات الأولى يختار الكاتب أن يفتتح روايته بمقدمة ذات طابع تأملي وشاعري، تكاد تكون أقرب إلى بيان رمزي عن الخروج والاغتراب الإنساني. هذه البداية لا تؤدي وظيفة تمهيدية فحسب، بل تضع القارئ مباشرة في أفق دلالي واسع، حيث يصبح الخروج من المكان أو التشتت في العالم صورة كبرى للقلق الإنساني والبحث الدائم عن الجذور. ومن هذا المدخل الرمزي ينتقل السرد تدريجياً إلى فضاء أكثر واقعية يتمثل في قرية أم الطين، التي تتحول في الرواية إلى فضاء روائي حي، يكاد يشارك الشخصيات مصائرها وتحولاتها.
المكان في الرواية ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي في البناء السردي. فالقرية الصغيرة تبدو أشبه بذاكرة جماعية تختزن تاريخ أهلها وأحلامهم الصغيرة ومخاوفهم اليومية. ينجح الكاتب في رسم ملامح هذا المكان عبر تفاصيل الحياة الريفية والعلاقات الاجتماعية والبنية الثقافية التي تتشكل من المعتقدات الشعبية والعادات المتوارثة. ومن خلال هذا الفضاء المكاني تتشكل الشخصيات وتتشابك مصائرها، بحيث يصبح المكان مرآة للتحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الأبطال.
أما الزمن الروائي فيتخذ مساراً متدرجاً يبدأ من الطفولة المبكرة ويمتد عبر سنوات التشكل النفسي والنضج الزمن هنا ليس مجرد تسلسل للأحداث، بل إطار يكشف تحولات الوعي داخل الشخصيات فالكاتب يتوقف عند لحظات التحول الدقيقة التي ترافق نمو الإنسان اكتشاف الجسد الإحساس الأول بالحب، ومواجهة الموت، وتجربة الفقد… هذه اللحظات تبنى ببطء وتأمل، ما يمنح النص طابعاً إنسانياً عميقاً، وإن كان هذا الإيقاع البطيء يخفف أحياناً من حدة التوتر الدرامي في السرد. وتتميز الرواية كذلك بلغة ذات نزعة شعرية واضحة. فالكاتب يعتمد صوراً بلاغية واستعارات كثيفة تجعل السرد قريباً من النثر الشعري في كثير من المقاطع. هذه اللغة تمنح النص حساسية جمالية عالية وتخلق جواً عاطفياً متوتراً ينسجم مع طبيعة الموضوعات المطروحة. غير أن هذا الأسلوب اللغوي، رغم جماله، قد يطغى أحياناً على الحركة السردية بحيث تتقدم البلاغة الوصفية على الحدث الروائي.
وإذا كانت اللغة تمثل إحدى الركائز الجمالية للنص، فإنها في الوقت نفسه تشكل أداة لبناء الحالة النفسية للشخصيات. فالكاتب يكتب بلغة تميل إلى الإيحاء أكثر من المباشرة، وتعمل على نقل القارئ إلى عالم داخلي تتداخل فيه الأحاسيس والذكريات والقلق الوجودي. ومن خلال هذه اللغة تتشكل ملامح التجربة الإنسانية التي يسعى النص إلى التقاطها.
تدور الأحداث في جوهرها حول شخصية ناصر، الطفل الذي يعيش في ظل أم شديدة التعلق به بعد وفاة والده. ومن خلال هذه الشخصية ينسج الكاتب مساراً نفسياً يتتبع مراحل التكوين الداخلي للإنسان تنشأ بين ناصر وجارة العائلة منى علاقة إنسانية مركبة تجمع بين الصداقة والحنان واليقظة العاطفية المبكرة. هذه العلاقة تشكل أحد المحاور الأساسية في الرواية، لأنها تكشف التوتر بين البراءة الطفولية وبين التحولات النفسية التي ترافق مرحلة المراهقة تبدو شخصية ناصر شخصية حساسة وقلقة تحمل في داخلها أسئلة أكبر من عمرها، بينما تمثل الأم فرحة نموذج الأم التقليدية التي تحاول حماية ابنها الوحيد من قسوة العالم عبر مزيج من الحب والخوف والمعتقدات الشعبية. أما منى فتظهر بوصفها نقطة التوازن في عالم ناصر المضطرب، فهي الصديقة والمعلمة والحبيبة في آن واحد، ومن خلالها يكتشف ناصر جانباً جديداً من ذاته ومن العالم.
وعلى مستوى الصراعات، لا تقوم الرواية على أحداث درامية كبيرة بقدر ما تعتمد على صراعات داخلية تتشكل في أعماق الشخصيات. فالصراع الأساسي هو صراع نفسي داخل شخصية ناصر بين الطفولة والرغبة، بين الحاجة إلى الأمان والرغبة في التمرد. ويضاف إلى ذلك صراع اجتماعي خفي يتعلق بقيود البيئة الريفية والعادات السائدة، فضلاً عن صراع وجودي يتجلى في حضور الموت والفقد كجزء من التجربة الإنسانية.
وفي ضوء هذه القراءة يمكن القول إن رواية «سفر الخروج» لمحمد دالاتي تنتمي إلى ذلك النوع من الروايات التي تراهن على بناء العالم الداخلي للشخصيات بقدر ما تراهن على الحدث الخارجي. فالرواية لا تقوم على حبكة صاخبة أو مفاجآت درامية متلاحقة، بل تعتمد على نمو بطيء ومتدرج للأحداث، يتكامل فيه تطور الشخصيات مع تحولات المكان والزمان. وهذا ما يمنح النص طابعه التأملي الذي يجعل القارئ قريباً من التجربة الإنسانية التي يطرحها الكاتب.
لقد استطاع دالاتي أن يخلق عالماً روائياً يتنفس من ذاكرة المكان، وأن يجعل القرية الصغيرة فضاء سردياً يحتضن تحولات الإنسان في لحظاته الأولى: الطفولة الاكتشاف الحب، والخوف من الفقد. ومن خلال شخصية ناصر تحديداً، تتكشف أسئلة الهوية والقلق الوجودي في سياق اجتماعي بسيط ولكنه غني بالتجارب الإنسانية. فالشخصيات في الرواية ليست مجرد أدوات للسرد، بل كائنات حية تحمل تناقضاتها وهواجسها، وتتحرك داخل شبكة من العلاقات التي تعكس طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه. وتبرز قوة الرواية أيضاً في لغتها التي تميل إلى الشعرية والتأمل حيث تتحول الجملة السردية إلى مساحة للتعبير الوجداني عن التجربة الإنسانية. صحيح أن هذه الشعرية قد تؤدي أحياناً إلى إبطاء الإيقاع الدرامي، لكنها في الوقت نفسه تمنح النص طابعاً جمالياً ينسجم مع طبيعة الموضوع الذي يعالجه، وتؤكد أن الكاتب يكتب بروح شاعرية تسعى إلى التقاط التفاصيل الحسية والوجدانية للحياة.
وفي المحصلة، يمكن النظر إلى «سفر الخروج» بوصفها رواية تستند إلى ذاكرة المكان وقلق الإنسان في آن واحد. فهي لا تحكي مجرد قصة نشأة أو تجربة حب مبكرة، بل تطرح أسئلة أعمق تتعلق بتشكل الوعي الإنساني في بيئة محددة، وبالطريقة التي تتداخل فيها الطفولة مع التجربة الوجودية الأولى للإنسان. ومن خلال هذا البناء الهادئ والمتدرج ينجح محمد دالاتي في تقديم عمل روائي يحمل ملامح الصدق الإنساني ودفء الذاكرة، ويضع القارئ أمام تجربة سردية تقوم على التأمل في الإنسان أكثر مما تقوم على متابعة الحدث وحده.
