كان نهارًا لم ينسه أحد، ظل الناس يحكون لأبنائهم وأحفادهم عنه لسنين طويلة.
الناس الذين وقفوا تحت البناية، محاولين السيطرة بالصراخ غالبًا على الحريق الذي اندلع فجأة في شقة الأستاذ أحمد، ذيوله تتسلق الشرفات الأخرى متسللة من نوافذ غرفة الضيوف والمطبخ، يقضم البناية صعودًا فيتآكل الحجر الأبيض الذي لم يمض على تكحيله وتنظيفه ثلاثة شهور.
النساء اللاتي اختبأن وراء الستائر، بعد أن أغلقن النوافذ، مراقبات الحادثة وهنّ يكشفن عن وجوههن فقط من شقيّ الستارة.
الأطفال الذي جعلوا الحريق عاصفة كبيرة ابتلعت كل شيء ولمست الأرض تحت أقدامهم قبل أن يهربوا إلى آخر الشارع.
الجَدّات تذكرن حوادث قديمة بدمعة، وهزة رأس، وحوقلة خافتة، ولم يتوقفن عن تنقيل حبّات المسابح بين أصابعهن مستغفرات وداعيات.
خرج بعض الرجال المحاصرين إلى شرفاتهم، صرخوا يطلبون النجدة، ولولت النساء وراءهم، وتعلق الأطفال بالحاجز الحديدي.
بين الجمهور الذي لم يتجرأ بعضه على الدخول إلى البناية، ولم يخلع أحد منهم قميصه ليلفّ رأسه به، تقدم رجل وصفه البعض بالحكمة، أشار للحبال المعلقة فوق رؤوسهم، والتي تمتد عبر الشارع حاملة لافتات التأييد لشخصه العظيم، قبل عشرة أيام من الانتخابات الجديدة.
قال الحكيم:
- لفوا اللافتات حبالًا، وأنزلوهم.
تراجع الواقفون وراءه، تلفّت بعضهم إلى بعض، بدا على وجوههم الارتباك، ابتعدوا عن الحكيم أمتارًا مُشكِّلين دائرة فارغة هو مركزها.
همس أحدهم:
- لافتات الرئيس؟
همس آخر مطأطئًا رأسه وعينيه مغروزتين في الأرض:
- هششش.
تنحنح المخبر الغبي الذي تعرفه الحارة كلها وتقدم مقتربًا من الحكيم:
- أتريدهم أن يمزقوا لافتات الرئيس؟
كان الحكيم ضعيف السمع، وضع كفه وراء أذنه وصرخ في أذن المخبر:
- ماذا تقول؟
أعاد المخبر سؤاله.
نفض الحكيم ما وصل إليه من السؤال قريبًا من أذنه حين حرك كفه كأنه (يكشّ) ذبابة.
ثمّ صرخ مشيرًا إلى الأستاذ أحمد:
- اسحب حبل اللافتة واربطه، حاول النزول.
اتسعت الدائرة الفارغة حول الحكيم أكثر، وبدأت أعداد المتجمهرين تقل.
أمّا الأستاذ أحمد فكان يقف ملاصقًا لسور الشرفة في الطابق الثالث، يحاول أن يتفادى هجمات الدخان الأسود الذي تبتلع ناره بنهم كتبه الكثيرة وفرش شقته الرثّ.
حين سمع صراخ الحكيم، أطلّ بنصف جسمه عن السور، صرخ رادًا عليه:
- أيَّة لافتة؟
أشار الحكيم:
- لافتة الرئيس.
تراجع الأستاذ أحمد إلى الوراء، تأمل لثوانٍ اللافتة التي ربط طرفها مختار الحارة بحديد سور شرفته والطرف الآخر بعمود حديدي للغسيل في سطح البناية المقابلة.
مدّ يده يحاول فك الحبل، كان مشدودًا، راقبه الناس وهم يفتحون أفواههم للهواء والتعجب، أمَّا المخبر الأحمق فقد اقترب من باب البناية رافعًا رأسه مراقبًا، وعلى وجهه نظرة تحدٍّ بلهاء.
بدأت النار تتجاوز باب الشرفة ونافذتها، حين تمكَّن الأستاذ أحمد من فكِّ الحبل، اكتشف بعدها أنه -ما زال- مربوطًا من الطرف الآخر، أشار للناس صارخًا:
- فكوا الحبل.
تجاهله الجمع الذي بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا عن البناية المشتعلة، تاركين النساء والرجال الذين استطاعوا الهروب من منازلهم بوجوه وثياب لوثها الدخان الأسود، يندبون بيوتهم التي تحترق.
أداروا ظهورهم متظاهرين بالانشغال في الحديث، وبقي الحكيم واقفًا يراقب الأستاذ أحمد، ويصرخ في الجموع، مشيرًا إلى اللافتات:
- فكوا الحبال، أنقذوا الرجل.
ظلّ أحمد عالقًا في الشرفة، يمسك بطرف الحبل الذي علقت اللافتة به لساعة كاملة، كانت النار قد أكلت ما تقدر عليه كله، والدخان الأسود صار أكثر كثافة، راقب الحكيم يد أحمد ممدودة من الشرفة، تمسك الحبل، على حين اختفى جسمه، والهواء والدخان يلاعبان اللافتات، ظلّ المخبر الأحمق واقفًا يسجل في دفتره ما يتجاوز همس الناس، وبتحدٍ سمعه البعض يقول:
- لافتات الرئيس بخير.
تجاوز الحريق أسوار الشرفات، وبدأ يقضم حبال اللافتات، حينها بدا الذعر على وجه المخبر، أخذ يتلفّت حوله، يأمر الناس بإنقاذ اللافتات، ويركض في دوائر مشوهة كدجاجة مقطوعة الرأس، يجذب الرجال من قمصانهم، ثم يدفعهم للوراء وهو يشير للافتات التي اشتعلت كلها، ويلطم كأرملة جديدة.
بدا الارتياح على وجوه الناس، متناسين أن يد الأستاذ أحمد ممدودة من الشرفة، معلقة في الهواء، وجسمه يحترق.
أوراق/ 26
