المكتبة التي كبرت معي
عدت إلى سوريا طفلًا لأن “صدام حسين” قرر أن يغزو الكويت. في خيالي، قبل العودة، ذكرى عميقة لأمي تضعني في حضنها وتقرأ لي كتاب أطفال يُعلّم الكلمات من خلال الصور، وذكريات مجلات أطفال مثل ماجد وسعد، وقاموس تقني عملاق مصوّر، وكتابين اشتراهما لي أبي قبل أن تحلّ الحرب، أذكر إلى اليوم قراءتهما ممددًا إلى جواره عندما كان يأخذ قيلولته بعد العمل، وإن لم أفهم منهما الكثير، لكنها الطقوس التي تصنع الذكريات الجميلة.
العودة إلى الوطن هي أول غربة لطفل لم يعرف من البلد إلا بعض الذكريات المبهمة. كانت قريتنا كبيرة في حساب القرى منذ ذلك الزمن، لكنها وإن اشتهرت بأشياء عدة، فليس من بينها المكتبات. ومع ذلك لم يمنع هذا من اكتشاف جميل تمثّل في قصص أطفال بديعة الرسوم مترجمة عن الروسية، مليئة بالثلوج والغابات وأجواء قروية أليفة ومحببة، اشتريتها من محل بسيط ليس بعيدًا عن البيت، غير محدد الهوية بين بقالة وبائع قرطاسية في بناء خارج عن الزمن مشيّد من الحجر الأسود، لا يقل قروية عن ذكريات القصص الروسية القادمة من الاتحاد السوفييتي لتبشر بقيم البساطة الريفية لطفل في قرية من الريف السوري.
خلال العام التالي تعرفت إلى أمرين؛ الكثير جدًا من الأقارب، وحمص المدينة. كلاهما عرّفني الكثير من الكتب.
غياب مدننا
كانت مكتبتي تكبر باطراد، لكن هناك مفاصل في القراءة لا بدّ منها لكل قارئ، إحدى هذه المفاصل ألغاز محمود سالم؛ المغامرون الخمسة. قريبة أكبر سنًا مدت يدها عميقًا في خزانة قديمة وأخرجتها مع كتيّب صغير -من ذلك الحجم الذي يسمّى كتيِّب الجيب- ومعه بدأت رحلة تعلق ممتدة. يعرف أبناء جيلي مجموعات عدة من المغامرين، لكن المغامرين الخمسة لمحمود سالم كانوا الأشهر بلا منازع. لغز وراء لغز، غدت المعادي، ذاك الحي القاهري الراقي كما كان يوصف في تلك القصص، مكانًا مألوفًا ومتخيَّلًا. بل غدت مصر بلدًا ضمن نطاق المتخيّل. كنت وما زلت أتساءل، أين “ألغاز” مدننا؟ فغياب الألغاز لهذه المدن عنى غيابها من الخيال. أين خيال حمص أو دمشق؟ أين خيال قريتي؟ هي موجودة هناك في ألعابنا لكن أين هي في مخيالنا المكتوب؟ أفكّر اليوم أنها لو كانت موجودة في قصص يقرؤها الأطفال لكانت قد بنت صورة مشتركة في خيالهم لمكان يدعونه وطنًا، صورة أجمل بكثير من أناشيد الطلائع.
أي مستقبل هو؟
أول دار نشر حفظت اسمها كانت “دار العلم للملايين” اللبنانية، من خلال مجموعتها الرائعة (الناجحون) التي عرّفت جيلًا كاملًا على توماس أديسون وباستور وليوناردو دافنشي وبتهوفن ونابليون بونابارت. بل أزعم أن هذه المجموعة طبعت نظرتي للحياة وحبي للعلم، وشكّلت فكرتي عن النجاح. كانت تلك الكتب موجودة عند كل بائع كتب، وفي كثير من البيوت، حتى لتظن أن هذا البلد لن يرضى منك أن تكون في المستقبل أقل من عالم أو مخترع. لكن الكبار كانوا يتحدثون عن أمور مختلفة، عن بلد لا يطعم الفن فيه خبزًا، وعن أجر العامل الذي يفوق أجر المهندس والمدرّس معًا.
فضلت الاستماع إلى الكتب لأنها بدت أجمل، لكنك تدرك في قرارة نفسك ما يحدث.
المجلات.. ذاكرة الطفولة
قبل عودتي إلى سوريا كنت قد عرفت مجلة (ماجد) الإماراتية و(سعد) الكويتية -التي توقفت عن الصدور لاحقًا- لكن في محل القرطاسية القريب من المدرسة وجدت مجلة أسامة. هكذا اكتملت الصورة، لكل بلد مجلته الخاصة بالأطفال، الكويت أصدرت بعد سعد مجلة (العربي الصغير)، والسعودية قدمت مجلة باسم، ولبنان وصلت منه لفترة مجلة تدعى (هزار). أما مصر فكان لديها (علاء الدين) الصادرة عن الأهرام، وكانت محلية بحق، موجهة للطفل المصري تحديدًا مع صفحة بريد قراء نشطة.
ماجد كان لديها بريد قراء فعّال أيضًا، لكنها تميزت أكثر بتوجهها للقراء العرب عمومًا، مع مسابقات وجوائز شيقّة. هاتان المجلتان شجعتاني في وقت من الأوقات على أن أجمع فريقًا من الأطفال أمثالي وقتها لنصدر مجلة أطفال، وعلى سذاجة تجربتنا، فما إن أعددنا العدد الثاني حتى حذرّنا الكبار من أن هذا الأمر قد يؤدي بنا إلى المخابرات حتمًا. فتوقفنا.
على كل لم نترك الساحة فارغة، فقد كان للطفل السوري المجلة العريقة أسامة، التي كانت تبدو لي في ذلك الوقت من تسعينيات القرن الماضي كئيبة مقارنة ببقية المجلات العربية، بشكل لا يفسّره إلا جزئيًا ضعف الإمكانات المتاحة.
الكتب بين الساعتين
في حمص المدينة تعرفت على عالم أوسع من الكتب. فبالإضافة إلى المكتبات كانت هناك بسطات الكتب المستعملة، ذلك التقليد العظيم الذي يعطي القارئ نظرة على المسافة التي يبتعد فيها سوق النشر عن أذواق القراء وميزانياتهم، فيلبيها الكتاب المستعمل. لكن الأهم من ذلك أنه تقليد لسوق كتاب مفتوح على الشارع مباشرة، لا يحتاج إلى تكلّف دخول باب المكتبة، ولا إلى تحمّل نظرة البائع المتبرّم بزبائنه الذين ينظرون أكثر ما يشترون.
ومن التقاليد الحمصية الأخرى معرض مقهى الروضة، الذي كان مشرعًا لسنوات بشكل مستمر. وعند التفكير في أن أشهر بسطات الكتب المستعملة ومعرض مقهى الروضة كانت تقع في تلك المسافة بين الساعتين القديمة والجديدة، أذكر كم كان التمشي في تلك المسافة متعة لا تُضاهى.
موسوعات يتيمة
قبل الكتب، أسرتني الموسوعات، ابتداءً بموسوعات الناشئة المترجمة رائعة الرسوم التي غالبًا ما كانت تأتينا ممهورة باسم “مكتبة لبنان“. لكن بين المكتبات وباعة الكتب المستعملة، كان عالم الموسوعات يرسم خارطة أوسع للنشر العربي، فعلى عكس الموسوعات الحديثة الخاصة بالناشئة التي تباع في المكتبات، كانت هناك موسوعات أخرى تُعرض لدى باعة الكتب المستعملة، وترسم خريطة نشر متقلبة تبدأ من أعداد موسوعة المعرفة المصوّرة الصادرة في مصر في أوائل السبعينات، والتي اعتاد باعة الكتب المستعملة التفنن في جمعها، ثم مجلدات موسوعة بهجة المعرفة الليبية في أواخر السبعينات.
تلك الموسوعات ظلّت تُتداول بشغف بين روّاد بسطات الكتب المستعملة، لكنها بقيت علامات فارقة يتيمة في تاريخ النشر العربي.
المجلات والدوريات في ذاكرة المراهقة السورية
في المراهقة غدت المجلات عندي أهم من الكتب، إذ بدت لي أكثر تنوعًا وحيوية. لا أعلم إذا ما كان للموضوع دلالة، لكنها كانت في معظمها كويتية، فأهم تلك المجلات التي طبعت مراهقتي كانت مجلة العلوم، وهي ترجمة للمجلة العلمية Scientific American كما كان غلافها يشير بفخر. بعدها تعرفت إلى مجلة العربي، فأصبحت رفيقة درب محببة لفترة طويلة.
لكن الغذاء الشهري بقي يتمثل في الإصدارات الدورية عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، وبالذات سلسلة عالم المعرفة في المقام الأول، ثم تليها بقية الإصدارات الأخرى، وعلى عكس مجلات الأطفال، كانت المجلات السورية قليلة جدًا، وأقل منها المجلات العربية التي تدخل السوق السورية. ويبدو أن المجلات كما الصحف كانت خطًا أحمر في ذلك الزمن.
الوفرة والمحدودية
درستُ المرحلة الجامعية في دمشق مع بداية الألفية الجديدة، وكطالب جامعي اتسعت ذائقتي وأصبح للكتب في حياتي مكان أوسع من الموسوعات والمجلات. لكن ملاحظة كانت دائمًا حاضرة في بالي، بأن هناك الكثير من دور النشر السورية والكثير من الترجمات، لكن القليل من الكتب السورية بالمقارنة. لطالما بدت لي الثقافة السورية منفتحة على ما يتاح لها من الخارج، لا حبًا بالاطلاع بقدر ما هو نتيجة فقر في سوق النشر الداخلي للمنتج الثقافي السوري، بكل ما في ذلك من دلالات على شكل الرقابة والنشاط الثقافي في تلك الحقبة وما قبلها.
على نفس المنوال، لم تكن هناك كتب إشكالية في الشارع السوري، على الأقل ليس فوق الطاولة. حتى أن كتاب صراع الحضارات لم يسمح لي باستعارته من مكتبة الأسد الوطنية.
كانت دور النشر تصدر الكثير من الكلاسيكيات والروايات وإلى حد ما الكتب العلمية، لكن القليل جدًا حول القضايا الراهنة، خصوصًا مجال السياسة والاجتماع.
وكان الانطباع الدائم أن سوق النشر السوري يعيش في واقعه القائم على أن الكثير من القراءة تحدث هنا، لكن القليل من العالم الخارجي مسموح له بالدخول.
قد لا تكون رؤيتي مسحًا دقيقًا شاملًا لمشهد القراءة في سوريا آنذاك، إلا أن الغاية من هذا السرد لم تكن تقديم “نوستالجيا” لكتب التسعينات وأوائل الألفية، بل القول إن ثقافة تأسيسية كهذه لم يكن لها أن تصنع حسًا وطنيًا مستقلًا عن التربية المدرسية المشوهة والمشبعة بالأيديولوجيا.
أوراق/ 26

Leave a Reply