هل يمكن لجمالٍ عاش في الذاكرة أن ينجو من الحرب؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه يمسّ جوهر التجربة السورية المعاصرة، إذ تراجع الجمال بوصفه وعدًا بالبهجة ليصبح أداةً للبقاء. فإذا عدنا إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية سنجد أن الجمال يشكّل ركيزة أصيلة في بناء الوعي الإنساني؛ إذ رأى الشعراء والخطباء في الجمال طريقًا للفهم والعيش معًا، يقول الجاحظ في البيان والتبيين: “الجمال في الأشياء أصدق من الكلام، وإذا خَسِر الإنسان إحساسه به، فقد خسر نصف حياته“. بهذا المعنى، لم يقتصر الجمال على المظاهر الخارجية، أو الهيئة وحدها، وإنما كان إحساسًا عميقًا متجذرًا في التجربة والذاكرة.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على الثورة السورية وما تلاها من حرب قاسية، طرأت تغيرات واسعة على معنى الجمال في الوعي السوري، إذ تحوّل الجمال، في كثير من الأحيان، من بشارةٍ بالسعادة إلى درعٍ خفيٍّ في وجه الفقد. نعم! في بلدٍ تكسّرت ملامحه وتحوّلت مدنه إلى خرائط من الغبار، صارت الألوان تُرى بحذر، كأنها تستدعي وجعًا أكثر مما تبعث على السرور. كما تغيّر معنى الذوق الفني، وأصبحت الحساسية الجمالية انعكاسًا مباشرًا للجرح الجمعي.
- من الورد إلى الرّماد: انقلاب في الذوق
في طفولتنا نحن أبناء وبنات الثمانينات والتسعينيات كانت البيوت السورية تتباهى بتفاصيلها الصغيرة: جدران دافئة الألوان، وستائر بنقوش زخرفية، وشرفات تتدلّى منها أزهار الياسمين، فالامتلاء والبهجة لم ينفصلا عن حياتنا اليومية، وكأن الجمال في كل زاوية. لكن المشهد تغير بعد معاناة دامت أكثر من 14 سنة، إذ بات الرمادي يغلب على الجدران، والأثاث صار بسيطًا إلى حد التقشف، حتى لدى من يملكون القدرة على الزينة، فالرغبة نفسها غابت عند الكثيرين، وكأن الحواس أنهكتها الكثرة والفقد. وهو تحول تدعمه الإحصاءات غير المباشرة، إذ تشير تقديرات التكلفة إلى أن نسبة إنفاق الأسرة السورية على الكماليات الفنية والمنزلية انخفضت بما يزيد عن 70% بين عامي 2011 -2024 (وفقًا لدراسات محلية غير رسمية)، ما يجعل البساطة استجابة اضطرارية تلبس ثوب الاختيار الجمالي في كثير من الأحيان. أو كما يقول الفنان التشكيلي إبراهيم الدندل: “العين تعبت من الزحمة. ولم نعد نحتمل الألوان القوية، فكأنها تذكّرنا بالضجيج الذي لا يتوقف“.
ولعل لسان حال المنطق يقول بأن: الميل إلى الرمادي هو استجابة طبيعية لجراحٍ ممتدة. وعندما تمرّ جماعةٌ بصدمة طويلة، تبحث الحواس عن التوازن. ويتحول الجَمَال إلى علاجٍ صامت، لا إلى استعراضٍ بصري. فالرمادي، في هذا السياق، يجسّد مساحة محايدة لا تُؤذي الذاكرة أو تُثير المقارنة.
- الذّوق الجمالي بين الألم والذاكرة الجماعية
لا يمكن فصل الذوق الجمالي عن التجربة الإنسانية في لحظات الانكسار، لأن كل حرب تعيد صياغة الحواس، وتمنح الأشياء معان جديدة.
عبر التاريخ، وُلدت أكثر الرؤى الجمالية صدقًا في قلب المأساة، لذلك كان الألم صديقًا للجمال، بدلًا من أن يكون رديفًا للمأساة وحدها. وأصبحت البساطة لغةً جديدة، وصار التوازن قيمةً أخلاقية قبل أن يكون بصرية.
وهكذا، تنشأ من تحت الركام حساسيّة مختلفة، ترى في الندبة أثرًا للنجاة، وداخل الصمت نغمةً موازية للأمل. هذا التحول هو ما يصفه علماء الجمال بـ “جمالية البقاء” (Aesthetics of alSurviv)، حيث يصبح الجمال أداة وظيفية تتجاوز الزينة لتؤدي دورًا نفسيًا في الترميم المعنوي، فلا ينحسر الجمال في لحظات الحرب، إنما يتحول إلى ذاكرةٍ حارسةٍ للإنسانية، تحفظ ما تبقّى من القدرة على الحلم.
لقد شهد التاريخ مرارًا هذا التحوّل في الذائقة الجمالية، إذ بعد حروب أوروبا الكبرى، خرجت حركات فنية كـ «الانطباعية» و«الدادائية» و«السريالية» لتعبّر عن الندوبات الجمعية، وتعيد تعريف الجمال بوصفه احتجاجًا على العبث. وفي اليابان، وُلدت فلسفة الـ «وابي سابي» من رماد الزلازل والحروب، لتُقدّس الناقص والمكسور وتمنح الندبة معنى الكمال. وحتى في الحضارة العربية الإسلامية، تحولت قصائد الرثاء ومآسي الأندلس إلى ذرى من الجمال المأساوي الذي صاغ هوية الذوق المسلم لقرون. إنها الشواهد التي تؤكد أن الذوق الجمالي لا يموت في الأزمات، إنما يعيد اكتشاف نفسه من خلال الألم، كزهرةٍ تنبت في حجرٍ متصدّع.
- بين الداخل والمنفى: هوية جمالية منقسمة
يُلاحظ أن هذا الانقسام لم يقتصر على الجغرافيا فحسب، إنما شمل مستويات التعبير، فبينما اتجهت الذائقة الفردية والجماعية نحو التقشف (الرمادي)، استمرت المؤسسات الفنية والجهات الحكومية في بعض المدن في دعم أعمال فنية تميل نحو الكلاسيكية والتجريد المُنظم، ما خلق ذائقة “مؤسساتية” رسمية لا تعكس بالضرورة جرح الشارع، وبفجوة تزداد اتساعًا بين “جمالية الرسميات” و”جمالية البقاء” الشعبية.
منذ عام 2011، انقسمت التجربة الجمالية السورية كمًا وانقسمت الجغرافيا نفسها. في الداخل، تَشكَّلت حساسيةٌ جمالية تحت ضغط الخوف ونقص الموارد، بينما في المنفى، وُلدت حساسية أخرى تحاول ربط الماضي بالحاضر. وبين الاثنين، تنوعت الذائقة السورية، وأعادت اختراع نفسها. وفي المدن التي نجت نسبيًا، يميل الناس إلى المألوف، من خلال: المقاهي القديمة، والأغاني القديمة، وبرامج التلفزيون التي لم تتغير منذ عقود. حيث يمنحهم التكرار إحساسًا بالأمان بدلًا من المتعة. فكل ما يذكرهم بالاستقرار يحمل الآن معنى رمزيًا، لأن الزمن نفسه بات هشًا.
أما الفنانون في المنافي —من برلين إلى باريس إلى إسطنبول— فقد جعلوا من الذاكرة مادة خامًا لأعمالهم. إذ نجد كيف تتكرر في لوحاتهم رموز المدن القديمة، والأبواب الخشبية، والمفاتيح، والوجوه التي فقدت ملامحها. ولعلها لا تمثل نزعة حنين، بقدر ما هي محاولة لترميم هويةٍ انشطرت بين مكانين.
- الجمال فعل مقاومة
رغم القسوة، لم ينتهِ حضور الجمال في الحياة السورية. بالعكس، صار أداة مقاومة ناعمة، واستعادة رمزية للحق في الإحساس، فالصور القديمة التي يتشاركها السوريون على وسائل التواصل —شوارع نظيفة في حمص، أو حفلات مدرسية في دير الزور— ليست حالات نوستالجية، إنما تذكير بأن البلاد لم تكن دائمًا خرابًا.
كما أن مشاريع مثل “سوريا اليومية” التي يوثّقها مصورون شباب في دمشق وريفها، تُعيد الحياة إلى التفاصيل: بدءًا من الأسواق، مرورًا بحفلات الزفاف البسيطة، وانتهاءً بفعاليات الأطفال. وهذا التوثيق البصري على المنصات الرقمية يكشف عن تحول في جماليات المشهد؛ فبينما كانت الصور قبل الحرب تعتمد على العمق والزخرفة، تسيطر اليوم “جمالية الصدمة” و”جمالية البقاء”، إذ تشير تحليلات المحتوى إلى أن الصور التي تحقق أعلى تفاعل هي تلك التي تجمع بين العادية والإنسانية في قلب الدمار، محوّلةً الركام إلى خلفية درامية للحياة اليومية. كلها مبادرات تبحث عن الإحساس الجمالي. إنّها محاولات لبناء ذاكرة جديدة، تحفظ ما تبقّى من الضوء.
وفي مدنٍ تضررت بشدة، ينبت الجمال من تحت الركام من خلال شباب يرسمون على الجدران المهدمة، ونساء يزرعن الورود في بيوتٍ فقدت سقوفها، ومهرجانات صغيرة تعيد الموسيقى إلى الساحات. لعل هذه الممارسات لا تغيّر الواقع، لكنها تذكّر الناس بأنهم ما زالوا أحياء، وتؤكد بأن الجمال هنا فعل جماعي للشفاء.
- ما بعد الخراب: نحو حسّ جمالي جديد
ربما لن تعود المدن كما كانت، وربما لا يجب أن تعود، لأن الحسّ الجمالي الجديد الذي يولد اليوم أكثر وعيًا، وأكثر صدقًا، وأقل خضوعًا للزخرفة. هو جمالٌ يعرف هشاشته، ويجد في النقص معنى، وفي الندبة ذاكرة. إن الجمال الذي فقده السوريون لم يمت، ولكنه غيّر شكله. فهو يعيش في الظل، ورائحة الخبز الساخن، ولحنٍ حزين لا يزال يُغنّى، ولوحة رمادية صادقة. وحين يهدأ الغبار، سيعود هذا الجمال من جديد —لا كما كان- إنما كما صار: ناضجًا، ومجروحًا، ومؤمنًا بأنّ الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُرى.
أوراق/ 26

Leave a Reply