حاوره: أحمد خضر أبو إسماعيل
“في مسرح الحياة، حيث تتلاقى الأفكار وتتصارع الشخصيات، يقف المسرحي على الخشبة كمن يرسم لوحة الواقع بكل تعقيداتها”.
في هذا الحوار تستضيف مجلة أوراق المخرج والكاتب المسرحي رائد الجندالي، الذي أثرى المشهد المسرحي بجرأته في الطرح وعمق رؤيته.
نستكشف معه عوالم المسرح، ونتحدث عن أبرز القضايا التي تشغله، وعن أهم المحطات التي عاينها وعايشها بعد اندلاع الثورة السورية وانتصارها.
- بداية أستاذ رائد نريد أن نرتحل معك في الذاكرة البعيدة نسبيًا، نعود إلى البدايات الأولى، متى اختار رائد الجندالي أن يرفع الستار ويعلن انتمائه إلى الخشبة؟
في البداية أنا ممتن لمجلة أوراق الثقافية وأتشرف بلقائكم وحواركم في هذه المساحة الراقية.
بالنسبة لبدايات المسرح والخشبة.. حقيقةً لستُ أجزم أيُّنا اختار الآخر، فأنتَ تستطيعُ أن تؤدي مشهدًا مسرحيًا أمامَ جمهورٍ ما في صغرك، وسيغفرُ لكَ الجمهور هنَّاتكِ وأخطاءكَ الصغيرة والكبيرة لصغرِ سنِّك وتجربتك، وقد تخرجُ مزهوًا بما اقترفت قريحتك وأداؤك، لكنَّكَ أمامَ طريقين.. فإما أن تهبكَ الخشبة بعضَ التَّسلية وكثيرًا من الزهوّ أمامَ أقرانك، وسينقضي الأمر بوجودِ تسليةٍ أخرى، أو ستقودكَ من أنفك لتصبحَ عبدًا ذليلًا لها ولن تشعرَ بحريَّتكَ “الحقيقية”.. إلا باعتلائِها.
وهذا ما حدث معي منذُ أولِ تجربةِ لي في الصف الرابع الابتدائي حيثُ كانت المناسبات القومية بالنسبةِ لي لا تعني إلا مشهدًا مسرحيًا “تهريجيًا” أو مناجاة تراجيدية عبثية للقضية الفلسطينية، ومع ذلك كُنتُ أُحقنُ بلوثةِ المسرح بغيرِ إرادتي.
- لكل مُبدع تجربة قاسية، خيبة أمل أو رفض أو ربما فرصة ضائعة، ماهي التجربة التي تركت أثرًا سلبيًا في مسيرتك الإبداعية لكنها منحتك القوة لمتابعة الطريق؟
لأكونَ منصفًا.. لم يكن لي تجربة قاسية في مسيرتي المسرحية بالمعنى الحرفي، لكنَّ هزائمي كانت داخلية بحتة، فبعدَ كُلِّ عرضٍ مسرحي، حيثُ لن يشفعَ لي تصفيقُ الجمهور أو ثناءُ المسرحيين المخضرمين.. من جلد ذاتي لأنني لم أصل إلى حالة الرضى الداخلي التي ما زلت أحلم بها إلى هذهِ اللحظة. وهذهِ الحالة تفعلُ فعلها في التحريض النَّزق لاقترافِ العملِ القادم.

- في ظل عزوف الجمهور عن المسرح والتوجه إلى الدراما والسينما، كيف استطاع رائد الجندالي أن يُعيد جمهور الشباب إلى المسرح؟ وما أهم المواضيع التي تراها من وجهة نظرك قادرة فعلًا على إحياء شباك التذاكر؟
في الحقيقة المسرح هو فن تراكمي، لن تقطفَ ثمارهُ إلا بعدَ الخوض في تجارب كثيرة لتَسبرَ ذاتكَ ومن ثمَّ الذائقة العامة للجمهور والتي تتبدل كل يوم بفعل التسارع اليومي لتقنيات العرض المرئي في السينما والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي التي بدورها أثَّرت سلبًا على جمهور المسرح من ناحية الكمّ ولم تؤثر من وجهة نظري “الشخصية” من ناحية الكيف لأنَّ المتعة الروحية المباشرة بينَ الجمهور والممثل لا يمكن لأي نوع من التسلية أن يعوِّضها أو يكونَ بديلًا عنها، بالنسبة لي لا أستطيعُ أن أدَّعي بأن لديَّ المقدرة على إعادة جمهور الشباب للمسرح، لكنني أستطيع أن أجزم بأنَّ التراكم الذي حققناه كانَ كفيلًا بلفتِ انتباه فئة واسعة من الشباب خصوصًا العدد الكبير ممن خاضوا التدريبات المسرحية مع فرقة أدونيا ومن لفَّ لفيفهم، وأيضًا روَّاد المسرح العنيدين.
- “فرقة أدونيا المسرحية” استطاعت أن تتصدر المشهد المسرحي في مدينة سلمية، حدثنا عن الشرارة الأولى ولحظة الانطلاق؟
الشرارة الأولى لفرقة أدونيا كانت مع مجموعة من الفنانين الموهوبين العاشقين للمسرح، اجتمعنا وقررنا أن نخوض التجربة بشكلِ جماعي مهما بلغَ بذلُ الجهد لذلك، كنا نريدُ تقديمَ أقصى ما لدينا وكنَّا متفقين على أننا يجبُ أن نفعلَ شيئًا في خضمّ كل ذاكَ البؤس الذي كان، إذ كانت البداية في النصف الثاني من عام 2011 وأنت تعرف ما كانت الحال على جميع الأصعدة، ومع ذلك كانت التدريبات يومية كما التهديدات، كُنتُ مع مجموعة من الشغوفين الذينَ كان لهم الفضل الكبير في إنجاح الفكرة: أيهم عيشة، باسمة ناصر، علي اليازجي، رغد صافية، غيث ديبة، مي الخطيب، ياسين المسلخ، ديما الجندي، نابغ المير أحمد، فرح المير أحمد، هلا زينو، راتب جعفر.. وأول منجز للفرقة كان “نزهة في ميدان المعركة” بعدَ وقتٍ طويل من التدريب والمثابرة.
- “الآخر” من العروض المسرحية التي تركت أثرًا عظيمًا في داخلي كمتلقي، وأعادنا العرض إلى الزمن الكلاسيكي لكن من منظور معاصر، هل لا تزال الكوميديا السوداء هي الأداة الأكثر تأثيرًا في صناعة النص المسرحي؟
الكوميديا السوداء هي أحد أنواع المشارب المسرحية وتتقاسم أهميتَها بالنسبة للمتلقي مع أنواع أخرى لا تقل منزلةً عنها، فكما تكون الكوميديا فنًا جاذبًا للجمهور، كذلك التراجيديا هي من أهم الأطر المسرحية التي تمسك بيدهِ وتقودهُ إلى الغاية العليا من الفن.. وهيَ “المتعة”.
- في العهد البائد كانت الخطوط الرقابية والقراءات القبلية للنصوص تعرقل صناعة أي مادة إبداعية، كيف استطاع رائد الجندالي أن يمرر أفكاره لتصل إلى الجمهور من خلال رموز دقيقة يستطيع المُتلقي أن يفهمها، وهل تعرضت بعض النصوص للحذف أو المنع…؟
خُلقَ المسرح ليكونَ مساحةً من الحرية، والمسرحيون في ظلّ الأنظمة الشمولية الديكتاتورية كانوا ولا يزالون “حفاةً في حقلِ ألغام” وهذهِ الأنظمة إن لم تلاحقهم بمخبريها وفروعها وأدواتِ تعذيبها، فإنها زرعت في دماغِ كلِّ مبدع.. مخبرًا ورقيبًا سريًا، يلجمُ إبداعهُ إن مسَّ بأحدِ الخطوط الحمراء، أو تجرَّأ على المتاح، بالنسبةِ لي لم يكن لديَّ مشكلة مع رقيبِ السُّلطة، لأنَّ التحايلَ عليه والفرار من ألغامهِ كانَ عادة تمرَّن عليها الفنان السوري عبرَ عقود، مشكلتي الحقيقية كانت مع رقيب الرعب الذي سكنَ دماغي ولا يزال.
- اليوم أصبحت مجتمعاتنا تحت رحمة السوشال ميديا، كيف يتم توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة الصناعة المسرحية…؟
من وجهة نظري تأثير السوشال ميديا على المجتمعات بشكل عام هو تأثير مرحلي ومؤقت، وأعتقد جازمًا بأننا سنشهد ثورة مضادة عندما سيهجر الجمهور وسائل التواصل “اللا اجتماعي” وميديا الإسفاف والانحدار بالذوق العام، مقابل العودة لكل ما هو حقيقي وأصيل، والمسرح من أهمها.
- عودة مهرجان محمد الماغوط، أعادت الروح إلى جمهور المسرح في سلمية، ما انطباعاتكم حول المهرجان؟
شهدَ مهرجان الماغوط المسرحي بدورته الخامسة عودة خجولة من جوانب عدَّة منها التنظيم ومستوى العروض المقدمة في المهرجان وتكرار أخطاء تعود بنا إلى زمن البعث ومفرزاته، ومن وجهة نظري كان اسم الماغوط فضفاضًا على المهرجان في هذهِ الدورة، لكنني لا أستطيع إلا أن أثمّن شجاعة القائمين على المهرجان وأيضًا الشغف الكبير لدى جمهور سلمية المتعطش دائمًا وأبدًا لكل ما هو حقيقي.
- دائمًا هناك عمل مُحبب إلى قلب صُناعه، قصيدة مؤثرة للشاعر ورواية تُعبر عما يجول في خلد الروائي، ما النص المسرحي الأقرب إلى قلبك من أعمالك، وما الأسباب التي جعلته قريبًا من رائد دون غيره؟
أقرب الأعمال التي قدمتها إلى قلبي هو عرض “اختلاج” لأنهُ بنيَ على اختلاجاتنا وهواجسنا كسوريين أولًا وكفرقة أدونيا ثانيًا، كنا عائلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى لم يكن دوري كمؤلف ومخرج للعرض أهم شأنًا من أي فردٍ من أفراد “العائلة” الكل يبذل أقصى ما لديه، كانت مجموعة استثنائية قبل أن يفتت شملها الاغتراب وهجرة معظم أفرادها هربًا من بلدٍ لم تكن لهم.
- اليافعين مرحلة عمرية حساسة، حدثنا عن تجربة مسرحية “فكرة” مع اليافعين، وما الصعوبات التي تواجهها كمخرج مع الطاقات الشبابية اليافعة؟
تجربة العمل مع اليافعين كانت بمثابة رافعة جديدة في مسيرة الفرقة لأنها جعلت دماءً جديدة تتدفق لها ممن لديهم شغف المسرح وقد أصبحوا الآن زملاء لنا وفنانين مهمين، بعد سلسلة من الأعمال المسرحية التي شاركوا بها وأيضًا الورشات المسرحية المستمرة، أكبر المصاعب كانت هي دراسة النفسية لليافع وكيفية دعمه بكل الوسائل، خصوصًا أنَّ مرحلة بناء شخصيَّتهِ ترافقت مع مرحلة الحرب وما رافقها من ويلاتٍ ورعب.
- “فوتوشوب” نقلة نوعية من الخشبة إلى شاشة السينما، حدثنا عن أسباب هذه النقلة النوعية في مسيرتك الإبداعية، إضافةً إلى مشاركتكم في أفلام فنون اليوبيل 2025 الذي أُقيم في دبي مؤخرًا، وهل هناك أي نية للتوجه نحو الكتابة أو الإخراج في الدراما التلفزيونية في مستقبل قريب؟
أنا أكتب للسينما والتلفزيون منذ زمن ليسَ بالقليل ولديّ العديد من المحاولات بهذا الإطار، لكنني لا أدعي شغفًا وتمسكًا وممارسةً لهذهِ الأنواع من الفنون بسبب الضغط الذي يمارسهُ عليَّ بشكل “نبضيّ” عشقي للمسرح. وبصراحة قد أمتلك موهبة الكتابة للدراما وقد لا أمتلك منها الشغف.
مشاركتي في فنون اليوبيل للأفلام القصيرة في دبي بفلم “فوتوشوب” كانت خطوة مهمة لي ولفريقي وقد تتكرر في أي وقت.
- رائد الجندالي مسيرة خاضت غمار صعوبات عديدة في ظل قبضة أمنية ورقابية، إضافةً إلى إهمال واضح من قبل نظام الأسد للعمل الإبداعي، لكن اليوم سوريا بعد انتصار الثورة، ما رسالتكم إلى الجهات المعنية بما فيها وزارة الثقافة، وما الأعمال التي تحضرون لها في المستقبل القريب؟
رسالتي إلى الجهات المعنية بالشأن الثقافي في بلدي الحبيب سوريا..
الفن هو مرآة لأي مجتمع على وجه البسيطة، وقد يكونُ أكثر من ذلك بكثير، فإن أنتَ أطلقتَ يدَ الفنّ “الحقيقي” ووسَّعتَ مساحةَ حرَّيتهِ، وبذلتَ لهُ بقدر بسيط مما قد تبذل لسلاحٍ أو غيرَ ذلك، فإنكَ ستجدُ دورًا رقابيًا ونهضويًا وتعليميًا وأخلاقيًا وبيئيًا وترفيهيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وحتى دينيًا.. منقطع النظير. فرسالتي واضحة للمعنيين بالشأن الثقافي.. لا تبدلوا أغلالنا بأخرى، وأنا هنا لا أنكر مخاوف الفنانين عمومًا من هذهِ الفكرة، في هذهِ الفترة بالذات، لذلك أطلب من المعنيين أن يكونوا شركاءَ “حقيقيين” للفن وللفنانين في قادم الأيام.
بالنسبةِ لنا في /تجمع أدونيا الفني/ لدينا العديد من الأعمال على طاولة النقاش، بعضها بدأنا به بشكلٍ حثيث ومحموم وبعضها الآخر ينتظر فرصة أفضل من ناحية الدعم اللوجستي والمادي والمعنوي.
لكننا مستمرون.. أيًا تكن الظروف.
في النهاية.. لا يسعني إلا أن أشكر مجلة “أوراق” على هذهِ المساحة الراقية من البوح.
في الختام نتمنى لكم أستاذ رائد مزيدًا من التألق والنجاح، ونشكر سعة صدرك وصبرك وكلنا أمل بأن المسرح السوري سينفض رماد الحرب ويعود إلى الصدارة بهمة صُناع المسرح السوري الأحرار.
أوراق/ 26

Leave a Reply