حتى سنوات قريبة، كانت القراءة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية لعدد مقبول من السوريين، سواء في مرحلة الطفولة والمراهقة أو المراحل اللاحقة لا سيما الجامعية منها. لم تكن القراءة مرتبطة بنخب ثقافية ضيقة فقط، إنما كانت حاضرة في أماكن عدة لا سيما في المنازل، من خلال كتب فكرية أو علمية مكمّلة للمرحلة الدراسية، أو روايات عربية، ومجلات ثقافية أو مجلات أطفال ومجلات معرفية. هذه القراءة وإن لم تكن دائماً اختياراً واعياً، لكنها شكّلت ممارسة مستمرة تركت أثراً طويل الأمد في طريقة التفكير والتواصل.
الروايات العربية أو العالمية كانت من أوائل النصوص التي قدّمت للسوريين سرداً اجتماعياً مختلفاً عمّا يقدّمه الخطاب الرسمي أو المدرسي. عبرها تعرّف القرّاء إلى المدينة، والعائلة، والسلطة، والعمل، والصراع الاجتماعي، من زوايا غير مباشرة. في المقابل، لعبت مجلات الأطفال والناشئة دوراً تعليمياً واضحاً في توسيع دائرة المعرفة العامة، من علوم وتاريخ وجغرافيا، بلغة مبسّطة ومنظمة. أمّا القصص المصوّرة، فساهمت في بناء علاقة مبكرة مع السرد، وترتيب الأفكار، وربط النص بالصورة.
من الاعتياد الثقافي إلى أثر اللغة
يمكن فهم هذه الظاهرة ضمن ما يسميه بيير بورديو “التنشئة الثقافية”، حيث لا تُكتسب الميول المعرفية بالضرورة عبر قرارات فردية واعية فقط، وإنما من خلال الاعتياد اليومي داخل الأسرة والبيئة القريبة. القراءة، في هذا السياق، كانت جزءاً من رأس مال ثقافي يُنقل بشكل غير مباشر، من خلال وجود الكتاب نفسه في الفضاء المنزلي، وتطبيعه بوصفه شيئاً مألوفاً. هذا الحضور المستمر للكتاب، حتى حين كان مرتبطاً بالواجب المدرسي أو الفضول العابر، أسّس لعلاقة وظيفية مع المعرفة، قوامها الاعتياد وهو ما يفسّر بقاء أثر القراءة حتى لدى من لم يتحوّلوا لاحقاً إلى قرّاء منتظمين.
من زاوية سوسيولوجيا المعرفة، يمكن ربط هذه التجربة أيضاً بما يطرحه كارل مانهايم حول تشكّل الوعي ضمن أطر اجتماعية محددة، حيث لا تُفهم الأفكار بمعزل عن شروط إنتاجها وتداولها. القراءة في السياق السوري وإن لم تكن ممارسة حرة بالكامل أو حتى ممارسة متاحة بشكل دائم، لكنها كانت واحدة من المساحات القليلة التي سمحت بتكوين وعي جزئي خارج النسق المدرسي الرسمي، وهو ما منحها دوراً يتجاوز المتعة أو التحصيل، نحو بناء نمط معيّن من التفكير والتواصل.
أيضاً فإن القراءة المبكرة يمكن أن تنعكس بشكل مباشر على اللغة المستخدمة لاحقاً في الحديث والكتابة، فكثيرون اكتسبوا مفرداتهم الأساسية، وطريقة تركيب الجمل، وأساليب الشرح، من الكتب أكثر مما اكتسبوها من المدرسة وحدها. هذا الأثر اللغوي ترافق مع تطوّر نسبي في القدرة على النقاش، وعلى عرض الأفكار، وعلى التمييز بين المعلومة والرأي. حتى وإن لم يكن هذا الأثر متساوياً لدى الجميع، لكنه كان ملموساً لدى فئات واسعة.
القراءة وتشكّل العلاقة الفردية بالمعرفة
الكتب الأولى ساهمت في تشكيل علاقة السوريين بالمعرفة نفسها، فالقراءة علّمت أجيالاً كاملة أن المعرفة ليست حكراً من خلال السلطة أو المؤسسة التعليمية، بل يمكن الوصول إليها بشكل فردي. هذا الوعي، حتى حين بقي محدوداً، لعب دوراً في تكوين نزعة نقدية خفيفة، أو على الأقل في عدم الاكتفاء بالمعلومة الواحدة. وضمن سياق سياسي مغلق، شكّلت القراءة إحدى المساحات القليلة التي يمكن للفرد أن يوسّع فيها أفقه المعرفي دون صدام مباشر.
يمكن تفسير هذا الأثر بالاستناد إلى أعمال ليف فيغوتسكي حول العلاقة بين اللغة والتفكير، حيث يرى أن اللغة ليست أداة للتعبير فقط، إذ تكون الإطار الذي تتشكّل داخله العمليات العقلية نفسها. القراءة المبكرة وفق هذا المنظور، تعيد تنظيم التفكير، وتمنح الفرد قدرة أعلى على بناء المعنى، وترتيب الأفكار، وربط الأسباب بالنتائج. في الحالة السورية، لعبت الكتب دوراً بديلاً جزئياً عن المدرسة، التي غالباً ما ركّزت على الحفظ والتلقين أكثر من تنمية المهارات التعبيرية.
من جهة أخرى، يمكن الاستفادة من طرح ميخائيل باختين حول “تعدّد الأصوات” في اللغة، حيث تؤدي القراءة المتنوعة إلى تعريض القارئ لأنماط مختلفة من الخطاب، وأساليب متعددة في عرض الرأي والحجّة. هذا التعرّض المبكر ساهم في تنمية حسّ لغوي يسمح بالتمييز بين الوصف والتحليل، وبين السرد والموقف، وهو ما انعكس لاحقاً في القدرة على النقاش، حتى ضمن حدود اجتماعية وسياسية ضيّقة.
القراءة وبناء المخيال
تأثير القراءة لم يقتصر على الجانب الثقافي أو اللغوي، بل امتد إلى مسارات الدراسة والعمل. كثير من التوجّهات المهنية ارتبطت بشكل غير مباشر بما قرأه الأفراد في مراحلهم الأولى، سواء في العلوم، أو الأدب، أو الصحافة، أو الفنون. القراءة لم تكن سبباً مباشراً لهذه الخيارات، لكنها ساهمت في توجيه الاهتمام، وتوسيع التصوّر الممكن لما يمكن للفرد أن يدرسه أو يعمل فيه.
يمكن مقاربة هذا الأثر من خلال مفهوم “الأفق الممكن” كما يظهر في علم الاجتماع التربوي، حيث تشير دراسات رايمون بودون إلى أن اختيارات الأفراد لا تُبنى فقط على القدرات أو الفرص المادية، بل على ما يستطيع الفرد تخيّله بوصفه خياراً قابلاً للتحقق. القراءة المبكرة من جانبها وسّعت هذا الأفق، وقدّمت نماذج معرفية ومهنية لم تكن متاحة في الواقع الاجتماعي المباشر، خصوصاً في بيئات محدودة التنوع المهني أو خاضعة لتقسيمات تقليدية للعمل.
من زاوية أخرى، يمكن الاستفادة من تحليلات أنطوني غيدنز حول تشكّل الهوية الحديثة، حيث تصبح السيرة الذاتية مشروعاً يُعاد بناؤه باستمرار عبر المعرفة والتجربة. القراءة في هذا السياق، لم تُحدّد المسار المهني، لكنها وفّرت مواد رمزية ومعرفية تساعد الفرد على تخيّل ذاته في أدوار مختلفة، وعلى إعادة تعريف طموحاته ضمن حدود الواقع المتاح. في الحالة السورية، حيث كانت الخيارات المهنية غالباً محكومة بالظرف الاقتصادي أو التعليمي، لعبت القراءة دوراً تعويضيّاً في توسيع المخيال المهني، حتى وإن لم يُترجَم دائماً إلى مسار فعلي.
*تلفزيون سوريا
