فدوى العبود: عن الرواية وأسرار أخرى: في نقاش الكتابة وصنعتها

ليس جديدًا السؤال عما يجعل عملًا روائيًا أصيلًا ويجعل عملًا آخر من دون روح. ورغم المحاولات لتحديد سرِّ هذه الوصفة السحريَّة، لكن الإحاطة بمكوناتها لا يضمن النتائج. وهذا يقود إلى السؤال حول إمكانية أن نكتب رواية. بمعنى آخر، هل يمكننا أن نكون روائيين جيدين عبر التعلم فقط؟ بحيث يقول الآخرون “هذا مكتوب بشكل جميل”، أو “يبدو هذا الروائي وكأنه يتمتع بموهبة حقيقية”.
هل يعزى للمثابرة والإصرار وحدهما ولادة روائي حقيقي، وماذا لو كان وصّافًا لا أكثر ولا أقل؟ ما أسرار هذه الصنعة التي تتجاوز التعلم إلى غير المرئي، وما معادلاتها السحرية التي تأتي بعضها مع جينات الإنسان، وبعضها الآخر من قدره، والقسم الأهم من عناده؟ ما المعيار الذي يجعل نصًّا يتجاوز الزمن، بينما يقف آخر على حدود زمنه ثم يحكم عليه بالنسيان؟ وهل للكتب أقدار كالبشر، يُظلم بعضها، وينال الآخر فوق استحقاقه لربما تنصفه الأيام؟…
تطرح هذه القراءة ثلاث رؤى من خلال ثلاثة معلمين في الأدب: الكاتب والسياسي البيروفي ماريو بارغاس يوسا، في كتابه “رسائل إلى روائي شاب”(1)، ورائد الواقعية إميل زولا “في الرواية ومسائل أخرى”(2)، وأخيرًا “كيف تُكتب الرواية” للروائي جابرييل غارسيا ماركيز(3)، وهي تعكس ثلاثة توجهات يقدّمها هؤلاء الرواد.
يرى يوسا ــ مؤلف “شيطنات الطفلة الخبيثة”، و”الفردوس على الناصية الأخرى”- وعبر إحدى عشرة رسالة، منها “الميل لاختلاق حياة متخيّلة، القدرة على الإقناع، الأسلوب، الراوي، الزمن، مستوى الواقع، النقلات النوعيّة، المعلومات المخبّأة، وصولًا إلى الأواني المستطرقة”، أنّ كل كتابة هي تمرّد على حياة معيشة، وهذا يعني الإقرار بأن الخيال هو قائد الأوركسترا في هذه السيمفونية التي تقوم على الميل للاختلاق، حيث “لا شيء أقل من العبودية؛ ما يعني أنها انكباب يقصي كل ما عداه؛ أو بتعبير توماس وولف ’لقد عرفت أنني قد تحولت إلى كاتب، عرفت ما الذي يحدث لإنسان جعل من حياته حياة كاتب’”.
ويتابع يوسا على امتداد رسائله الموجهة إلى روائي شاب تبيان أهمّية الخيال في طرح سؤال الحقيقة، ومعنى أن يكون الكاتب حقيقيّا، حين يكتب عن تجربته المعاشة، وفي هذا الخصوص لا يهم كيف نختار الموضوع، بل كيف نحكيه، أو نسرده.
والطريقة التي تتجسّد بها القصة هي التي تجعلها أصيلة، أو مبتذلة، عميقة، أو سطحية؛ وهي التي “تمنح الشخصيات الكثافة والغموض والاحتمالية، أو تحولها إلى كركترات بلا حياة، إلى دمى يحركها مدبّر العرائس”؛ من دون أن يشترط ذلك التماسك، فالشكل يستطيع منحنا ذلك عن طريق الأسلوب والنسق، “فالأول يتعلق بالكلمات، بالبناء الذي تروى به القصة، والثاني: بتنظيم المواد التي تتألف منها تلك القصة، البناء الروائي، الراوي، الزمان، المكان”.

وهذا يعني ضمنًا نسف مقولة “الأسلوب هو الرجل”، وإقرار بقبول الكتابة على طريقة خوليو كورتاثار، الذي كان يفاخر بأنه يكتب “في كل مرة أسوأ مما سبق”.
فخراقة الأسلوب ــ أو الأسلوب الأخرق ــ يجعل القارئ يعي أن هنالك فجوة بين الكلمات ووقائع القصة، فجوة تتسرب منها قوة الإيهام التي تقوم عليها القصة. إذ يجب محو تلك الفجوة بجعلها غير مرئيّة.

ينحاز يوسا إلى نظرية غوستاف فلوبير حول الراوي، “أي فكرة الاكتفاء وسيادة التخييل، واكتفاءه الذاتي بجعل القارئ ينسى أن هنالك من يروي له ما يقرأه”، رافضًا المطابقة بين الراوي والمؤلف حتى في حال ضمير المتكلم “فالأول كائن مصنوع من كلمات، أما المؤلف فهو من لحم وعظم، وله حياة تسبق وتلي كتابتها”. ويذكِّر بنصيحة فلوبير حول ما يسمى “حيادية الراوي”، الذي يقتصر على السرد متجنِّبًا إبداء رأيه في ما يرويه؛ ما يقتل الوهم بالقصة التخيّلية، ويجعلها تابعة لأحد غريب عن القصة.
يشدد يوسّا على التقنية، من زمان ومكان ونقلات، مع ضرورة أن تكون التقنية غير مرئية، فالنصر العظيم للتقنية الروائية هو “ألا يحسّ القارئ أنه يقرأ، بل يعيش تخييلا تمكّن من الحلول محلّ الحياة ولو للحظة على الأقل”.
والنقلة لا تعني تبدل الزمن، أو المكان، فحسب، بل قد تكون على “مستوى الواقع”. مثال ذلك في رأي يوسا رواية “بيدرو بارامو”، إذ لن ينسى من يقرؤها “الإحساس الذي راوده حين يكتشف بعد تقدمه في القصّة أن جميع شخصياتها ميتة”… أحيانًا لا يعي الكاتب، أو لا يفعل ذلك، بقرار واع، بل يحدث تلقائيًا، ومن دون تخطيط.
وتأتي الرسالة الحادية عشرة- “الأواني المستطرقة”- تأكيدًا على طريقة عمل الرواية، إذ يخترع الراوي الحقيقي أحيانًا وسائل جديدة وغير متوقعة لإيصال رسالة ما. فقد استخدم غوستاف فلوبير، في “مدام بوفاري”، هذه التقنية ببراعة، أي أنه دمج واقعتين، أو أكثر، تجمع بينهما كلية سردية. والهدف هنا هو إعطاء دلالة جديدة. يحلل يوسا المقطع المعنون بــ”المعرض الزراعي”، تروى الأحداث بطريقة متشابكة، “تتبادل المعايشات، ويجري بينها تفاعل، فتنصهر الوقائع في وحدة تجعل منها شيئًا مختلفًا عن كونها حكايات متجاورة”.
وإذ يتداخل المشهد الغرامي الملتهب “لإيما”، و”رودولف”، وعباراته الإنشائية مع العبارات الإنشائية لمسؤولي السلطات، مع صوت الأبقار والحيوانات، فإن حضور الأبقار والفلاحين مع حيواناتهم وهو “عامل واقعي” جعل ذلك الحوار الغرامي الذي تتخلله كليشيهات جاهزة واقعيًا، وإلا كان قد ذاب في ما هو غير واقعي، “فالوحدة السردية هنا اغتنت بهذا المزج، الذي زوّد المجموع بتماسك ثري، أصيل”، حيث تتكامل القصتان.
بخلاف ذلك، ينحاز إميل زولا في كتابه “في الرواية ومسائل أخرى” للحسِّ الواقعيّ، فالمخيّلة ليست المزية الرئيسة في الكتابة، فهنالك روائيون يكتبون على نحو سليم، ويحصلون في نهاية المطاف على شهرة أدبية جيدة، يكتبون بشكل جميل يبهر الجمهور الذي يقول إن هذا مكتوب بطريقة جيدة، وهم يبدون وكأنهم يتمتّعون بموهبة حقيقيّة، لكن أغلب هؤلاء قد يكونون محرومين من التعبير الشخصيّ. “إن عباراتهم ومفرداتهم لا تنبثق من صميم أنفسهم أبدًا”، وحظُّ الكاتب من التعبير الشخصي هو المعيار “ويقصد به الفرادة وترك انطباع قوي”، فالكاتب الحقيقي هو من يواجه الواقع ويكشف تناقضاته في النهاية.
وتنطلق رؤية إميل زولا من نظرته للأدب كمسؤولية، وأنه يجب أن يخدم الحقيقة. وعلى امتداد ثلاثة أقسام “في الرواية، في المسرح، الكاتب والعصر”، يقدم نظريته رافضًا فكرة البلاغة الشعرية والروائية التي لا تكفي لتأسيس عالم روائي، بل يرفض فكرة التخييل المفرط الذي يبتعد بالسرد عن التفاصيل والمعاينة الحقيقية للواقع. ويجب تذكر أن زولا هو رائد المدرسة الطبيعية، إذ يرى مؤلف “مأساة امرأة مستهترة” أن “أجمل ثناء كان في الماضي يخص المخيلة هو القول عن روائي أنه يتمتع بمخيلة”. أما الرواية الحديثة، فقد انحسرت عنها لصالح وصف الحياة كما هي.
في المسار ذاته، يفضل جابرييل غارسيا ماركيز أن يقدم رؤيته للرواية من خلال مجموعة من المقالات يطغى عليها طابع الحكاية. ففي مؤلفه “كيف تكتب الرواية”، يشدّد على ضرورة أن يتحدث “الكاتب جيدًا في الأدب، قبل أن يقرّر كتابة رواية” وهو ينحاز للمقولة “نريد قليلًا من الأعمال وكثيرًا من الأقوال”؛ فالشيء الوحيد الذي يفوق الحديث في الأدب هو صناعة الأدب الجيد.

وتدور مقالاته في هذا الكتاب – “أزمنة الكوكا كولا، التخاطر باللاسلكي، مصاعد الأربعاء، الريف حيث الدجاجات تمشي نيئة، بيجي أعطني قبلة”، وغيرها- حول فلسفته لهذا الفن. وفي اعتقاده أن هذا أسهل نسبيًا من القصة القصيرة، فإذا لم تنجح المحاولة من التجربة الأولى في كتابة القصة فلا داعي للمحاولة؛ أما في الرواية فنحن أمام ما يشبه البناء، إذ من الممكن العودة للبدء من جديد.
يحاول مؤلف “مائة عام من العزلة”، و”عينا كلب أزرق”، وغيرهما، إيصال رسالة مشفرة عن كتابة الرواية عبر مجموعة من الحكايات، فهي في نظره أمر ذاتيّ جدًا لكونها ما نعيشه. وكما أن الحدس إضافة للروح الفطرية، إلى جانب ملكة التخاطر، فهو من مكونات هذه الوصفة السحرية، رديف للكتابة. وفي مقال “التخاطر باللاسلكي”، يتحدث عن نقاء هذه الملكة واعتبارها أمرًا جوهريًا لا بد أن يمتلكه الكاتب. كما يلمح إلى أنه لا يمكن للروائي تعلّمها، كما يمكن فهمها، ولكن لا يمكن تفسيرها من خلال المعادلات الكيميائيّة.
إن كل هذه المكونات تفلت من النقد، لأن الأخير “هو تمرين للعقل والذكاء، بينما يتدخل في الإبداع الأدبي إضافة لهما الحدس والحساسيّة والتخمين، وحتى المصادفة، وهي عوامل تفلت دائمًا من أكثر شباك البحث النقدي دقة”.
وقد يكون الموضوع عاديًّا، لكن السرد، أو “كيف نرويه”، هو ما يجعله استثنائيًّا، وإن ما يجمع هذه الرؤى هي مسألة دقيقة تتلخص في أن نهب أنفسنا للكتابة.
وباختصار، أن نعيش من أجل هذا الكائن الذي يتغذى علينا، عند يوسا، حيث الكاتب “لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب”، وأن “نضع أنفسنا بكاملها فيما نكتب”، عند إميل زولا. وبالنسبة لماركيز، فأن تكون آخرًا يعني حرفيًا أن يتغذى عليك هذا الآخر، أن يعيش الكائن المصنوع من كلمات حياته المستقلة، وأن يقيم الأمسيات، ويرسل رسائل الشكوى للمطارات حول العالم، أن يقيم ندوات، ويجري حوارات. ويتابع الثراء والسعادة شابًّا ووسيمًا إلى الأبد، بينما يواصل الكاتب من لحم ودم “الهرم أمام الورقة”.

إحالات:
(1) ماريو، بارغاس يوسا، رسائل إلى روائي شاب، ترجمة: صالح علماني.
(2) جابرييل، غارسيا ماركيز، كيف تُكتب الرواية، ترجمة: صالح علماني.
(3) إميل زولا، في الرواية ومسائل أخرى، ترجمة: حسين عجّة.

*ضفة ثالثة

Share:

You Might Also Like