سوزان خواتمي: من المقاهي إلى الخوارزميات: رحلة الوعي الجمعي في العصر الرقمي

يتغير الوعي الجمعي بفعل عوامل متعددة، اجتماعية واقتصادية وسياسية، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً في العقود الأخيرة، كان بلا شك الثورة التكنولوجية الرقمية، بعد أن دخلت في تفاصيل حياتنا اليومية. 

قبل الثورة الرقمية، شكلت الصحف والمنابر الثقافية والمقاهي فضاءات حيوية لتبادل الأفكار وتكوين الرأي العام، إذ وفرت الصحف مساحة لمقالات تؤطر الحدث السياسي والثقافي وتحللها، بينما ساهمت المنابر الثقافية في ترسيخ الوعي النقدي، وكانت الحوارات والنقاشات تُدار حول طاولات المقاهي، فمتى تم اختزال كل ذلك، ليستقر في شاشات الهواتف الذكية؟

منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، ومع توسع الفضاء الرقمي، وصعود المنصات الاجتماعية، بما أتاحته من بوابات حرة للنقاش وتبادل المعرفة دون وسطاء أو قيود مؤسساتية، أصبح التعبير عن القضايا يلقى تفاعلاً واسعاً عبر تطبيقات مثل: تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، يفوق في معظم الأحيان ما تحققه الندوات والمقالات الاكاديمية.

هذا التحول دفع بوسائل الإعلام التقليدية إلى تطوير نفسها، فالصحف الورقية اتجهت إلى تأسيس مواقع الكترونية رديفة، كما بدأت البرامج المرئية على القنوات مثل BBC وSkyNews متابعة آراء الجمهور وعرضها.

التشويش المعرفي

أتاح الفضاء الرقمي مساحات من حرية التعبير، ما خلق وعياً مشتتاً، وانفعالاً جمعياً موجهاً، يمكن تسميته “العقل الجمعي الإلكتروني” الذي يؤثر في السلوك الفردي، ويضعف قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة. الاستنتاج السابق خلصت له إحدى الدراسات الجامعية في الجزائر عنوانها “أثر الإعلام الرقمي في تشكيل الوعي لدى فئة الشباب الجامعي”، فالبيئة الرقمية تسبب حالة من التشويش المعرفي، إذ يصعب على الشباب التمييز بين المعلومة الدقيقة والشائعة، وبين الرأي المدروس والانفعال اللحظي. 

رغم ما تثيره الرقمنة من تحديات معرفية ونفسية، لا يمكننا إنكار ما أتاحته من فرص غير مسبوقة لنشر المعرفة وتوسيع دائرة المشاركة، فقد مكّنت الأفراد من الوصول إلى مصادر متنوعة، ووفرت منصات للتعبير الحر، وفتحت المجال أمام فئات كانت مهمشة في الإعلام التقليدي لتقديم رؤاها ومطالبها. كما ساهمت في تعزيز الوعي الحقوقي، وتسهيل التعلّم الذاتي، وتشكيل مجتمعات رقمية تتبادل الخبرات والمعرفة عابرة للحدود الجغرافية والثقافية.

عن أحد هذه النماذج، يبرز برنامج “خطيرة” الذي تقدمه الإعلامية الأردنية روان الضامن، وهو منصة رقمية نسوية تتناول قضايا المرأة بشكل جريء وغير مسبوق، يسهم في إعادة النظر تجاه مفاهيم الجندر والحقوق والصورة النمطية للمرأة.

أستطيع أن أضيف ما يقدمه صاحب المحتوى السوري بشر نجار في برنامج “ديستوبيا“، الذي يُبسط المفاهيم المعرفية والثقافية بأسلوب الساخر، وقد حققت حلقاته نسب مشاهدة مرتفعة تتجاوز مئات الآلاف.

السلطة الخفية والوعي الفردي

الرقمنة بخوارزمياتها المتقدمة تتحكم في مسارات الانتباه، وتعيد ترتيب أولويات العقل وفقاً لأنماط التفاعل والتفضيلات الرقمية. ورد هذا التصور في أفكار ميشيل فوكو حول السلطة الخفية، في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، الذي يتوافق مع رؤية جان بودريار حول الواقع المُعاد إنتاجه إعلامياً، إذ تصبح الحقيقة انعكاساً لما تفرضه الوسائط من سرديات وصور موجهة.

الفضاء الأزرق رغم انفتاحه الظاهري، فإنه يحمل في الوقت ذاته خطر الانغلاق داخل فقاعات معرفية، تجعلنا كمستخدمين ننساق وراء محتوى مصطنع. لا نرى إلا ما يُراد لنا أن نراه، وفقاً لتفضيلات الخورازميات ضمن دائرة مغلقة من التأثير المتبادل. 

لكن، هل ما زال بإمكان الفرد استعادة موقعه كمُنتِج للوعي، لا كمستهلك فحسب؟

يتطلب توجيه الوعي الجمعي تعاوناً بين التشريع، والتقنية، والتعليم، والمجتمع، كي نضمن أن تبقى الخوارزميات أدوات مساعدة لا أدوات موجهة للوعي، أما على صعيد الوعي الفردي، فإن امتلاك أدوات النشر والتعبير ليس كافياً إن لم يرافقه إدراك يعيد تشكيل المحتوى من الداخل، ويعرضه للتساؤل والتشكيك. إن التفكير المستقل، يستطيع خلق محتوى يُسهم في تفكيك السرديات الموجهة، ويُعيد الاعتبار لدور الفرد في صناعة الوعي الجمعي، لا الانقياد له. 

في المحصلة.. إن رحلة الوعي من المقاهي إلى الخوارزميات ليست مجرد انتقال تقني، بل تحوّل في جوهر التفكير الجمعي، يتطلب اليقظة الفردية والمجتمعية كي لا نُختزل في تفضيلات رقمية.


مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like