سحرية الرواية والقصة والقصيدة الرقّية بين الوراثتين الجينية والبيئية

إعداد: أحمد خميس

التمهيد:

يمثل الأدب منتجاً إنسانياً معقداً يتشابك فيه البعد الاجتماعي مع الموروث الثقافي، وتتجلى من خلاله انعكاسات التحولات التاريخية على البنية الرمزية واللغوية للمجتمع. وانطلاقاً من هذا المنظور، تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة السحرية في الأدب الرقي، سواء في الرواية أو القصة أو القصيدة، بوصفها تجليات لوراثتين أساسيتين: الوراثة الجينية المرتبطة بالانتماء القبلي والأسري، والوراثة البيئية المتصلة بالمكان، ولا سيما نهر الفرات وما يحيط به من فضاءات اجتماعية وثقافية.

إنّ المجتمع السوري بعمومه، شهد تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة، تمثلت في الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، ومن الفضاءات الرحبة للقرية إلى واقع المدينة المشحون والمعقد، علاوة على مشاعر الهزيمة التي مُني بها الوجدان العربي بدءً بالنكبة مروراً بالنكسة وحرب تشرين وصولاً إلى ثورات الربيع العربي التي أفرزت واقعاً أدبياً جديداً ومختلفاً، تمثل بأدب اللجوء وأدب الثورة وشكلاً من الأدب السجون أكثر إيلاماً وعنفاً وهو ما انعكس بوضوح على البنى السردية والشعرية المنتَجة في هذه البيئة. ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن الخصوصية التي تميّز الأدب الرقي من حيث لغته، وصوره، وبنيته العاطفية، بوصفه نموذجاً حياً للتفاعل الجدلي بين المجتمع والأدب.

الإشكالية:

  • كيف أثرت التحولات الاجتماعية والاقتصادية في الرقة على شكل الأدب ومضمونه؟
  • إلى أي مدى لعبت الوراثة البيئية (الفرات، المضافات، أو ما تعرف بالأوضات، الحكاية الشعبية) والوراثة الجينية (الانحدار العائلي الشعري والشفهي) دوراً في تشكيل الخصوصية الأدبية الرقّية؟
  • هل ساهم التهميش السياسي والإقصاء الثقافي في تشويه ملامح الأدب الرقي أم ساهم في تعزيز خصوصيته؟

المنهجية:

  • المنهج السوسيولوجي للأدب: اعتماد العلاقة بين البنية الاجتماعية (الأسرة، القبيلة، الموروثات الشعبية) والإنتاج الأدبي بصفته نشاطاً بشرياً منظماً، يخضع لمناهج علمية وقوانين ناظمة. 
  • المنهج التحليلي للنص: دراسة نماذج من الشعر الشعبي الرقي والقصيدة الفراتية، وربطها بالميثولوجيا. 
  • المنهج التاريخي: رصد حركة التحولات الأدبية الرقّية ضمن مراحل: ما قبل الدولة الحديثة (الحالة الطبيعية) فترة القمع السياسي، مرحلة الغمر، والتهجير.

الأهداف:

  • رصد واقع الحركة الثقافية في الرقة سيما النشاط الأدبي المعاصر وأبرز الأسماء التي ساهمت في دفعه قدماً. 
  • الخوض في الأسباب التي أدت إلى تجاهل الأديب الرقي وأبعدته عن المنابر الإعلامية السورية. 
  • تسليط الضوء على بعض الشعراء الشعبيين الذين ساهموا بخلق كيان أدبي فراتي خاص والتأكيد على أهمية منتجهم الشعري في إغناء المكتبة الرقية والسورية عامة. 
  • تحليل الخصائص الأدبية في الأدب الفراتي. 
  • رصد العلاقة بين التحولات الاجتماعية (الأسرة، القبيلة، القرية، المدينة، العائلات الممتدة والنووية) والأدب. 

الفحوى: 

  • التحولات الاجتماعية وتأثيرها على الأدب الرقي 

يعلم الجميع أنّ المجتمعات في حالة صيرورة مستمرة بفعل الديناميكية التاريخية، فمن المشاع إلى الرق فالإقطاع ثم البرجوازيّة وصولاً إلى الشكل الحالي الذي نعيشه والمتخبّط بين الفردية المطلقة إلى القبائل الرقمية التي تتجلى بمجموعات “فيسبوك” و”واتس آب”…

المجتمع السوري هو مجتمع قبلي انتقل من قبليته إلى مدنيته بحكم ما ذُكر سابقاً، لكن ثمّة نقطة جوهريّة ربما لم يسبق أن تطرق لها أحد سيما فيما يتعلق بالدراسات والقراءات الأدبية، وأنا لست بصدد الحديث عنها مطولاً لكن بإيجاز سأقول فيها:

إنّ الأُسر الممتدة والتي تتكون من الأجداد، والأعمام، والأحفاد، والأسباط الذين يجمعهم بيت واحد، وعائلة واحدة، ويعودون بقرارهم إلى المرجعية الكبرى في هذا الامتداد الدموي، الذي يمثله غالباً كبير العائلة قد انقرض بالتدريج بحكم تردّي الأحوال الاقتصادية؛ فهؤلاء البشر مجتمعين يحتاجون إلى الأكل والشرب والتزاوج… وإلى ما هنالك من احتياجات، وتلبية لذلك بدأ الشكل البسيط للأسرة بالتماهي بسبب الشرط الاقتصادي أولاً؛ فتحولت الأسرة من شكلها (الممتد) إلى شكلها المسمى (نوويّاً) في علوم الاجتماع فتلاشت الزعامة وأصبح الفرد كياناً مستقلاً بذاته، فتمدنت الحواضر إن صحّ استخدام مفهوم التمدّن لتوصيف حالة كهذه.

وبالعودة إلى العنوان المتعلق بالسحرية في الرواية والقصة والقصيدة الرقّية.

في الحقيقة، هذا البحث البسيط الذي أجريته على عجالة يدركه تماماً المهتمون بالأدب والأدب الرقّي على وجه خاص وما أقصده بالسحرية هنا؛ هو تلك العاطفة الدفّاقة التي امتاز بها كُتّاب الرقّة وشعراؤها عن سواهم، فالمتتبع يستطيع استشعار ذلك بكل سهولة.

فاللغة العذبة وما تحتويه من صور، وبلاغات وتشبيهات نراها فريدة في الأدب الرّقّيّ بشكل مبالغ فيه أحياناً.

النفس الطويل، والرِّقّة عنوانان رئيسان في المنتج الإبداعي الرقِّي.

في هذا المقال أُشرّح وأصقل مفهوم الأدب ومعنى الحكاية وطرحها بأسلوب أناس ما تأثروا كثيراً بعجلة التاريخ التي كانت تطحن ضرورة معنى البساطة التي تحدثتُ عنها بمقدمتي؛ بحيث حافظ الرقّيون على كيان خاص بهم حتى فترة ليست ببعيدة. 

يقول جان جاك روسو إن القوانين التي وضعها البشر حالت بينهم وبين الحالة الطبيعية، وتشير الحالة الطبيعية إلى الشكل الأول من أشكال التآلف البشري قبل أن تتحول هذه الحالة إلى اجتماع تضبطه ضوابط، وتقيده قوانين توزعت ما بين الحقوق والواجبات: “إنّ هذه القوانين حالت بين الإنسان وبين وازعه إلى الخير”. (بتصرف) 

  • نبذة في الرواية الشفهية والشعر الشعبي: الموروث الثقافي للرقة. 

الرواية والقصة ليستا مفهومين غريبين عن أهل الرقة وأعني بذلك أنهما جزء من بنية النظام والبناء المجتمعي. (فالمضافات) والأسر الممتدة التي ذكرناها سابقاً كانت أشبه بمعارض للكتب ومسابقات الشعر تُتدوال فيها الأساطير، ومناقب الأولين سواء البعيد منهم والطاعن جذره عميقاً في مدى التاريخ، أو القريب إليهم كالأجداد الأقارب. ودائماً ما كانت هذه (الأوضات أو المضافات) كما ذكرنا ملتقىً ثقافياً بالمعنى الدقيق؛ تُعرض فيه الحكاية وتُمارس عليها كل قوانين النقد والسبر والتقصّي. 

في هذه المنتديات (المضافات)؛ كانت الرواية الشفهية لا تتوقف عند الرواية التاريخية فحسب (الزير سالم، أبو زيد الهلالي وعنتر بن شداد) بل إنّ للعجائبية والأسطورية متسع (حكايات الجن والخرافات والأساطير) حاضرة بشكل صارخ ومن منا لم يسمع بمجالس الصوفيّة (الزوايا والتعاليل) وذلك الخيال الأخّاذ الذي كان يسلب الناس عقولهم، ويجعلهم يسبحون في فلك الأسطورة بمعناها الأصيل، فاستلهموا منها الحكمة والسكينة، وساهمت في خلق فلسفة جمعية وفردية بشكل أو بآخر. 

أما فيما يتعلق بالشعر أو شعر الأغنية (محمد الحسن – حسين الحسين – محمود الذخيرة – شلاش الحسن – عبد الرحيم الشويمي – خليل العباس) فلا أعتقد أن هنالك بقعة على وجه الأرض امتازت بشعريتها الغزيرة والدفاقة، والتي جالت وعالجت مواضيع كثيرة على رأسها الوطن والحب والرثاء والمدح والهجاء. 

“كلُّ رقّيٍّ شاعرٌ على نحوٍ ما، وكل الرقيّات شاعرات” قانون لا يدركه إلا من كان رقّيّاً. 

المرأة الرّقّيّة قادرة على نظم الشعر أينما حلّت؛ فتقول الرثاء في زوجها الميت، وفي أختها، وأمها، وابنها وجارها، بل تقوله حتى في كنتها وحماتها وضرتها. 

في رثاء الأب مثلاً تقول اليتيمة:

(يومن نويتوا عل ممات 

چان لا خلفتوا بنات) 

وتقول:

(يا بويا لفني بعباتك 

تراني الزغيرة من بناتك) 

وتقول أيضاً:

(علواه بيت أبويا عامر 

وأمي بنص البيت تامر) أي تؤمر 

وتبكي أهلها مسنّة فتقول:

(علواه تجوني أربعتكم 

خطّار وآني معزبتكم) 

وتنعى صغيرة البيت والدها وإخوتها:

(بالبيت تبكي مدللكتم

مدري زعل، مدري فاگدتكم) 

وتقول أيضاً: 

(آني الچنت مدللتكم 

ولا عاش حالي من بعدكم) 

والثكلى بابنها تنعوه:

(بساع يا عيني رحلتم

ولا طاح شيب ولا كبرتم) 

ومن هذه الأمثلة الكثير… 

تقول الرقية الشعر في حصاد القمح، والقطن، والشمندر، وفي قطاف الزيتون، ورعي الغنم، وحلب أبقارها في المساء. 

في رضاعة ابنها، وفي أثناء نومه وفطامه ومشيه، وقلع أسنانه اللبنية، وفي ذهابه إلى المدرسة أو التجنيد. 

وفي الحرب تقول:

(الورد الأصفر بالخراب 

والموت طايح بالشباب) 

(شباب يا ورد الربيع 

وعلواه تاجركم يبيع) 

وأما عن النهر (الفرات) فكان الحاضر الشاهد الملهم الدافع في كل ما ذُكر… للفرات قدسية عند أهله وهنا تتجسد الوراثة البيئة التي تمنح المنتج الأدبي إطاراً مكانياً جليّاً بذاته فريداً عن سواه.

وأمثلة الأدب كثيرة في ذلك، فكما للأدب الروسي من طابع، وللأمريكي، والإسباني والبلغاري والتركي والمصري؛ كان للرقّي شكله وطابعه بفراته. فالعذوبة سمة وسمت المكان وأهل المكان. 

  • السردية الرقية بين ازدهار البدايات وقمع السياسات

يقول الروائي والمفكر السوري الراحل معبد الحسون:

إن القصة ابنة القرية، والرواية ابنة المدينة مستشهداً بتشيخوف الذي كتب الأولى، وبدوستويفسكي الذي كتب الثانية، مؤيداً ذلك بالتفاصيل والتعقيدات التي تتخلل المدن، وهي التي تثري خيال الروائيّ الذي يعتمد في بنائه على الجزئيات، والانتقالات الثقيلة، بطيئة الخطى. 

على عكس القصة التي يُبنى هيكلها صغيراً بهيئته، غنياً بطرحه، مكثّفاً بأفكاره. (بتصرف) 

ورغم أهمية هذا القول فإنني أتفق ولا أتفق معه بالمطلق، ولكن دعونا نعتمده نقطة مرجعية أُولى، وحجراً نبني عليه مقالتنا. 

لا يخفى على الكثيرين منا أهمية الرقّة كمدينة على القصة كمنتج أدبي وريادتها لهذا المجال عقوداً طويلة؛ إذ تناقل أبناؤها مشعل الحكاية، والنص القصصي من (خليل الحميدي، وابراهيم الخليل، وأحمد محمود المصطفى، وعبد السلام العجيلي، وتركي الخليل، إلى موسى عباس، وموسى الحالول، ويوسف دعيس، ومحمد الحاج صالح، وعبد الرحمن مطر، وأيمن ناصر) 

بدايةً، فعل الكتابة: هو وجهة نظر ورؤية الكاتب للأشياء، والأحداث، والمواقف من حوله، وانتقالها من الانطباع مروراً بالملاحظة فالإحساس، إلى أن تتحول إلى قضية مدوّنة تصوغها مخيلة مرتكزة على جذرها الأول. 

هذه الرؤية التي تتشكل بفعل الضمير العام، وتسهم في تشكيله في الوقت نفسه فتمنحه وتضيف إليه بقدر ما تستمدُّ وتستلهم منه. 

القصة الرقية كمفهوم لم تخضع لفعل الكتابة وأدواتها بالمعنى الدقيق؛ أي عبر مؤسسات نشر وتوزيع، ولا لإعادة تدوير حقيقية حيث تخرجها من الإطار الاجتماعي الضيق إلى الفضاء الأرحب؛ فضاء التعريف وتحديد الهوية العامة لهذه المنطقة الجغرافية الأمر الذي جعل ملامحها ضبابية ولن نقول مشوهة (الخناجر لأحمد محمود المصطفى مثلاً والذي يعتبر من وجهة نظري فارساً لا يشق له غبار في ساحات السرد القصصي، لكن من منا يعرف هذا الرجل حتى على صعيد الوسط الأدبي).

وذلك لأسباب عديدة لسنا بصددها، لكن قد تتقدمها الأسباب السياسية التي كانت تثخن بقبضتها على مكان ما دون سواه، وتكيل بمكيالٍ مثقوب غالباً أو لأسباب أعمّ وتتمحور حول شعور كتّابها الذين آثروا طرح وتناول القضايا والهموم الكبرى التي عاصروها وعانوا منها. وبما أن الأدب هو الإطار الفني للجرح كما يقول د. موسى عباس دأب كتّاب الرقة إلى تأطير جراحهم التي عانوا منها من النكبة إلى النكسة وحرب تشرين وصولاً إلى سياسات القمع والتكميم التي كانت تمارسها أجهزة الأمن البعثية، وما رافق تلك المرحلة من توترات عاشتها المنطقة العربية فتغيرت على إثرها الخرائط فكانت “الحب والنفس” و”بنادق لواء الجليل” (قصص) للراحل عبد السلام العجيلي إبان النكبة و”قلوب على الأسلاك” (رواية) أيام الوحدة السورية المصرية.

وتجدر الإشارة إلى جنوح أغلب كُتاب المدينة لتناول قضية الغمر، والمغمورين هذه المأساة الكبيرة التي دُونت بتاريخ المدينة، مجزرة جغرافية وتاريخية تضاف إلى سجل المذابح الكثيرة التي تعرضت لها البلاد. 

فصل حافظ الأسد بحجة تطوير البنى التحتية للبلاد رأس العائلة عن جسدها. 

فحالة (التكديش) التي تحدث عنها تركي رمضان في روايته (برج لينا) لم تكن مجرد حكاية فرس أحالها الحال من أصيلة لا تشرب إلا من عذب النهر إلى بغلة شُدّت على طنبر حوّاج أو بائع متجول. إذن يمكنني القول إن هزيمة ما منيت بها السردية الرقية التي كانت تخوض حرب سرديات ضروس سيما وأن المتتبع لمعركة الأقلام آنذاك كان يدرك أنّ هزيمة الرقيين كانت قاب قوسين أو أدنى لأنها كانت تدرك أن مجرد الكلمة قد تواجه بالكثير من العنف والإذلال وحتى السجن وهذا ما حدث فعلاً. 

ربما انتصرت سردية خيري الذهبي، وفارس زرزور، وجان ألكسان على حساب سرديات أدباء الغمر أنفسهم. 

لم تكن الهزيمة فنية على الإطلاق، بل هزيمة إعلامية ولوجستية ومن هنا يمكننا أن نفهم أسباب التهميش والإقصاء الذي مورس بحق من حملوا رفات ذويهم بأكياس الطحين على حد وصف د. موسى رحوم عباس، ونقلوها إلى حيث منفاهم خارج أراضيهم وبيوتهم التي قررت السلطات بلحظة إعدامها غرقاً،

وعبد السلام العجيلي الذي قال مهدياً روايته المغمورن:

“إلى الذين على رؤوسهم المغمورة بنيت أمجاد وازدهرت حظوظ، إلى المغمورين أهدي روايتي”.

  • المحكي والفصيح في الأدب الرقّي: انصهار الذاكرة واللغة

وبالعودة إلى تحليل بنية النص الفراتي وهيكليته شعراً كان أو رواية وقصة سيلحظ القارئ ما إن يلج عالم الأدب الرقي أن أدباءه وبكل عبقرية وعفوية وظّفوا المفردة المحلية الشعبية في النسيج العام للنص الفصيح فتماهت الألفاظ وانصهرت التراكيب في وحدة أدبية رصينة وعذبة. 

فيقول مثلاً عيسى الشيخ حسن:

إذا “تضاضا” بما في العين من بصرٍ 

خلت الدليل ينادي “بيّنت حلبُ” 

شوفي العجاجَ” و”شوفينا” إذا اقتربت 

منازلُ الريح، ترعى بينها السُّحبُ

“لا عاش عمركِ” إن حسّبْتِنا انكسرت 

منّا “العواميد” أو أُرخِي لنا سببُ

“مجنونةٌ أنتِ؟!” ما متنا، وما دُفنت

منّا المروءات، أو أصحابها غربوا

باقٍ هنا “بيتنا المعمور” ما بقيت

شمسٌ تغيب وتُرجى حين تحتجب”

كذلك يقول الكاتب والفنان التشكيلي أحمد ظاهر في موضع آخر:

ستركب بحراً

ويأخذك إلى أرض ماكنت ستبلغها 

ويقودك منفى ليسلمك لمنفى آخر 

وسيأتي بعدك أغراب مثل جراد أصفر 

ستُمزقُ عباءة أمك 

ويُسرق سيف الجد المخبوء بصندوق العرس 

وأنت ستمضغ ليلاً كل كآبات الغرباء 

سترى أنهاراً تشبه نهرك 

لكن لا تتقن تلك الأنهار حكايا النايات

فتلك بلاد لا تنبت في الطين الزل  

لا تعزف فيها الأشجار مقامات الموليا 

ستجترح لروحك في عزلتها نعاوة حزنٍ ليليٍ

ستبكي وتنوح طويلاً:

يا خجلة السفّان

الــ مالگه لشاحوفو مرسى

وخجلة الروج الــ مالگه

للرمل ونسه

هي هاذي ايام عبسه

ويا بعدكم…

جفّل بروحي السوالف

أدري بمسافات البعد

ما عدها رحمه

وبيها خسّه

هذا التلميع الذي طال القصيدة التي كتبها شعراء الرقة بحيث مزجوا الموروث والمحكي بالفصيح ليس فضلة أو اعتباطاً أو رغبة في التلاعب بمعايير القصيدة وشكلها المألوف، بل هو إحساس عميق بالامتنان والعرفان يشعرها ابن المدينة وشاعرها تجاه مدينته، ولهجته، ورغبته في الوصول إلى قلوب جيرانه وأهله وأجداده. 

قال ماركيز يوماً حينما سُئِل:

لماذا تكتب؟ 

فأجاب، ليحبني أهلي وأصدقائي أكثر فأكثر. 

نعم نحن نكتب ليحبنا أهلنا أولاً وقبل كل شيء… 

الخاتمة:

في الختام أريد القول إنني كروائي أنتمي بكلي إلى تلك البيئة ذات الطبيعة الأدبية الساحرة، غرفتُ منها ما استطعت ولكنني اكتشفت أن قِرَبي ما زالت خاوية، وروحي بعد عطشى، وإنني في ظمأ مستمر، سيما وأن الحرب نثرتنا كصوفي نثر سُبحته وأعلن ردته، ولفظتنا البلاد كبركان يلفظ جوفه، لذا فمسؤوليتنا تجاه لغتنا كبيرة، فهي الإرث الأهم، والأعظم الذي لا بد وأن نورثه لأبنائنا الذين باتت حروفهم العربية عسيرة عليهم، وثقيلة كقطع الطوب على ألسنتهم التي بدأت تستسيغ الألمانية والإنكليزية والتركية، وتلحن بالعربية لحن الأعاجم. 

لغات الشعوب تتجاوز كونها وسيلة تواصل، إنها تاريخها وحبلها السُّرّي الذي يصلها بجذرها الأول، ويرفع من قدرها، ويكسبها احترام غيرها من أمم، يحدث ذلك فقط حينما يشعر المرء، كل مرء أنه مسؤول عن تعليم بناته، وبنيه لغتهم حتى وإن أصابه ما أصاب السوريين من هجرة ولجوء فرضت عليه أن يتحدث بلغات الأقوام التي رحبت به وفتحت له أبوابها.. 

مواكبة العالم لا تعني تحجيم العربية ولا الخجل منها، بل مواكبته بالحفاظ عليها وتعلم لغات أخرى تثرينا، وتساعدنا في النهوض، وإعادة إعمار بلادنا المدمرة. 

المصادر: 

  • خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر (١٧٧٥) – جان جاك روسو 
  • رواية المغمورون – عبد السلام العجيلي 
  • رواية بيلان – لدكتور موسى رحوم عباس 
  • رواية برج لينا – لـ تركي محمد رمضان 
  • عيسى الشيخ حسن – قصيدة أبي
  • أحمد الظاهر – نبوءات كاهنة الماء  

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like