- وهل نحتاج دوماً إلى أرض ثابتة نقف عليها؟!
مع إجابته هذه، استطاع أن يحصل على ذلك العمل أخيراً، وصار في مقدوره سدّ العجز الذي خلّفه رحيل أخيه الكبير الذي كان المعيل الوحيد لهم.
اختار أخوه الهجرة غير الشرعية للنجاة من هذه البلاد، كما كان يردد دائماً، لا يعرف الآن إن كان قد نجا مع من نجَوا، فالقارب المطاطي غرق، ونجا منه ابنا الجارة، وصديقهم الذي أكد رؤية أخيه على اليابسة، بينما أكد الشابان “ابنا الجارة” أنه قد غرق.
الخطوة الأولى يجب أن تكون واثقةً ثابتةً، وإلا ستكون النهاية؛ ظلّ يهذي ليله كلّه بهذا، وهو يفكر:
هل يضع القدم اليمنى أم اليسرى أولاً؟ يهبط بأصابع قدمه، أم يضعها بكلّ ثقلها؟ هل يوجد من يسنده؟ هل يحتاج إلى أن يكون سريعًا؟
لم ينم، ظلّ مشغولاً بآليّة الوقوف على السقالة، يجرب ذلك على فراشه المهترئ، ويذم الفقر الذي دفع والده قبل وفاته إلى بيع جميع الأسرّة في المنزل ليصرفها على دواء عجّل في موته.
كان يردد: “لو أن هناك سريراً واحداً، أو أيّ شيء مرتفع أستطيع التجربة عليه!”
فكّر: ربما لو أن أخاه تدرب أيضاً، لكان وجد في القارب المطاطي أرضاً ثابتة.
في الصباح، كان أول الواصلين إلى الورشة. وقف يتأمل السقالة المرتفعة، تتمايل قليلاً مع النسيم، وكأنها تسأله: “هل أنت مستعد؟”
شدّ قبضته على الحبل المربوط بجانبها، وحاول أن يتذكر كل التمرينات الليلية، كل القلق، وكل الرهبة.
“القدم اليمنى أولاً” همس لنفسه، ثم راح يتسلق البناء مستعيناً بالحبل الذي ربطه على خصره، تخيل أخاه يمسك بحبل مثله ويتمسك بالقارب مقاوماً أمواج الماء، بينما راح يمضي بخطوات مرتعشة نحو السقالة.
كانت حرارة الشمس تلسعه والعرق يتصبب من جبينه، قلبه يقف على شعرة ويهدده بالتوقف، وعقله يهذي بكل احتمالات السقوط. ولكنّه استمر! أخيراً رفع رأسه إلى الأعلى، فشاهد السماء بعيدة زرقاء، بلا قوارب ولا غرقى، فقط فضاء مفتوح لا يحتاج إلى أقدام واثقة، بل إلى قلب يؤمن أن الثبات وهم، وأنّ المحاولة المتأرجحة قد تحمل النجاة!
حين وصل إلى المكان الذي يمكن القفز منه إلى السقالة، كانت يداه ترتجفان، لكنه حاول الوقوف ثابتاً. شعر وكأنه أخوه، يشق طريقه في البحر، مغمض العينين، يراهن على أمل لا يراه أحد سواه.
أغمض عينيه قليلاً، تمنى لو أن الريح تحمل صوته إلى مكان وجود أخيه حيّاً كان أو ميتاً.
فتح عينيه، وهناك، على هذا الارتفاع الشاهق بالنسبة لتجربته الأولى، وعلى هذه القضبان المهترئة، فكر بمقولة سيكتبها الليلة إن نجا على صفحته على الفيسبوك:
“ليس المهم أن تكون الأرض ثابتة، بل أن تكون أنت مستعدًا للسقوط، والنهوض كل مرة”
وبينما كان يحاول أن يثبت نفسه أكثر على السقالة، سمع صراخاً من الأسفل.
لم يفهم أول الأمر ما الذي يحدث، كان كلّ ما يراه عيوناً شاخصة نحوه، وأحد العمال يشير إليه بيديه بعصبية يريده أن ينتبه!
نظر أسفل قدميه المرتجفتين، فرأى أحد الألواح الخشبية التي يقف فوقها قد بدأ بالتصدع.
سيغرق/سيقع ميتاً إن لم يقفز! ومن دون أن يفكر، ألقى بجسده نحو كومة الرمل والحصى القريبة من البناء. كان الألم يشتعل في كتفه، لكنه حي.
أغمض عينيه ليلتقط أنفاسه، فشعر أن الرمل يتفتت من تحته، كان يتحوّل إلى ملح. وراح في غيبوبته يسمع صرخات العمال تختلط بنداءات الغرقى.
كان صوت أنفاسه يلسعه بينما يفكر في الكتلة الذي قفز نحوها، تراها كومة الرمل أسفل السقالة، أم زبد البحر الذي ابتلع أخاه؟
مدّ يده المرتجفة نحو الأعلى بحثاً عن إجابة أو نجاة، فاصطدمت بكفٍ دافئة. لم يعرف إن كانت يد أحد العمال وهي تحاول رفعه، أم كانت يد أخيه تنتشله من الغرق.
مجلة أوراق/ 25
